توارى تلاميذ «قاعة الأسرار الثمانية» عن الأنظار سريعاً ، ولم يتبعهم «عشيرة سمك الشفرة السوداء» ؛ بل تابعوا مسيرهم وكأن شيئاً لم يكن.
أما ذلك العضو ذا الذراع الواحدة من عشيرة سمك الشفرة السوداء ، فقد كان يلتهم ذراع تلميذ القاعة بمتعة ، مستلذّاً بنظرات الحسد التي ترمقه بها العيون من حوله.
تبددت «قوة الروح» في عيني «لين تشيان» تدريجياً ، وانصرف ذهنه عن مراقبة «عشيرة سمك الشفرة السوداء». عقد حاجبيه بقوة ، غارقاً في تفكير عميق.
وحين رأى «يي شين» حال «لين تشيان» هكذا ، اقتربت منه وسألت "تشيان الصغير ، ما الخطب ؟ تبدو شاحب الوجه قليلاً ".
"كيف لا أشحب ؟ بصفتي فرداً من «العشيرة الآدمية» ، كيف لي ألا أغضب وأنا أرى ذراع أبناء جلدتي تُبتر على يد عرقٍ آخر ، وتُقدّم كأنها طعام شهي ؟ ". وما إن فرغ من كلامه حتى تنهد «لين تشيان» ، وأخرج «بلورة التصوير» من يده ، وضخّ فيها «قوة الروح» ، فظهرت صورة حيّة أمامهم ليشاهدوا ما جرى.
بعد أن رأوا الأحداث تتكشف أمامهم ، غطت «يي شين» فمها من هول الصدمة ، عاجزة عن النطق بكلمة ، والتصقت بجانب «لين تشيان».
أما «لي يونفنغ» فكان يصرّ على أسنانه بقوة تكاد تهشمها ، وابيضّت مفاصل يديه من شدة قبضهما ، وشرعت هالة من الوحشية تتصاعد منه. حيث كان قد بدأ بالفعل بسؤال «لين تشيان» عن مكان وجود هؤلاء الأوغاد ، مستعداً للانطلاق في حملة إبادة.
لو قُتل المرء في معركة لقلة حيلته ، لما أثار ذلك غضباً كهذا ؛ ففي النهاية ، هم خصوم يتصارعون لمصالحهم ، والموت في المعركة يحفظ للمرء كرامته الأساسية.
لكن تصرف ذلك العضو ذا الذراع الواحدة من عشيرة سمك الشفرة السوداء كان مختلفاً كلياً ؛ فقد عامل «العشيرة الآدمية» كطعام ، وهو ما لا يختلف عن معاملة الماشية.
كانت هذه الإهانة أكبر من أن يحتملها «لي يونفنغ» ، وبات على وشك فقدان صوابه.
أما «تشانغ زيد» و«تشانغ تشي» و«تشانغ ونشوان» ، الواقفون بجوارهم ، فقد بدت ملامحهم كالحة. فما فعلته «عشيرة سمك الشفرة السوداء» لم يكن إلا وصمة عار في جبين فخر «عشيرة البحر».
تتنوع الأعراق داخل «عشيرة البحر» ، ويختلف كل منها في طباعه وأسلوبه ، لكنهم جميعاً يعتزون بكرامتهم ، ويعدّون أنفسهم نبلاء يترفّعون عن أكل الكائنات الحية العاقلة.
كان «لين تشيان» يعلم ذلك ؛ فقد تملّكه الفضول يوماً وتساءل هل تأكل «عشيرة القرش» البشر ؟ وسأل «تشوغه مينغ» الذي رجع إلى كتب العلماء ، وخلص إلى أن «عشيرة البحر» لن ترتكب فعلاً دنيئاً كهذا قط.
غير أن الواقع الحالي نسف استنتاجات «تشوغه مينغ» تماماً ، مما جعل أبناء «عشيرة البحر» مثل «تشانغ زيد» و«تشانغ تشي» و«تشانغ ونشوان» يغلون من الغضب.
رغب «لي يونفنغ» في الاندفاع لإبادة «عشيرة سمك الشفرة السوداء» ، وخصّ بالذكر ذلك الأعور.
وشاركه «لين تشيان» في شعوره ، وكذلك «يي شين» ، بل وتمنّى كل من «تشانغ زيد» و«تشانغ تشي» و«تشانغ ونشوان» تطهير شرف «عشيرة البحر» بتقطيع أفراد «عشيرة سمك الشفرة السوداء» شرّ تمزيق.
لكن المنطق أخبرهم بأنهم لا يستطيعون فعل ذلك ولا يسعهم ملاحقة تلك العشيرة أو مهاجمتها.
فقد رأوا حين أفسحت الجماعة الطريق سابقاً الشخصية التي كانت يناديه ذاك الأعور بـ "سيدي " والذي لم يكن سوى زعيم «عشيرة سمك الشفرة السوداء» الذي حضر هذه المرة!
وما إن رأى «تشانغ زيد» زعيم «عشيرة سمك الشفرة السوداء» حتى انطلق لسانه باللعنات "تباً! كيف دخل هذا العجوز الشمطاء إلى هنا ؟ إنه في «مملكة الصحوة»! ".
قبل دخول «أطلال العالم الصغير» ، رأوا بوضوح قادة مختلف الفصائل يحومون في الهواء ، يحدقون بتركيز في البوابة ؛ وكان من بينهم زعيم «عشيرة سمك الشفرة السوداء» الذي كان يتحدث بودية مع «تشانغ تيانشين» ، وكأن العداوات القديمة قد تلاشت كما يتلاشى الغبار في مهب الريح.
حين شاهد «لين تشيان» ورفاقه ذلك المشهد ، بدا لهم الأمر غريباً للغاية ؛ إذ خُيّل إليهم أن النزاع السابق بين «عشيرة البحر ذات الأذرع الثمانية» و«عشيرة سمك الشفرة السوداء» قد طُوِي.
كم هو أمر عجيب!
لكن وحوش الاستطلاع الخاصة بـ «لين تشيان» كانت قد انتشرت تدريجياً ، وأصبحت الغابة المكونة بالكامل من «خشب الروح» تحت مراقبة «قسم الفن السماوي» التام ، كما تلقى تقارير من «تشوغه مينغ» بشأن المرأة ذات الرداء القصرِيّ.
وبعد سرد الأحداث السابقة ، عرف «لين تشيان» هويتها من خلال رواية «لي يونفنغ».
قال «لي يونفنغ» وهو يبدي نظرة ازدراء بعد سماع وصف «لين تشيان» لها "إنها الأميرة الخامسة لـ «سلالة تشين» ، متغطرسة ومستبدة ، لا تُطاق ، وتعتمد على موهبتها الفذة وخلفيتها العريقة ، وطريقتها في التعامل مع الأمور حقيرة بحق. وعلى الرغم من أن «طائفة الكاريزما» تبعد مسافة عن «سلالة تشين» إلا أن سمعتها السيئة قد ذاعت في الآفاق ".
وبحسب «لي يونفنغ» ، فإن الأميرة الخامسة تُدعى «تشين ييي» ، وسلوكها مقزز للغاية ، لكن «إمبراطور البشر» الحالي لـ «سلالة تشين» يعشق هذه الابنة بجنون ، وقد أدّى تدليله لها إلى فساد أخلاقها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، بل كان إخوتها الأمراء الأقوياء يكنّون لها مودة عميقة ، مما زاد من تماديها في سلوكها الدنيء الذي يبعث على الازدراء.
ومع ذلك فإن قوة «سلالة تشين» هائلة ، إذ تحتل اثنتين وثلاثين ولاية ، وقد حظيت في هذه الرحلة إلى «أطلال العالم الصغير» بثمانية عشر مقعداً ، متفوقة على «طائفة الكاريزما» بمراحل.
لكن لا ينبغي الاستهانة بـ «طائفة الكاريزما» أيضاً!
ففي نهاية المطاف تمتلك «سلالة تشين» إرثاً يمتد لأكثر من تسعة آلاف عام ، ومن الطبيعي أن تكون قوتها بهذا الحجم بعد كل هذه السنين من التطور ، لكن «طائفة الكاريزما» حالة مختلفة تماماً.
فقد أسس «شوه ييآن» الطائفة بمفرده ، وفي غضون مائتي عام فقط ، استطاعت السيطرة على تسع ولايات ، ولديها الكثير من القوات تحت إمرتها ، وهي تتألق بوضوح بين القوى الناشئة في الآونة الأخيرة.
ولم يكن هذا فحسب ، فقد برزت «وادى روح الدم» و«قصر القطب المزدوج» في نفس الفترة تقريباً ، واحتل كل منهما ثماني وعشر ولايات على التوالي.
إن هذه القوى الثلاث الناشئة من «النطاق الجنوبي» لم تظهر إلا خلال المائتي عام الماضية ، لكنها وضعت بصمتها بالفعل على المسرح العظيم لـ «النطاق الجنوبي» ، وحجزت لنفسها مكاناً.
وبالمقارنة ، فإن الصعود المزعوم لـ «طائفة وانشيانغ» و«طائفة شينغتيان» من «ولاية الساحل» هو أمر مثير للسخرية.
ومع ذلك حتى لو اتحدت القوى الثلاث الناشئة الكبرى ، فإنها لا تقوى على مجابهة «سلالة تشين» التي لا يمكن هزّ أركان قوتها التي راكمتها عبر تسعة آلاف عام بخبرة مائتي عام فحسب.
بعد أن انتهى الحديث عن «سلالة تشين» ، راقب «لي يونفنغ» «لين تشيان» بصمت ، راغباً في رؤية رد فعله.
فبالنسبة لشخص قد يغضب كياناً عملاقاً كهذا حتى كائن إلهي مثل «الأخ لين» سيشعر بالقلق على الأرجح.
وكأنه أراد رؤية علامات الخوف على وجه «لين تشيان» ، تعمّد «لي يونفنغ» المبالغة "أخي لين ، لقد أغضبت «سلالة تشين» هذه المرة ، ولن يكون الأمر يسيراً. ألم تكن أيضاً إمبراطوراً لإمبراطورية ؟ أخشى أنك بمجرد مغادرتك من هنا ، سترسل «سلالة تشين» جيشها مباشرة لمهاجمة «إمبراطورية هواشيا» ".
لكن وجه «لين تشيان» لم يظهر فيه ذرة من الذعر ، بل كان حماسه يجعله يرتجف من قمة رأسه إلى أخمص قدميه.
وعلاوة على ذلك سخر «تشاو لونغ» الذي كان يقف غير بعيد ، حين سمع كلمات «لي يونفنغ» ، وغلفته هالة ملموسة من نية القتل "لا حاجة لمثل هذا العناء ؛ فأفعال تلك المدعوة أميرة قد استفزت بالفعل «إمبراطورية هواشيا» ".
"إن النتيجة الوحيدة لتحدي «إمبراطورية هواشيا» هي الفناء! ".