الفصل 2284: ضفدع في بئر
لقد خطط الاثنان للأمر بدقة وإحكام ؛ فقد اختارا موقعاً لنصب الفخ بحيث لا يتمكن البارون من الفرار ، أو طلب التعزيزات ، ولا يُكشف أمرهما.
وبفضل المصفوفات التي أعدتها "بيرل " مسبقاً ، حظيا بأفضلية هائلة. و علاوة على ذلك لم يكونا يعملان بمفردهما ؛ فقد تعاون الاثنان مع العديد من الأجناس المختلفة خلال بحثهما عن الكنوز ، وخاضا غمار المناطق الرمادية في المجتمع.
ولكنا لم يسمحا لمثل هذه الأمور بأن تحيد بهما عن الطريق إلا أنهما كونا علاقات واسعة لتصريف كنوزهما المكتسبة بسهولة دون لفت الانتباه ، كما أنهما كانا يستعدان لهذا الأمر منذ أمد طويل.
لقد تقصيا أحوال البارون ، ووجدا أعدائه ، وتحالفا معهم دون الكشف عن هويتيهما الحقيقيتين.
بل إنهما استشارا "كليف " في الخطة ؛ ورغم أن "كليف " كان شديد التحديد في إجاباته ، مكتفياً بتقديم التوجيه الدقيق الذي طلباه دون تنبيههما إلى أي ثغرات محتملة في خطتهما إلا أنهما اعتادا منه هذا السلوك.
لقد أخبرهما "كليف " سابقاً بأن التعلم عبر الجهود الذاتية هو أفضل سبيل للنمو ؛ فهو وإن كان يوجههما ويعينهما إلا أنه لن يذلل لهما كل الصعاب. فإذا كانا ، رغم كل ما يقدمه من عون ، لا يستطيعان تجاوز عقبات بسيطة ، فإنهما لا يستحقان توجيهه.
ورغم كل ذلك الإعداد ، عندما نصبا الكمين للبارون كانت المعركة أشد صعوبة مما توقعا بكثير. حيث كان البارون يرتدي درعاً ما كان ينبغي أن يكون متاحاً لشخص في مستواه ، مما حماه من إصابات قاتلة ؛ فمثل هذا الشيء النفيس لا بد وأنه خرج من أيدي إحدى السلالات النبيلة.
وفضلاً عن ذلك كانت مهاراته ومستوى تدريبه أعلى بكثير مما أظهره للعلن. و كما كان يحمل معه العديد من تدابير الطوارئ ، سواء للهرب من الفخاخ أو لاستهداف الأعداء. ولولا أن "ريفر " كان متخصصاً في استخدام الدروع ، مما جعل قدراته الدفاعية أعلى بكثير من المعتاد ، لتعرض لإصابة بالغة ، بل ربما كان قد لقي حتفه!
وعلى نحو مماثل ، وجدت "بيرل " أن هزيمته أصعب بكثير مما كانت تتوقع. فمنذ أن سلكت طريق زراعة الجسد والروح بالتوازي لم تعد تجد خصوماً يشكلون تحدياً لها بين السلالات التابعة.
ورغم أنها لم ترقَ بعد إلى مستوى السلالات النبيلة إلا أنها كانت قوية بما يكفي. ومع ذلك أثبت البارون "نيستر " أنه ليس ممن يتباهون بألقاب جوفاء ؛ فقد كان الرجل داهية ، ومخادعاً ، وقوياً.
وفي نهاية المطاف لم ينجحا إلا بفضل إعدادهما المستفيض.
ومع ذلك لم يكن هدفهما قتل "نيستر " مباشرة ، ولهذا اكتفيا بإلحاق إصابات بالغة به وأسره ؛ فكانا بحاجة لاستجوابه لمعرفة من كان يتلقى الأوامر منه.
غير أن أمراً غير متوقع حدث عندما شرعا في استجوابه ؛ إذ بدأ "نيستر " يضحك عليهما باستهزاء ، كما لو كانا هما من وقعا في الفخ.
كشف لهما أن السبب الحقيقي وراء عدم إمساكه بهما طوال تلك الفترة لم يكن عجزه عن العثور عليهما ، أو انشغاله بأمور أخرى ، بل كان مجرد تنفيذ لأمر يقضي بوضعهما في مواقف يائسة ، ومراقبة تصرفاتهما بعدها.
لقد كشف أن "السيد " الذي يقف خلفه يشتبه في أن عائلة "صن بورن " تمتلك إرثاً يحتوي على سر الخلود ذاته! وأن سبب اضطهاد العائلة بهذا القدر كان لمراقبة بقاياها ومعرفة من منهم قد يكون حاملاً لهذا السر!
وهكذا علمت "بيرل " أن عائلتها في الواقع لم تُبَد بالكامل ؛ فقد سُمح لبعض أفرادها الرئيسيين بالفرار والعيش في ظروف قاسية بينما كانوا تحت المراقبة المستمرة.
وقد أثبت بعضهم كفاءته ، بالزراعة وإيجاد الفرص لنفسهم ، لكن "بيرل " و "ريفر " وحدهما تجاوزا التوقعات بارتقائهما فوق البقية ، بل وبلوغهما مرحلة بناء الأساس بهذه السرعة! لقد كان واضحاً أن إرث الخلود يكمن فيهما!
ومهما فعلا من الآن فصاعداً ، فسيظلان مطاردين ومستهدفين من أجل ذلك الإرث!
وبعد تلك الكلمات الأخيرة ، انفجر جسد البارون "نيستر " واضعاً علامة على "ريفر " و "بيرل " بتقنية سرية باستخدام دمائه حتى لا يتمكنا أبداً من الإفلات من ملاحقتهم!
أو على الأقل كان ذلك هو النية الأصلي. فتقنية زراعة "بيرل " ستعمل مع مرور الوقت على محو علامة التتبع عنها ، بينما ستقوم قوى "ريفر " كفارس (بالادين) بتطهير المتعقب عنه أيضاً.
كانت النتيجة النهائية صادمة ومحيرة ؛ فالخلود - ذلك المفهوم بحد ذاته بالنسبة لهما - لم يكن سوى أسطورة ، أو خرافة تُقص على الأطفال في الحكايات. فمن ذا الذي قد يكون أحمقاً بما يكفي ليؤمن بمثل هذه الأمور ؟
تبادلا نظرات الذهول ، لكن ذلك لم يكن بالطبع المكان المناسب لمناقشة هذه المسائل.
انسحبا بسرعة ، وتفرق جميع حلفائهما كل في سبيله ، دون ترك أي أثر يدل على تورطهم في مثل هذا المسعى.
ولم تسنح لهما فرصة التأمل في هذا الأمر إلا بعد العودة إلى دار الضيافة. وبحلول ذلك الوقت كان قد مر ما يكفي من الزمن ليتجاوزا صدمة ما كُشف لهما.
وبطبيعة الحال كان أول ما فعلاه هو مناقشة الأمر مع "كليف ". ورغم أنهما لا يعلمان مدى قوته ، فباعتباره ممارساً محتملاً لـ "الجوهر الذهبي " فقد يكون أكثر اطلاعاً على الأسرار منهما.
قال "كليف " بنبرة مشوبة بالازدراء "بالطبع الخالدون موجودون. ماذا تعرفون أنتم ؟ أظن أن هذا النوع من الأمور لا يُعد سراً إلا بين البشر والأجناس التابعة الأخرى. فكل السلالات النبيلة الأخرى مقدر لها -بدرجة أو بأخرى- أن تصبح خالدة حتى وإن لم ترغب في ذلك ".
"إن قواهم تنمو مع الزمن حتى لو اكتفوا بالأكل والنوم. وبالطبع ، فإن الزراعة النشطة والعمل سيقلصان الوقت اللازم لبلوغ مثل هذه الزراعة ، ناهيك عن وجود تفاوت في القوة حتى بين الخالدين ".
"فإذا تكاسلوا كثيراً ، سيصبحون أسوأ الخالدين حين يبلغون ذلك المستوى في نهاية المطاف. أليس من العار حينها أن يبلغ المرء الخلود أخيراً ، ثم يُقتل لضُعف قوته المدقع ؟ "
تبادل "ريفر " و "بيرل " النظرات ، وقد ارتسمت على وجهيهما مشاعر مختلطة بين الصدمة والشك.
قال "ريفر " بتردد "أنت... أنت تتحدث وكأنك رأيت الخالدين من قبل " فزفر "كليف " بضيق.
"ماذا تعني بكلمة 'رأيت ' ؟ يا بني ، حين كنت أجوب الأراضي كان الخالدون يصطفون لأميال لمجرد فرصة للقائي. و لقد مات من الخالدين على يدي أكثر مما رأيت أنت من البشر. فمجرد بلوغ الخلود لا يؤهل المرء لجذب انتباهي. و لقد تحدثتما حقاً كضفدعين في بئر ، يحاولان فهم السماوات ".
شعر "ريفر " فجأة برغبة في تقليب عينيه مجدداً ؛ فقد كان "كليف " معتاداً على التباهي بلا قيود. و لكنه كبح جماح نفسه ، فقط لأنه لم يكن متأكداً تماماً مما إذا كان ذلك مجرد تباهٍ.
لقد قال البارون "نيستر " إن من استهدف عائلة "بيرل " فعل ذلك لاعتقادهم أن العائلة تحتوي على إرث خالد. وبالنظر إلى مجريات الأمور ، فقد كان ذلك صحيحاً حقاً! علاوة على ذلك بدا أن ذلك الإرث يأتي في هيئة قلادة ، و "كليف ".
والسؤال هو... ماذا بوسعهما أن يفعلا الآن ؟ لم يكونا متأكدين مما إذا كان العقل المدبر الخفي يراقبهما الآن ، أم أنه بعيد عنهما لسبب ما. فالأرجح أنهم لم يكونوا قادرين على مراقبة "نيستر " طوال الوقت ، وإلا لما كانت هناك حاجة لأن يضع "نيستر " علامة عليهما.
في هذه الحالة كان هدفهما القادم واضحاً ؛ إذ يتعين عليهما إزالة العلامة في أسرع وقت ممكن ، ثم تعزيز قوتهما!
بالنسبة لـ "ريفر " أصبح رفع قوته أمراً بالغ السهولة - فكل ما كان عليه فعله هو مساعدة "بيرل ". علاوة على ذلك فإن عملية المساعدة في القضاء على "نيستر " قدمت له دافعاً أيضاً ، مما جعله على شفا الوصول إلى قوة تعادل ممارس مرحلة بناء الأساس.
ووفقاً لـ "كليف " فبمجرد وصوله إلى ذلك المستوى سيحصل على لقب فارس (بالادين) ، أو "فارس الهيكل " (تيمبلار بالادين) بناءً على الاتجاه الذي ستنمو فيه قوته. وعليه فقط الانتظار ليعرف ما هي الفوارق بينهما.
خلال الأسابيع التالية ، قررا البقاء في الظل بينما يتعافيان من جراحهما ويخططان للمستقبل ، لكن الأحداث لم تجرِ بما يشتهيان.
هاجم "الوايفيرن المدرع " ساحة المعركة مجدداً ، مما تسبب في تجنيد إجباري بين البشر. واضطرت "بيرل " بصفتها ممارسة في مرحلة بناء الأساس ، إلى الذهاب. وبما أن "ريفر " لم يكن ليسمح لها بالذهاب وحدها ، فقد تطوع هو أيضاً للانضمام إلى الجيش.
وهكذا ، وفي منعطف غير متوقع من أقدارهم ، وجدا نفسيهما في ساحة المعركة ، يزحفان لمحاربة جيش من الأورك والغيلان. ولحسن الحظ ، وفر لهما ذلك فرصة فريدة لإنجاز مهام تتعلق بساحة المعركة.