الفصل 2273: العمالقة
"لماذا تصطحب معك ابن عرس ؟ " سألت إحدى الجنيات بينما كانت المجموعة تنتظر على حدود النهر المتجمد.
نظر "ريفر " الذي كان يحدق باستغراب في "كليف " الذي تجسد مجدداً فوق رأس مصاص الدماء ، إلى الجنية ، ثم إلى ابن العرس الأبيض الذي كان يتشبث بكتفه.
أجاب "ريفر " "هذا المخلوق المشاكس بات متعلقاً بي ، فأينما أذهب يتبعني ، وبما أنني لا أستطيع منعه حقاً ، وهو لا يؤذي أحداً ، فقد آثرت تجاهله ". ثم نظر إلى طائر ضخم يحط فوق إحدى العربات ؛ فتماماً مثل ابن العرس كان ذلك الطائر يتبع "ريفر " منذ ذلك الحين. أو ربما كان يتبع ابن العرس ، فمن ذا الذي يمكنه الجزم ؟
بعد دخول أراضي العمالقة توقفت المجموعة بانتظار مرافق. وكما كان هناك "مزارع " من البشر في مرحلة بناء الأساس ليرشد المجموعة أثناء تنقلهم عبر الأراضي كانت كل عرقية ترسل ممثلاً عنها.
تعددت الأسباب وراء ذلك ؛ فأولاً ، لتجنب حرج ضياع المجموعة أثناء السفر ، وإن كان هذا قد حدث بالفعل للمجموعة بسبب العاصفة الشتوية. وثانياً ، بما أن هذه مجموعة رسمية تتبع أوامر "جبل ديسيوس " فقد تطلب الأمر بروتوكولاً معيناً ، ولم يكن ذلك لمجرد الشكليات والتباهي ، بل لضمان علم الجميع بأن هذه مجموعة تمثيلية حقيقية ، وتجنباً لأن ينتحل أحدهم صفتهم ، أو أن يتصرف قادة محليون ضدهم عن غير قصد ؛ فقد حدثت مثل هذه الأمور في الماضي وتسببت في الكثير من المتاعب غير الضرورية.
وأخيراً كان وجود دليل رسمي يقلل من فرص الفساد الخاص ؛ فقد وقعت حوادث سابقة قامت فيها المجموعة بعقد صفقات سرية ، مما أدى إلى تعطيل الخطط والتسبب في خسائر.
باختصار كانت هناك مصالح كثيرة متشابكة ، وكان كل إجراء تقوم به المجموعة يخضع لتدقيق شديد. وهذا هو السبب ذاته الذي جعل "ريفر " بحاجة إلى ذريعة لمرافقة المجموعة ، ولماذا لم تتم الصفقة بينه وبين الجنيات بعد ، ولماذا كُبحت جماح مصاصي الدماء ومنعوا من التصرف بتهور!
لقد شرحت له "بيرل " كل هذا ، مما وسع آفاقه وجعله يدرك أخيراً مدى تعقيد العالم. حيث كان لديه حقاً عادة النظر إلى الأمور ببساطة شديدة ، ولم يكن يحب الإفراط في التفكير ؛ وبينما كان يمتلك القدرة على ذلك إن حاول إلا أنه أراد أن يظل وفياً لشخصيته.
فالخداع والمكر لم يكونا من طباعه.
أزاح كل أفكار هذه الأمور المعقدة من ذهنه ، ونظر بدلاً من ذلك نحو "كليف " الذي بدا سارحاً في عالم آخر.
سأل "ريفر " في ذهنه "ما خطبك ؟ " ملاحظاً أن "بيرل " أيضاً قد انتبهت لغرابة أمره. فقد كان هناك أمر غير متوقع حدث منذ بداية رحلتهم ، وهو أنه كلما فكر في عقله كان بإمكان كل من "بيرل " و "كليف " سماع ذلك حيث أصبح بإمكانهم التخاطر ذهنياً.
رد "كليف " شارد الذهن "لا شيء ، أنا فقط أراقب. و لقد أبدع العمالقة في التعامل مع تضاريس هذه المنطقة ، إنها... جميلة حقاً ".
لم يكن "ليكس " (كليف) يشير إلى المنظر الطبيعي بحد ذاته ، رغم جماله بلا شك ، بل كان ينظر إلى كيفية ترتيب العمالقة لأراضيهم لخلق تدفق طبيعي للطاقة الروحية. حيث كان هناك تدفق تدريجي ومستمر للطاقة الروحية يسري في أرجاء الأرض ، يغذيها بالتساوي ، ومتصلاً بآلاف العقد الروحية.
لقد رأى "ليكس " الكثير من الأشياء المذهلة ، خاصة وأن نزله الخاص كان موطناً لأكثر من مجرد بضع عجائب نادرة وقيمة. فبفضل تغذيته بنور "غراب الشمس " وتأثره بالطاقة النابضة لعالم جديد ، وإدارته بيد "سلحفاة السيادة المجرية " المرشدة ، تطور النزل بشكل رائع.
ولكن على وجه التحديد بسبب كثرة الأحداث هناك كانت الطاقة داخل النزل مليئة بالإثارة. فلم يكن ذلك بالضرورة أمراً سيئاً ، لكن مراقبة التدفق الهادئ والنقي والبسيط للطاقة هنا جعلت التباين عظيماً لدرجة أنها أذهلت "ليكس " جزئياً.
سواء في النطاق أو النقاء أو التركيز لم تكن الطاقة في "أرض المئة نهر " تضاهي "نزل منتصف الليل ". ولكن سواء تعلق الأمر بالفن أو الجمال ، فكلاهما لا يحتاج إلى أن يكون عملياً ، بل يكفي أن يكون جديراً بالإعجاب ، ناهيك عن أن مستوى الطاقة هذا ما زال مفيداً داخل هذه الأرض نفسها.
كانت الطاقة داخل هذه المنطقة تتدفق عكس الجاذبية ، وتتسلق ببطء الدرجات التي صنعها العمالقة. اشتبه "ليكس " في أن العمالقة ، إلى جانب تغذية الأرض نفسها ، فعلوا ذلك لأنهم بحاجة إلى تجميع الطاقة من جميع أنحاء التضاريس لغرض ما.
لم يبحث في سبب قيامهم بذلك أو يتتبع تاريخ كيفية القيام به ؛ بل اكتفى بالإعجاب بالعمل.
حتى الآن كان لدى "ليكس " اطلاع محدود جداً على ثقافة العمالقة ، وكان يفترض أنهم محدودي التفكير ويركزون أكثر على القوة الغاشمة. إلا أن هذا المشهد جعله يدرك مدى خطئه ؛ فقد ارتقوا بفن تنسيق المواقع إلى مستوى جديد كلياً ، كاشفين عن استحقاقهم لوصفهم بالحرفيين المهرة.
في الصورة الكبيرة للأمور لم يكن ذلك مهماً إلا إذا كان العمالقة من ذوي المستويات الأعلى يمتلكون موهبة مماثلة في "تنسيق الأراضي الروحية " وفي هذه الحالة قد يوظف بعضاً منهم في النزل.
وبالنظر إلى حيرة "ريفر " و "بيرل " اللذين استمرا في النظر إليه طلباً للتوجيه ، قرر "ليكس " أن يقدم لهما بعض التلميحات حول مدى روعة هذا الإنجاز.
"إن الطريقة التي بنى بها العمالقة مساراً يبدو طبيعياً لتدفق الطاقة الروحية لترتفع عبر الدرجات أمر لافت للنظر. لا أعتقد أن أياً من الأعراق الأخرى يمكنه حتى فهم مدى ما حققوه ، ناهيك عن تقليده. و إذا سنحت لكم الفرصة ، يجب أن تتعلموا القليل عن تراثهم ".
ففي النهاية ، لكي يبهر شيء ما "ليكس " نفسه ، فلا بد أن يكون أبعد بكثير من المألوف.
اختفى "كليف " تاركاً "ريفر " و "بيرل " يتبادلان النظرات. حيث كانت هذه هي المرة الأولى التي يثني فيها "كليف " على أي شخص منذ عرفوه.
على مدى الأشهر الماضية و كلما أبديا إعجابهما بشخص أو أثنيا على قدرة ما كان "كليف " يسخر ويحتقر الأمر ، وكأنه تافه تماماً. لم يستطيعا معرفة ما إذا كان يتصرف بضيق أفق ، أم أن منظوره كان حقاً أبعد من قدرتهما على الاستيعاب.
كان "ريفر " يظن شخصياً أنه مجرد مدعٍ ، لكن "بيرل " اعتقدت أنه على الأرجح "مزارع " من "الجوهر الذهبي " قد تعرض لضرر ما ونزل من الأراضي العليا.
انتظرت المجموعة عدة ساعات قبل أن يلمحوا مرافقهم في الأفق ، ولم يكلف أحد نفسه عناء الشكوى. أحد أسباب اعتقاد "ليكس " بأن العمالقة محدودي التفكير هو أن هذه كانت سمعتهم العامة ؛ أقوياء بشكل مبالغ فيه ومباشرون.
عندما وصل المرافق كان طوله يزيد قليلاً عن 14 قدماً (4.3 متر) ، وكان يرتدي ملابس راعٍ بسيط ، ويحمل عصا طويلة يستخدمها كعكاز.
ضحك العملاق واعتذر عن تأخره ، زاعماً أنه ذهب للنوم في مرعى قريب ونسي أنه كان من المفترض أن يصلوا اليوم. لم يشتكِ أحد ، ولم يكلف الجنيات أو مصاصو الدماء أنفسهم عناء التحدث معهم.
ورغم اعتبارهم جميعاً أعراقاً نبيلة إلا أن هذه الأعراق الثلاثة لم تكن متقاربة بشكل خاص. و في الواقع لم يكن هناك عملاق واحد بين مصاصي الدماء ؛ ولو لأسباب بسيطة كاستحالة اختراق جلدهم بأسنانهم حتى لأقوى مصاصي الدماء!
وبالمثل لم يستطع الجنيات مصادقة العمالقة الذين تجاهلوا تقديرهم للأشجار القديمة في غاباتهم.
لكن بشكل غير متوقع كان العملاق ودوداً للغاية ، ومن بين المجموعة بأكملها ، انسجم "ريفر " معه! بدأ "ريفر " بمدح التضاريس ، زاعماً أنها المرة الأولى التي يأتي فيها إلى هنا وأنه أعجب بالأرض ، وخاصة بالتدفق المستمر للطاقة الروحية.
وبينما لم يفهم الآخرون ذلك التعليق ، بدا العملاق مسروراً جداً بالعثور على شخص يقدر عملهم ، وبدأ بمشاركة قصص حول كيفية عمله في الأرض منذ صغره ، كما هي العادة في عرقهم.
استغرقت رحلتهم عبر أراضي العمالقة ستة أسابيع ، زاروا خلالها مدينة واحدة فقط ؛ مدينة جعلت "ريفر " و "بيرل " يشعران بضآلة شأنهما حقاً. حيث كان أطول عملاق قابلوه يتجاوز طوله 100 قدم (30 متراً) ، ببنية وقوة جعلته يبدو كتل متحركة.
وعد العملاق بإرسال عمالقة للمساعدة في قضية "الأعماق " (الهاويهس) ، خاصة أنه لم يولد "أعماقي " واحد في أرض العمالقة. لم يعرف أحد ما إذا كان هذا مصادفة ، أم نتيجة لجهود العمالقة. وبغض النظر كان التحقيق في ذلك وظيفة شخص آخر ، فكل ما يهمهم هو التجنيد.
بعد أرض العمالقة ، توجهوا لزيارة أرض الـ "أولين ".