الفصل 2126: كثرة المهام
نظر ليكس إلى اللفافة المختومة في يده، وقد أذهلته روعتها. بل إن هالة اللفافة نفسها شلّت جسده، فبقي واقفاً يحدّق بها. بدت اللفافة وكأنها مصنوعة من نوع من المعدن الفضي، منقوشة بتصميم بالغ التعقيد، تحمل جواهر فائقة الجمال لا يمكن وصفها. حقاً، لا يمكن وصفها.
ومع ذلك فإن مظهرها، مهما كان ساحراً، يتضاءل أمام هالة المخطوطة. صحيح أن نُزُل منتصف الليل يُبطل أي هالة خارجية تُصدرها المخطوطة، لكن بما أن ليكس كان يحمل المخطوطة نفسها، فإنه لم يكن ليُحمى من هالتها.
كيف له أن يتجاهل ذلك؟ إن هالة مورد من موارد الداو المصنفة ضمن فئة الحياة - مورد ذو تاريخ عريق ومذهل - كانت بعيدة كل البعد عن المألوف. بل إن التقنية التي يحتويها كانت أيضاً بعيدة كل البعد عن المألوف.
كانت للمخطوطة درجة من الوعي، ولم تكن لتمنح التقنية لأي شخص. حيث كان على من يرغب في تعلم التقنية أن يثبت قدرته على تحمل مستوى معين من الضغط بمفرده قبل ممارستها، وإلا كيف له أن يتحمل ثقل السماء والأرض على ظهره؟
وهكذا كان أحد أسباب شلل ليكس هو أن المخطوطة كانت تُمارس ضغطاً مُتعمّداً عليه. ولحسن الحظ، بينما كان جسده مُشلولاً لم يكن عقله وروحه كذلك. لذلك بدأ ليكس بتعديل أسلوب تدريبه داخلياً للتكيف مع هذا النوع الفريد من الضغط. فلم يكن هناك ما يُمكنه فعله غير ذلك إذ لم يكن قادراً حتى على التحكم في المخطوطة لكي يُرسلها النظام بعيداً.
كيف يمكن لتقنية داو من رتبة الحياة أن تكون بسيطة؟ لن تتأثر بأي شيء في خضم اختبار ليكس. سواء خطط لأي شيء، أو احتاج لفعل أي شيء داخل النزل أم لا، فهذا لا علاقة له بالموضوع. و الآن وقد بدأ الاختبار، ليس أمامه إلا النجاح أو الرسوب - لا يمكنه تأجيله.
وبينما كان ليكس يظن أن الاختبار سيستغرق وقتاً طويلاً، خطرت له فكرة. فرغم أنه لا يستطيع التحكم بجسده إلا أنه يستطيع التحكم بحاسة روحه. وهكذا، وضع ليكس عبئاً ثقيلاً على قلبه، وضحى بأضعف مادة روحية وجدها، ووضعها داخل جهاز نشر عطور صاحب النزل.
لولا إلهامٌ مفاجئ أو إدراكٌ عميق، لما استطاع أن يُخمّن كم سيستغرق من الوقت للتغلب على هذه المشكلة. و في الأحوال العادية، لا يُشكّل ذلك أهميةً كبيرة، ولكن مع تقييد الوصول إلى النُزُل على مستوى الكون كانت هناك أمورٌ كثيرةٌ تستدعي انتباهه ليتمكن من إدارة نزلائه. فإذا ما بدأوا بالتمرد، فلن يكون من السهل تهدئتهم جميعاً.
كان من المحزن حقاً أن تكون سكين الزبدة مكسورة، وإلا لكان بإمكانه استخدامها كرادع. و لكن الخبر السار، بناءً على ذلك هو أن سكين الزبدة ستُشفى على الأرجح في غضون شهر أو شهرين، استناداً إلى ما سمعه عنها.
أثناء ممارسته للزراعة، وتحت ضغط التقنية نفسها، راودت ليكس أفكار متفرقة، ولكن ما إن بدأ جهاز التبخير بنشر عبيره حتى دخل في حالة من الإلهام. حيث كانت المعرفة التي بدأ يستوعبها ويستوعبها أكبر بكثير مما اكتسبه من استخدامه السابق للجهاز، بل تفوقها أضعافاً مضاعفة!
كان التضحية بمادة واحدة من مواد الداو أمراً عظيماً، لكنه سيوفر وقتاً هائلاً، وفي الوقت نفسه لم تكن تضحية حقيقية لأنه كان يستبدل مادة الداو بقوة شخصية. حيث كان الأمر الحاسم بالنسبة لليكس هو أنه استمر في الحفاظ على أسلوب تدريبه أثناء لحظة الإلهام، مما سرّع من سرعة تأقلمه.
بدأ عبء التقنية على ليكس بالانخفاض بسرعة، وفي غضون ساعات قليلة فقط أصبح من الأسهل بكثير التعامل مع هذا الضغط.
لم تدم الرائحة لساعات طويلة في الواقع. و في الحقيقة، استُهلكت المادة بالكامل في غضون ساعة واحدة، ومع ذلك استمر الشعور بالنشوة لفترة أطول بكثير.
عندما استيقظ ليكس، شعر بالإرهاق الشديد والانتعاش في آن واحد. حيث كان منهكاً ذهنياً، لكنه كان في أفضل حالاته الجسديه على الإطلاق.
انتقلت عينا ليكس من المخطوطة إلى محيطه، وببطء وثبات، بدأ باقي جسده يتحرك، متحرراً من تأثيرها. وفي النهاية، ما إن استطاع ليكس التحرك بحرية حتى زال تأثير المخطوطة، وتدفقت أساليب التقنية إلى ذهنه.
كان يعلم أنه يستطيع البدء فوراً في إتقان هذه التقنية، وكان ينوي فعل ذلك بكل جدية، لكن ليس في تلك اللحظة بالذات. حيث كان النزل بحاجة إليه، لذا خصص جزءاً من انتباهه للتركيز على التقنية ودراستها بينما انتقل آنياً بعيداً.
أخبرته نووا أيضاً أن يتعلم تقنيةً ما، لكن سيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يتمكن من فعل ذلك. و في الوقت نفسه لم ينسَ هبة إكليبس التي سيستكشفها حالما يتحرر. و أخيراً وليس آخراً كان على ليكس أن يذهب ويخوض محنته في أسرع وقت ممكن لأنه لم يعد بإمكانه كبت عالمه لفترة أطول.
كانت تراوده أحياناً رغبةٌ في تقسيم جسده ليتمكن من القيام بأمورٍ متعددة في آنٍ واحد، لكن حتى وجود نسخةٍ مستنسخةٍ منه لم يُخفف من أعبائه. و على الأقل، في مقابل التضحية بجزءٍ كاملٍ من مادة الداو، شهد هيئه الداوي تقدماً طفيفاً.
في غضون ذلك بدأ العديد من النزلاء في جميع أنحاء النزل يشعرون بتوتر شديد. وقد بدأ بعضهم بالفعل بإثارة المشاكل، ولكن لحسن الحظ لم يخرج الوضع عن السيطرة بعد. ولكن حتى مجموعة صغيرة واحدة، إذا تُركت دون رادع كان من الممكن أن تتسبب في مشاكل خطيرة.
فجأة، وفي ظل هذا الوضع المتوتر، تلقى جميع النزلاء إشعاراً يفيد بأنهم لن يُحاسبوا على إقامتهم خلال فترة الإغلاق القسري. ستكون إقامتهم ومعيشتهم مجانية، برعاية النزل، بينما لا تزال أي خدمات إضافية تتطلب دفع ثمنها.
وبينما كانوا يحاولون استيعاب ذلك الخبر، دوى صوت صاحب النزل في أرجاء النزل.