الفصل 143: الثغرات
حلّ كاسيان ذراعيه ، واعتدل في وقفته مبتعداً عن باب الشرفة ، ثم خطا خطوةً واحدة نحوها. خطوةً واحدة فقط ، لكن طريقة تحوّل نظراته وهو يتحدث جعلت من تلك الخطوة الواحدة تبدو كأنها تقدّمٌ عسكريّ عبر ساحة معركة بأكملها.
"يمكن وضع قُبلة هنا ". هبطت عيناه إلى عنقها ، إلى الوتر البارز على جانب حلقها ، وضغط ثقل نظراته على بشرتها بالحرارة ذاتها التي خلّفها فمه منذ دقائق. تحركت يد "سيشي " لا إرادياً نحو حلقها ، وأصابعها تلامس النموذج ذاته الذي رسمته شفتاه.
"هنا ". ارتفعت نظراته إلى شحمة أذنها ، وداهمتها ذكرى ملامسة فمه لذلك الانحناء الرقيق من جسدها بقوة جعلت ركبتيها ترتجفان من جديد ، فأزاحت ثقلها لتمنع نفسها من التمايل.
"وعنقك الرقيق والنحيل ". هبطت عيناه إلى جفنيها المغمضين ، وشعرت بوهم لمسة شفتين لم تنلهما فعلياً هناك ، ورفرفت رموشها وكأن جسدها يتأهب بالفعل لتلامسٍ لم يكن موجوداً إلا في نبرة صوته.
"وهنا ". انحدرت نظراته إلى عظمة ترقوتها التي تبرز من تحت ياقة فستانها الواسع ، وشعرت بشيء ينقبض في قاعدة حلقها كقبضةٍ تُطبق على مجرى تنفسها.
"سُرّتك ". استقرت نظراته على بطنها ، تقتفي الخط المسطح لبطنها تحت القماش الفضفاض وكأن في عقله أشعة سينية ، وراقب بتركيزٍ مكثف جعل عضلات أسفل سُرّتها تنقبض من تلقاء نفسها. انقباضة بطيئة لا إرادية أرسلت حرارة مضطربة تلتف في أحشاء بطنها السفلى.
كان يسمي كل موضع وكأنه يتلو درساً من كتاب ، لكن عينيه كانتا ترويان قصة مختلفة تماماً. حيث كانتا تجوبان جسدها بملكيةٍ تفرض السيطرة ، تحوّل كل كلمة إلى ادعاء ، وكل لمحة إلى لمسة ، وكل صمت بين الجمل إلى مساحة كان من المفترض أن تسكنها مقاومتها ، لكنها كانت تتلاشى سريعاً.
وقفت "سيشي " مسمّرة في مكانها. حيث كانت ترتدي فستاناً فضفاضاً لا يُظهر شيئاً ، ويغطي كل شيء ، ويخفي كل تفاصيل جسدها تحت طبقات من القماش غير المحدد المعالم. ومع ذلك جعلتها نظرات كاسيان المتمهلة تشعر بالعُري.
ازداد الاضطراب في بطنها السفلى. ضمت فخذيها إلى بعضهما ، استجابةً غريزية لم تستطع التحكم بها ، وصلّت ألا يكون قد لاحظ ذلك. أصبح تنفسها ضيقاً ، وكل شهيق كان يعيد رائحة دخان سجائره وعطره إلى رئتيها ، مغرقاً إياها بذكرى حسية لصدره مقابل ظهرها ، وذراعه حول خصرها ، وفمه على مؤخره عنقها.
كان ماكراً. حيث صرخت "سيشي " في داخلها ، لكن جسدها كان يصرخ طلباً للمسةٍ لن تقبلها. أبداً.
كان عليها أن تتحدث. حيث كان عليها أن تحطم أي تعويذة كان صوته وعيناه ينسجانها فى الجوار قبل أن تفقد القدرة على التفكير تماماً.
قالت بصعوبة ، وكان صوتها أجشاً أكثر مما عهدته "العقد... كُتب بفهمٍ مفاده أن القُبلة تعني الشفاه على الشفاه. و لقد كنت تعلم ذلك حين وقّعت عليه. فكنت تعلم تماماً ما الذي أعنيه ".
"أكنت أعلم ؟ ". انحنت شفتا كاسيان للأعلى. زاوية واحدة فقط. نفس السحبة البطيئة المدمرة التي رأتها مائة مرة ، تلك الابتسامة التي لا تحمل دفئاً بل كل الخطر ، الابتسامة التي أخبرتها بأنه كان ينتظر منها أن تقول ذلك تحديداً.
"إذاً ربما " وخطا خطوة أخرى أقرب ، وتصلب عمودها الفقري ، لكن قدميها لم تتحركا "كان عليك أن تكوني أكثر دقة في صياغتك ".
توقف قريباً جداً لدرجة أنها استطاعت شم رائحة خشب الأرز سموكر على بشرته. و قريباً بما يكفي ليكون بين ذراعيه لو مدّ يده.
لم يمد يده.
اكتفى بالنظر إليها ، مستقراً بنظراته على شفتيها لثلاث ثوانٍ كاملة قبل أن يرتفع بها إلى عينيها بتعبير أخبرها بأن المحادثة لم تنتهِ ، وأن العقد ليس محكماً كما اعتقدت ، وأن المرة القادمة التي ستجد فيها شفتاه بشرتها ، لن تكون عنقها.
همس بصوتٍ خافت "أقترح عليكِ العودة للمنزل وإعادة قراءة البند ، يا سيئة التقبيل. و قبل أن أجد المزيد من التعريفات لأعلمك إياها ".
جزّت "سيشي " على أسنانها "كفّ عن إصدار الأوامر لي! ". فتحت فمها لترد عليه ، لكن كاسيان تحدث أولاً.
"دعينا نوضح موقفك إذاً ". أمال ذقنه للأسفل ، ومسحت نظراته وجهها بدقةٍ ساخرة جعلت معدتها تنقبض. "أنتِ تفضلين أنه عندما أقبّل امرأة أخرى ، أكتفي بجسدها فقط ". قطبت "سيشي " حاجبيها عند سماع كلماته. لماذا بدت وكأنها كابوس ؟ ولماذا أرادت صفع كاسيان لنطقه بهذه الكلمات ؟
"هذا هو الترتيب الذي يريحك. فمي على شفاه امرأة أخرى محظور. وطالما أنني ألتزم بالنموذج التشريحي الصحيح ". نظر إلى تعبيراتها الغاضبة. "هل هذا ما تحاولين قوله لي ؟ ".
سقطت الكلمات في أذني "سيشي " كقنبلة نزع فتيلها.
أصبح عقلها أبيض تماماً.
ليس البياض الساكن الذي لا صوت فيه والذي اختبرته سابقاً عندما كان فمه على عنقها. بل كان بياضاً من نوع آخر ؛ البياض الساطع واللاذع لإدراك كارثي جعل كل فكرة في عقلها تتصادم دفعة واحدة ولا تنتج سوى الحطام.
لعنة حاصد الأرواح.
العقد الذي وقعته لم يكن هو الموجود في حقيبة كاسيان. العقد الحقيقي ، ذلك الذي يحكم حياتها ، وروحها ، وكل نَفَس تأخذه بعد منتصف الليل كان قد خُتم مع إمبراطورة سلالة "تشنج " السابقة. حيث كانت الشروط محفورة في نخاع وجودها: إذا وضعت القبلة التي يُهديها كاسيان على أي شخص غيرها ، فإن ذلك الشخص سيقع ضمن قائمة "سيشي " الملعونة. ولم تتوقف اللعنة عند هذا الحد ، بل ستربط نفسها بـ "سيشي " فارضةً التزاماً جديداً على عبء عملها الذي كان مستحيلاً بالفعل. سيكون عليها أن تجعل ذلك الشخص يقع في حبها أيضاً...