Switch Mode

الهالة المكسورة 55

قلب متذبذب


الفصل 55: قلب متذبذب

لم يقتصر الهدف من الحلقات المتشكِّلة إبان بلوغ الشيطان سن الرشد على مجرد تعريف الشياطين بمرتبة سلالات دمائهم الشيطانية. ولم تكن هذه هي الخطوة الأخيرة من طقوس بلوغ سن الرشد.

بل كان للحلقات غرض أسمى؛ ألا وهو إيقاظ قلب الشيطان بصورة تامة، وإحداث تحوّلات جوهرية في جسده.

لم يكن سيمون يَعلمُ هذا في حياته الماضية، غير أن عشيرة شادوغريف هي التي أفادتْهُ بهذه المعلومات.

عندما زوّده أحد أفراد العشيرة بهذه المعلومة، سخر منه مُردفًا بأنه إن كان يتمتع بموهبة فذة، فسيمكنه إحداث بعض التغييرات في بنيته الجسدية، بل وجني منفعة خاصة، إن كانت حواسه وفطنته حادة بما فيه الكفاية.

وبينما كان سيمون يتأمل الحلقات القرمزية الدوّارة، انتظر مُترقبًا، ثم تجمّعت الحلقات القرمزية رويدًا رويدًا.

اندغمت الحلقات القرمزية الثماني معًا لتُشكِّل حلقة قرمزية واحدة. وبات لون هذه الحلقة القرمزية أكثر عمقًا وقتامة من لون الحلقات الثماني الأصلية.

كما بات دورانها أسرع. وبعد ثوانٍ معدودة، بدأ ضباب قرمزي حالك بالتدفق من الحلقة نحو قلب سيمون.

أغمض سيمون عينيه ما إن عاين ذلك. وما كان منه إلا أن تجاهل كل فكرة أو مشتّت ليتسنى له التركيز.

دخل في حالةٍ لم يَعدْ يدرك فيها أي شيء. إذ كانت حواسه مُركّزة تمامًا على جسده، أو بالأحرى، على الضباب القرمزي الحالك الذي كان يسري في أوصاله.

كانت المنفعة التي تحدث عنها فرد عشيرة شادوغريف تتمثل في دوران الحلقة القرمزية داخل جسده.

بوسع الشياطين تطوير قلوبها الشيطانية بشتى السبل، ولكن ثمّة طريقة واحدة قلّما شاعت بينهم.

ألا وهي: تدوير الطاقة الشيطانية.

بفضل خبرته في حياته الماضية، أدرك سيمون أن أحد الفروقات الجوهرية بين شياطين النخبة والشياطين العاديين يكمن في كيفية تدويرهم للطاقة.

فالشياطين التي تتقن توزيع طاقتها الشيطانية كانت دومًا أشدّ بأسًا من تلك التي تعجز عن ذلك.

غير أن المعرفة بكيفية تدوير الطاقة الشيطانية لا تتوافر إلا في أكاديميات الشياطين النخبوية، أو يُمكن اكتسابها إبان طقوس بلوغ الشيطان سن الرشد.

عندما تبدأ حلقات بلوغ سن الرشد بالتدفق إلى داخله، تنتشر الطاقة الشيطانية الكامنة فيها في جميع أرجاء جسد الشيطان، ويُشكل هذا الانتشار نمط دوران فطريًا متأصلًا في سلالة دم الشيطان.

إذا كان الشيطان يتمتع بفطنة كافية، فسيمكنه استيعاب المسارات التي تسلكها الطاقة الشيطانية وحفظها، مما سيُسهم في عون الشيطان بصورة عظيمة في المستقبل.

فئة ضئيلة وحسب من الشياطين في أنحاء عالم الشياطين قاطبةً يُمكنها اغتنام هذه الفرصة، ولا يُمكن توجيه اللوم إلى هؤلاء الشياطين.

إذ لم يكن عمر الشيطان يتجاوز السادسة عشرة خلال فترة بلوغه سن الرشد، بل إن نسبة عظمى من الشياطين لم تحظَ بامتياز الالتحاق بأكاديمية مرموقة، كما أن الكثير منهم لم تكن لهم خلفيات تُمكنهم من الحصول على أساليب تدوير الطاقة الشيطانية.

أما سيمون فماذا عنه؟

كيف يُمكن أن يُشكل استشعار وحفظ دوران طاقته الشيطانية تحديًا له؟

لقد كان يمتلك عقودًا من الخبرة في تدوير الأثير؛ تلك هي الطاقة التي وهبتها الآلهة لبني آدم.

لقد كان تدوير الأثير بالنسبة له يسيرًا كالتنفس، فأيُعقل أن يُشكل استشعار وحفظ دوران طاقته الشيطانية الفطرية عائقًا له؟

لم يكن أحدٌ في عشيرة شادوغريف ليتوقع قط بأنه سيتمكن من إدراك وحفظ الدورة الفطرية لطاقته الشيطانية، وسيكون ذلك بمثابة صدمة عارمة لحاملي النعش بمجرد استشعارهم لذلك.

ولكن قبل أن تتم الدورة الشيطانية، كان لا بد من حدوث تغيير في جسده.

أو بالأحرى تغييرات، لنكون أكثر دقة.

طقطقة
طقطقة
طقطقة

تردد صدى طقطقة العظام في الغرفة التي كان يمكث بها، غير أن سيمون لم يرتعش من الألم.

فقد اجتاز ظروفًا أشد بؤسًا... أشد وطأةً بكثير.

لم يراوده الألم قط، بل كان تركيزه منصبًا على التحولات التي تجري في جسده.

كانت الطاقة الشيطانية المنبعثة من الحلقة القرمزية الحالكة تقوّي جسده وتعيد تشكيله.

تكوّنت داخله مسارات شيطانية جوهرية لنقل الطاقة الشيطانية. ارتبطت هذه المسارات بقلبه النابض بقوة، وتعزّزت عضلاته وغدت أكثر مرونة، وازداد حجم القرن الذي كان على جانبه الأيمن من رأسه وطوله، وطال شعره وازداد بياضًا، وتحوّلت عيناه الشبيهتان بالقطتين إلى اللون اللازوردي الممزوج بمسحة من النيلي. وقد حاول سيمون أن يُلاحظ التحولات التي تطرأ على جسده من الداخل والخارج.

وبعد ثوانٍ معدودة، أدرك أمرًا مُفاجئًا.

«هل يُمكنني ذلك؟»

تفكّر سيمون في الأمر هنيهةً قبل أن يُقرر الإقدام عليه.

استنشق وزفر عميقًا، ثم شرع ذيله يتلاشى رويدًا رويدًا.

أدرك سيمون أنه بوسعه فرض بعض التحولات التي يرغب بها على جسده، بيد أن هذه التحولات لا يُمكن أن تكون جذرية.

ولأن معرفته بعلم تشريح الشياطين كانت ضئيلة، لم يُقدم على إحداث تغييرات جوهرية في جسده.

تمثل التغيير الأساسي الذي أحدثه في إخفاء ذيله.

لقد كانت عملية شديدة الألم، بيد أنه رغب وأحتاج إلى إجرائها.

كان ذيله يُشكل له مصدر إزعاج، ولم يكن معتادًا على استخدامه في القتال. لذا لم يكن في حاجة إليه، وبما أنه كان يُجري هذا التحول إبان طقوس بلوغه سن الرشد، فإن أي عيوب كان يُحتمل أن يعاني منها ستُصحّحها الحلقات القرمزية.

وقد كان الأمر كذلك بالفعل.

بعد انقضاء برهة من الزمن، توقفت التحولات التي طرأت على جسده، وبدأت الطاقة الشيطانية المنبثقة من الحلقة القرمزية بالانتشار في جميع أرجاء جسده.

مع كل دورة، كان إيقاع تنفسه يتغير بينما كان يُتقن تدوير طاقته بسرعة مذهلة بفضل عقود من الخبرة.

وبعد ثوانٍ معدودة، اختفت الحلقة القرمزية الحالكة، ولم يتبقَّ سوى سحابة من الضباب القرمزي الحالك تُحوم حول سيمون.

ومع كل شهيق وزفير، تضاءل الضباب، وازداد صوت دقات قلب سيمون وضوحًا وعلُوًّا.

بعد حوالي عشر دقائق، تلاشى الضباب، وانفتحت عينا سيمون ببطء وسكينة.

توهّج ضوء نيلي في عينيه، وفي قلبه الشيطاني المستيقظ، اضطرمت شعلة متذبذبة.

لم يَعدْ شيطانًا خاملًا، بل غدا الآن شيطانًا يافعًا بقلب متذبذب.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط