الفصل 46: حياةٌ مُثْقَلةٌ بالآلام (1)
(ملاحظة: قد يكون هذا الفصل مظلمًا بالنسبة للبعض. وهذا تنبيه.)
-----
أمرٌ واحدٌ غفلَ عنه سيمون ونسيَهُ قبل أن يُسامَ العذابَ على يد بيلين.
لم يسبق له أن ذاقَ العذابَ حقًا من قبل.
بحكم حياته الماضية، لم يكن الألمُ غريبًا على سيمون. فعلى الرغم من أنه أضحى في جسدٍ جديدٍ، ولم يذق الألم طوال خمسة عشر عامًا حتى أيامٍ قليلةٍ مضت، إلا أن عقله كان قادرًا على استيعاب كنهِ الألم.
بوصفه بطلًا، نالته الطعنات، والجروح، واللكمات، والركلات في خضم المعارك. قد تبدو هذه الأمور يسيرةً، ويغدو الألم الناجم عنها هينًا، بيد أنها لم تكن كذلك البتة.
إذا قام ملاكمٌ بتسديد لكمةٍ إلى وجه إنسانٍ عاديٍّ لم يُلكم من قبل، فإن الألم الذي سيشعر به بعد ذلك سيكون أمرًا لم يخطر له ببالٍ قط.
وهكذا كان حاله عندما بدأ رحلته بصفته هالة الأرض. فلم يألف الألم في بادئ الأمر، بيد أنه استساغه لاحقًا.
لكنه لم يُسام العذابَ قط من ذي قبل. إن أقصى ما ناله كان أن بعض الأشخاص وجهوا إليه اللكمات والضربات، شأن ما فعله الكلب الشيطاني. أما عذابٌ بطيءٌ وممنهجٌ قاسٍ؟
لم يعهد سيمون هذه التجربة، ولم يكن مؤهلًا لها البتة.
بعد أن لوى بيلين ثلاثةً من أظافر سيمون وانتزعها، ظل يدندن ولم ينبس ببنت شفةٍ بعد ذلك.
ثم يمَّم شطرَ أداةٍ أخرى من أدواته، وتناول مسمارَ الإبهام.
لم يكن سيمون قد رأى مسمارَ الإبهام من قبل قط، ولم يَبدُ أن بيلين كان في وارد الشرح له.
اكتفى بتمتمةٍ، ثم أمسك بيد سيمون اليمنى وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ باهتةٌ. ثم دسَّ أصبعَيْ سيمون، البنصر والأوسط، في المسمار اللولبي، وما أن فعلَ ذلك حتى اتسعت عينا سيمون مُدْرِكًا ما سيحدث.
كانت هناك مسامير صغيرة فوق أصابعه في تلك الثقوب، وعلى رأس المسمار اللولبي، كان هناك برغيٌّ حقيقيٌّ راح بيلين يُدِيرُه وهو يدندن لحنًا مجهولًا.
"لا. لا. لا."
هز سيمون رأسه لأنه كان يرى بالفعل فداحة الألم الذي سيُلحقه به هذا الأمر.
لكن بصرف النظر عن الألم، لم يرغب سيمون في هذا لعلةٍ جوهريةٍ واحدة.
فيده اليمنى هي السلاح الذي يشهر به سيفه، وإن تلفت أصابعه على نحوٍ دائمٍ أو فقدها، فإن ذلك سيَغْدُو معيقًا عظيمًا لقدرته على إشهار سيفه.
"توقف. ولقد أبلغتك سلفًا أنني لا أملك جوهر دم التَهَّام!"
"إجابة خاطئة." ابتسم بيلين بنشوةٍ في عينيه، ثم...
انطبقَت الثقوبُ مُباشرةً على أصابع سيمون، ومزقت المسامير لحمَهُ وعِظامَه.
"آ..."
صرخ سيمون بينما كانت أصابعه تُسحق وتُمزق تحت وطأة المسامير ومسمار الإبهام ذاته.
دوَّت صرخاتُه في أرجاء زنزانة السجن، وفي كل الزنازين الأخرى، بيد أن بعض السجناء، الذين كانوا على عِلْمٍ ببيلين، لم يفعلوا سوى أن ارتجفوا وهم يدعون لسيمون بالموت.
منذ اللحظة التي رأوا فيها بيلين يسير في الممر، أدركوا أن أسمى هبةٍ قد ينالها سيمون هي الموت.
لم يكونوا يعرفون سيمون أو علة وجوده في هذا السجن المشؤوم، بيد أنهم كانوا يدركون أنه غضٌّ في السن، وأنه، ما دام في قبضة بيلين، فسيلقى من العذاب ما يترك فيه ندوبًا لا تُمحى.
تواصلت صرخات سيمون لبرهةٍ، ثم خمدت.
كان غديرٌ من الدماء تحت قدمي سيمون يمتزج بعظامٍ وشظايا من لحم أصابعه.
"همم. همم. همم. همممممم."
ظل بيلين يدندن وهو يفكُّ مسمارَ الإبهام، وأنين سيمون يتصاعدُ ألمًا حينما انتُزعت المساميرُ من أصابعه.
تدلت أصابعه، بلا حراكٍ، والدماءُ تنزف منها، ألقى سيمون عليها لمحةً عابرةً، ثم شخص بصره في الأرض بنظرةٍ خاويةٍ.
"الآن، هل أنت مستعدٌ لمجاراة ألاعيبي يا فتى؟"
قبض بيلين على شعره وأرغم سيمون على النظر إليه مباشرةً في عينيه.
لَفَحَ الألمُ عيني سيمون بوهجه، بيد أنه لازم الصمت.
على الرغم من نزع ثلاثة من أظافر قدميه، وسحق أصابعه، إلا أن كبرياءه، بوصفه هالة الأرض وقاتل الشياطين، أبى الانحناء والخضوع لنزوات الخنزير الواقف أمامه.
يا لها من حياةٍ مثيرةٍ للسخرية، زاخرةٍ بالغرائب! لو أن أحدًا قد أنبأني ذات يومٍ بأنني سأُسام العذابَ على يد خنزيرٍ شيطانيٍّ، لقَطَعتُ حنجرةَ مَن تفوّه بهذا الهراء.
كيف يتسنى لي أنا، قاتل الشياطين وهالة الأرض، أن أُعذب على يد خنزيرٍ وضيعٍ كهذا؟
"لكنني هنا الآن... هل وجودي في هذا المأزق هو قصاصٌ من الشياطين التي لا تُحصى، والتي أرديتُها قتيلةً في حياتي الماضية؟"
هل العالمُ يضمر لي العداءَ بطبعه؟ أم أن حياتي كإنسانٍ كانت زاخرةً بالمنافع منذ بدايتها، لكنها الآن حبلى بالمساوئ؟
أظن أنه لا يسع المرء أن يتوقع الاستمتاع بباكورة حياته، ثم يتطلع إلى نعيم حياته الثانية... فلا يمكنك أن تجمع بين الحسنيين.
بيد أن السبب الأكبر لوجودي في هذا المأزق هو جشعي، بكل صراحةٍ. ماذا لو لم أسرق جوهر دم التَهَّام في ذلك الوقت؟
"بالتأكيد، ربما كان عسيرًا عليَّ المضيُّ قُدُمًا في دروب القوة، لكنني حتمًا ما كنتُ لأتجرع هذا العذاب."
"ليس كل يومٍ يومًا للسارق، فللمالكِ يومٌ حتماً. ما أصدقها من عبارةٍ تصف مآلي الراهن."
"أرى... إنك لفتى عجيبٌ حقًّا، وسأعمدُ إلى تحطيمك."
قهقه بيلين بخبثٍ وقسوةٍ باديتين في عينيه، ثم أمسك بمطرقةٍ مُسننةٍ، وضرب بها أصبعيْ قدمِ سيمون المتبقيتين في قدمه اليمنى.
قصفة مدوية!
قصفة مدوية!
"آآآآآآآآه!!!"
تحطمت جميع أصابع قدم سيمون اليمنى، وتعالت قهقهات بيلين الهستيرية، وقد انتابه الجنون.
فلنلعب يا فتى! فلنلهُ وننعم!
وضع بيلين المطرقة على المقعد، ثم حمل سوطًا ذا أشواكٍ حادةٍ.
ارتجف سيمون عندما رأى ذلك وغدا أنفاسه متقطعةً.
برقت في عينيه ومضةُ خوفٍ، بيد أنها تلاشت بالسرعة التي ظهرت بها.
الخوف.
إلا أنَّه أَبى أن يستسلم له، فباتَ لا يشعرُ بالرهبة.
لم يُدرك بيلين ذلك، وحتى لو أدركه، لما اكتَرث. فقد كان في غمرةٍ من النشوة والهذيان معًا.
وعلى شفتيه ابتسامةٌ عريضةٌ، انهالَ على سيمون بالسوط ذي الأشواك.
فرقعة السوط!
"آ..."