Switch Mode

الهالة المكسورة 44

أنت ؟


**الفصل 44: أأنت؟**

لم يستطع سيمون أن يُحصي المرات التي سخط فيها على حياته كشيطان. لم تكن حياته سوى كابوسٍ مروّع، وحتى حين لاح بصيصٌ من الألق، انتُزع منه على الفور.

خطوةٌ أخرى فحسب.

خطوةٌ واحدة كانت كل ما يحتاج إليه ليشهد نسله تحولاً جذرياً يكسبه قوةً أعظم وفرصةً أوفر للبقاء. كان على قاب قوسين أو أدنى من اختبار تحولٍ عظيم؛ تحولٌ لئن لم يكن ليُعينَه في ضائقته الراهنة، فإنه حتماً كان سيعزز فرصه في البقاء.

ولكن عندما كان على وشكٍ وشيكٍ من الظفر بهذه الفرصة، انتُزعت منه بوحشية. لَكانَ خيراً له لو لم تُتَحْ له هذه الفرصة قط، بدلاً من أن تُسلب منه في اللحظة التي كان فيها على وشك اغتنامها.

الألم الذي اعتمل في صدره يعجز الوصف عن بيانه. ولكن بعد استيقاظه إثر بضعة أيام، غدا ذلك الألم الذي عاناه آنذاك أمنيةً يتمناها الآن.

دويٌّ!

لقد مقت حياته الثانية كشيطان مقتًا شديدًا.

دويٌّ!

تناثرٌ!

تلقى لكمةً هوت على جانبه الأيسر من وجهه، فتطايرت الدماء من فمه وأنفه لتلطّخ الجدار. مال رأس سيمون إلى جانبه بلا حراك، وسالت الدماء ببطء من فمه المتورم والمشقق، وقد تلطخ بالدماء. كان وجهه تكسوه الكدمات والتورمات، فضلاً عن الجروح والدماء. عيناه كانتا منتفختين، وبالكاد أبصر شيئاً. فقد غشيت رؤيته ضبابيةٌ كثيفة، ولم يعد يرى سوى اللون الأحمر.

امتدت يدٌ لتلتقط رأسه وتجبره على الوقوف. وبعد ثانيةٍ واحدة...

صفعةٌ مدوّية!

دوت صفعةٌ مدوّيةٌ في الغرفة، ونزفت المزيد من الدماء من فم سيمون. فما استطاع أن يبثّ أنيناً من فرط الإنهاك.

"أين جوهر دمِ المُلتَهِم؟"

سأل شيطانٌ من سلالة الكِلاب بملامح جامدة، وهو يُمعن النظر في سيمون المكبّل بالسقف، وذراعاه مفرودتان على اتساعهما، وأطراف أصابع قدميه بالكاد تطأ الأرض. رمق سيمون الشيطان الذي كان يجمع بين وجه كلبٍ وجسد بشريٍّ. كانت إحدى عيني الشيطان تحمل جرحاً، وقد لمحت عينا سيمون ندبةً أخرى على رقبة الشيطان.

عندما استيقظ إثر إفاقته من غشيته، وجد نفسه قد أُعيد إلى زنزانته، مكبّلاً بالسلاسل مرةً أخرى. لم يكن يعلم كم من الوقت ظل فاقداً للوعي، لكنه لاحظ تحسناً في حالته. التأمت جراحه، حتى ذراعه اليمنى شُفيت تماماً. وكان متأكداً أن عشيرة شادوغريف هي التي تولّت علاجه، وكان بإمكانه استشفاف السبب.

بعد كل ما حدث له في تلك القاعة الغريبة وذاك المكان المريب، احتاج جسده إلى وقت للراحة والتكيف مع التغيرات التي تطرأ عليه، وإذا لم يتمكن من التكيف، فمصيره الهلاك. وإن مات، فإن جوهر دم المُلتَهِم الذي يطمحون إليه سينتهي معه أيضاً.

على الرغم من أن شفاءه كان خيراً، إلا أن ما حدث بعد ساعة من استيقاظه كان على نقيض ذلك تماماً. في الواقع، تدهورت حالته وأصبح يجد صعوبةً في تركيز فكره.

دخل هذا الشيطان ذو الملامح الكلبية إلى زنزانته وسأله عن مكان جوهر دم المُلتَهِم، فكان رده...

"ليس في حوزتي."

في اللحظة التي نطق فيها بذلك، كال الشيطان الكَلْبيّ له لكمةً قويةً هوت على وجهه، كادت أن تحطّم فكه. كان الشيطان الكَلْبيّ شيطاناً متيقّظاً من الرتبة الفائقة، وكلما نظر إلى سيمون، كان يلمح في نظراته وميضاً من الكراهية والاشمئزاز المتأصلين.

لم يكن لدى سيمون أدنى فكرة، ولكن حتى لو سأل، فمما لا شك فيه أن الشيطان لن يجيب. سأله الشيطان عن مكان جوهر دم المُلتَهِم، فكان جوابه لا يتغير. مما أدى إلى تلقيه لكمات متتالية على وجهه وبطنه وصدره. تلقى اللكمات والصفعات والبصق من قِبَل الشيطان الكَلْبيّ، ولم يمهله حتى فرصة لالتقاط أنفاسه لدقيقةٍ واحدة.

"أين جوهر الدم يا هِرّ؟" سأل الشيطان الكَلْبيّ السؤال ذاته الذي ما فتئ يطرحه، وكانت إجابة سيمون دائماً ذاتها.

"لا أعلم."

دويٌّ!

تلقى لكمةً أخرى اعتاد عليها على وجهه، وكان وجهه مشبعاً بالكدمات واللطمات لدرجة أنه فقد الإحساس بوجهه. وتساءل عما إذا كان سيتمكن من استعادة وجهٍ سليمٍ، لا وجهٍ مشوهٍ، إن نجا في نهاية المطاف من هذا التعذيب.

"لعنك الله أيها الهِرّ! أنت مجرد صبيٍّ يافع، فلماذا تُصعّب الأمر علينا نحن الاثنيْن؟"

ظل سيمون صامتاً، وأطلق الشيطان الكَلْبيّ زفرةَ سخطٍ وإحباط.

"أخبرني عن مكان جوهر الدم، وينتهي كل هذا العناء. لن يكون لديّ أي مسوّغٍ لضربك بعد الآن، وسأتمكن من متابعة حياتي. لا أرغب في قضاء المزيد من الوقت مع هِرّةٍ لئيمة. أنت تثير فيّ التقزز."

بقي سيمون صامتاً، فنقر الشيطان الكَلْبيّ بلسانه غضباً. ثم سحب شعر سيمون إلى الخلف بقوة، فمال رأسه إلى الوراء بحدة.

هاه—

توقف الشيطان الكَلْبيّ عن الكلام عندما لاحظ أن سيمون قد غاب عن الوعي. سخر منه، ثمّ صفعه على خديه بضرباتٍ لم تكن توحي بالرفق قط.

"ومن قال إن يحق لك النوم، أوَ كذلك؟"

ضربةٌ!

ضربةٌ!

أُجبر سيمون على الاستيقاظ، وعندما رأى وجه الشيطان الكَلْبيّ الباسم، أطلق أنيناً.

"لقد أبلغتك بالفعل. لا أعلم أين هو."

ارتعشت عين الشيطان الكَلْبيّ اليسرى، ثمّ تخلى عن سيمون وتراجع بضع خطوات إلى الخلف قبل أن يوجه ركلةً عنيفةً إلى أضلاعه.

(تحطُّمٌ!)

أطلق سيمون صرخةَ ألمٍ مدوّية، عندما تردد دويّ تكسر أضلاعه في الزنزانة. صَرّ على أسنانه وأطلق أنيناً متهدجاً، ثمّ اقترب منه الشيطان الكَلْبيّ ونظر إليه مباشرةً في عينيه.

"إذا كنت تريد أن تُصعّب الأمر، فاعلم أن بوسعي أن أفعل ذلك ليلاً ونهاراً، يا هِرّ."

"بوسعك ذلك، غير أن الرؤساء الأعلى يُطالبون بالنتائج بأسرع وقتٍ ممكن، لذا... سأتولى الأمر أنا من الآن فصاعداً."

دبّ صوتٌ مجهولٌ إلى آذان سيمون والشيطان الكَلْبيّ، وفي اللحظة التي استدار فيها الشيطان الكَلْبيّ ورأى مصدر الصوت، ارتجف رعشةً لا إرادية.

"أأنت؟"



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط