الفصل 433: المبجلة سونيا
"حسناً أيها الهر الصغير ، لنذهب ونلعب في صندوق الرمل. "
لم يملك سيمون إلا أن يرتجف شفتيه حين سمع تلك القزمة تناديه بالهر الصغير للمرة الثانية.
’ربما سألقنها درساً في هذه المبارزة.’
وبينما كان يستغرق في تفكيره ، بدأت سونيا بفرقعة أصابع يديها وهي تخطو إلى عمق ساحة التدريب ، وكانت قدماها العاريتان تلامسان الأرض الصخرية بخفة.
طرق.. طرق.. طرق..
كانت كل خطوة تخطوها هادئة ، وهادئة جداً لدرجة أنه لولا مهارة سيمون في استشعار الرياح ، لما استطاع سماع وقع خطواتها. ضيق سيمون عينيه قليلاً ؛ فبالنسبة له لم يكن هذا بالأمر الغريب ، فقد كان في العشيرة الكثير من الشياطين الذين لا يصدرون صوتاً عند مشيهم. و لقد كانت عشيرة قتلة ، والمشي بصمت مهارة يتعلمها كل مبتدئ قبل تخرجه من الأكاديمية. ومع ذلك فإن إتقان هذه المهارة يتطلب عادةً استخدام الطاقة الشيطانية ، غير أن الموهوبين منهم يتمكنون من تعلم المشي بصمت دون الحاجة إليها.
أما سونيا ، فقد كان الأمر يسيراً عليها ؛ لأن الأرض ذاتها كانت تسهّل لها المشي دون إحداث أي جلبة. وعلى الرغم من جسدها الضئيل كانت كل خطوة تخطوها تحمل إيقاعاً غريباً عبر الأرض. حيث كان إيقاعاً خفياً يكاد لا يُلحظ ، لكن سيمون كان يشعر باهتزازات دقيقة تنتشر تحت قدميها ، وتتسلل عبر جسده ، ففهم أمرين: أولهما أن هذه هي طريقة سونيا في الرؤية ، فهي تقرأ التضاريس. وثانيهما أنها تقرأه هو شخصياً ، فهذه الاهتزازات تشكل في ذهنها صورة لأبعاد جسده ، وبنيته ، بل وحتى تكوينه الداخلي.
’إنها "كراغ " موهوبة.’
توقفت سونيا على بُعد خمسة عشر متراً منه ، ثم حركت كتفيها بكسل.
"إذاً.. " مالت برأسها قليلاً تحت قناعها "كيف تريد أن تُهزم أيها الهر الصغير ؟ "
عقد سيمون ذراعيه ونظر إليها من رأسها إلى أخمص قدميها.
"بطولك هذا وأذنيك الطويلتين المدببتين ، تبدين أنتِ الهر الصغير في نظري. "
ضحكت سونيا بلهجة تنذر بالخطر وهي تمد ذراعاً واحدة فوق رأسها.
"أظنك لا تعرفني ، فلو عرفتني لما تجرأت على السخرية من طولي. "
أمال سيمون رأسه بفضول ونظر إليها بتعبير ساخر.
"ومَن تكونين ؟ "
ابتسمت سونيا تحت قناعها ، ثم وضعت يديها على خصرها ورفعت ذقنها بتعالٍ.
"أنا التي لا تتزعزع ، محطمة الأرض ، والجبل الحي ، وملكة الهزات ، وطاغية ما تحت السماء. "
أشارت بإصبعها نحو سيمون بحركات مسرحية ، وقالت "ومن الآن فصاعداً ، ستنادي عليّ بلقب المبجلة سونيا. "
رمش سيمون بعينيه ونظر إليها بدهشة واستنكار.
"ما قصة هذه الألقاب ؟ ولماذا المبجلة سونيا ؟ "
خفضت سونيا يدها ووضعتها على وركيها ، وأجابت "لأني وحدي من تحظى بالتبجيل تحت سماوات عالم الشياطين. "
رمش سيمون مرة أخرى ، ثم نظر يميناً ويساراً ، ثم رفع بصره نحو السماء ، قبل أن يغطي وجهه بيده ويهز رأسه يائساً.
"أجل.. أنتِ تعانين من مشكلة حقيقية. أهي متلازمة المراهقة المتأخرة ؟ "
سخرت سونيا منه ، متجاهلة تماماً عدم فهمها لما يقصده بمتلازمة المراهقة.
"سأتغاضى عن وقاحتك في الوقت الحالي. "
ارتجفت شفتي سيمون ، بينما تابعت هي "ولا تظن أني سأتهاون معك لأن السيد قد أحضرَك إلى هنا. و إذا كنت ضعيفاً ، فسألقنك درساً قاسياً وأخبر السيد أنه لا ينبغي له إضاعة وقت هذه المبجلة. "
هز سيمون رأسه ، وقرر تجاهل كلماتها تماماً ، ثم اتخذ وضعية القتال بهدوء.
"وبالمثل. "
سكن الهواء تماماً ، ثم...
دوى انفجار!
انفجرت الأرض من تحت قدمي سونيا ، وتشكلت فوهة مكان وقوفها بينما اندفعت هيئة سونيا الضئيلة نحو سيمون كقذيفة مدفع. حدق سيمون بعينين ثاقبتين: ’إنها سريعة.’
تحرك جانباً في لمح البصر ، فمزقت قبضة سونيا الهواء بجوار وجهه.
دويّ آخر!
كانت موجة الصدمة وحدها كفيلة بدفع شعره الأبيض بعنف إلى الخلف. رفرفت عيناها قليلاً حين أدركت أنها أخطأت الهدف ، وبدا أن سيمون لم يكن بالضعف الذي ظنته. ومع ذلك وبينما كانت تهبط ببطء نحو الأرض ، تحركت يدها الأخرى ؛ لم تكن لكمة ، بل ضربة بكف اليد استهدفت أضلاعه.
التوى سيمون بخصره وتصدى للضربة بساعده.
انفجارٌ جديد!
قذفته قوة الارتطام عدة أمتار إلى الوراء ، وحفرت حذاؤه في الأرض الصخرية وهو يحاول التوازن.
’يا لها من ضربة ثقيلة. حيث كانت مجرد ضربة بكف اليد ، لكنها شعرت وكأن جبلاً قد ارتطم بي. قوتها الجسديه هائلة ، وتحمل في طياتها ثقل الأرض.. وكل هذا دون استخدام الطاقة الشيطانية.’
بما أن هذه مجرد مبارزة لم يكن سيمون ينوي استخدام طاقته الشيطانية ، فهي لن تساعد سونيا في تقييم قدراته بدقة أو كشف نقاط ضعفه. ولأن "أورمون " طلب من هذه القزمة تدريبه ، فهذا يعني أنها جديرة بذلك. ومع ذلك بدأ يتساءل عما إذا كان جسده سيتحمل ضرباتها ، فكل ضربة منها تبدو وكأنها كتلة من الصخور المتراصة.
في غضون ذلك ابتسمت سونيا تحت قناعها بعد أن هبطت على الأرض.
"أوه ؟ ألم تطل في الهواء ؟ "
ضربت الأرض بقدمها مرة واحدة.
تصدع!
فجأة ، ارتفعت الأرض من تحت سيمون ، واتسعت عيناه حين رأى نتوءاً صخرياً حاداً يندفع نحو ذقنه. قفز سيمون إلى الخلف ، لكن سونيا كانت قد سبقت توقعه ؛ لقد تنبأت بمكان هبوطه واستخدمت الأرض لتتحرك بسرعة فائقة. تأرجحت قبضتها الصغيرة للأعلى في حركة صاعدة عنيفة ، وارتفعت الأرض تحت قبضتها لتقليص المسافة بينها وبين ذقن سيمون.
مَن قال إن قصر قامتها يمنعها من توجيه ضربة صاعدة ؟ فالأرض هي مجالها ، والطول لم يكن يوماً عائقاً أمامها. تقلصت حدقتا سيمون حين رأى ذلك وسارع بوضع ذراعيه على شكل تقاطع.
ارتطام!
دوى صدى الضربة في أرجاء ساحة التدريب ، وطار سيمون عدة أمتار في الهواء قبل أن يقوم بحركة بهلوانية ويهبط على قدميه. و نظر إلى سونيا بعبوس.
"لماذا تستخدمين الفوضى ؟ ألم يُفترض أن تكون مبارزة نستخدم فيها قبضاتنا وأجسادنا فقط ؟ "
سخرت سونيا وأشارت نحوه بتمثيل مسرحي "أنا المبجلة سونيا ، وأفعل ما يحلو لي. لا تُلقِ عليّ محاضراتك أيها الهر الصغير. "