الفصل 364: قبضة الرجل
بعد أن رأت المعلمة "أماي " أن أحداً من طلاب السنة الأولى لن ينبس ببنت شفة تعقيباً على إهانة سيمون ، حولت انتباهها إليه مجدداً. لم تكن في الحقيقة راضية عن الإجابة التي قدمها بخصوص "بحر وعيه " إذ راودها شعور بأن خلف الأكمة ما خلفها ، لكنها أدركت أيضاً أن سيمون كان يصدقها القول على الأرجح.
قررت تجاوز الحديث عن بحر وعيه والانتقال لأسئلة أخرى ، فقالت "حين كنت تقاتل (الحصن) الثاني ، ماذا فعلت لتجعله غافلاً عن حقيقة أنك تقتله ؟ "
كان هذا واحداً من أهم الأسئلة التي تؤرقها ، إن لم يكن أهمها على الإطلاق ؛ فمهما أعملت فكرها وأمعنت النظر لم تجد لذلك جواباً شافياً. ومن بين كل ما فعله سيمون في المحاكاة كان ذلك الأمر هو الأكثر غرابة ، وكانت تتطلع بشغف لمعرفة ما سيجود به سيمون من توضيح.
بيد أن سيمون ، ولسوء حظها كان على وشك أن يخيب أملها ؛ إذ قال "أعتذر منكِ أيتها المعلمة أماي ، لكن لا يسعني إطلاعكِ على ذلك فهذا سري الخاص. وأنا واثق بأنكِ تدركين أن لكل امرئ قدرة خفية أو اثنتين ، وأنتِ لستِ استثناءً من هذه القاعدة بكل تأكيد. "
وتابع قائلاً "لذا آمل أن تتفهمي رغبتي في إبقاء قدرتي هذه... حسناً... طي الكتمان. "
قطبت المعلمة أماي جبينها خلف قناعها ، وهي تدرك تماماً أن سيمون لم يجانب الصواب بطلبه تجاوز هذا السؤال ؛ فهي تفهم جيداً مبدأ الأسلحة والقدرات المستترة ، فهي مغتالة في نهاية المطاف. ومع ذلك ورغم تفهمها ، شعرت برغبة ملحة تنهشها لمعرفة الحقيقة ، إذ كانت تتوق لاكتشاف كيف قام سيمون بمثل هذا الفعل.
كان التفكير في الأمر يبعث في نفسها هولاً شديداً ؛ لأنه كان من الممكن أن تكون هي مكانه. حيث فكرة موتها دون أن تبدي أي رد فعل تجاه حقيقة احتضارها كانت مروعة بحق. وبالنسبة لها كانت هذه القدرة بمنزلة "ورقة رابحة " لا تقدر بثمن.
حدثت نفسها قائلة "أريد معرفة سره ، لكنه يرفض الإفصاح. و يمكنني تهديده ، أو استغلال نفوذ الأكاديمية لإرغامه على كشف السر... لكن ، لا أرغب في فعل ذلك حقاً. كبريائي يمنعي من الدنو إلى مستوى أطمع فيه بسر طالبي ، وهو من الـ الشرير فوق ذلك... سيكون أمراً يبعث على الشفقة حقاً. "
استنشقت نفساً عميقاً وقررت كبح جماح نفسها ، ثم استطردت في تفكيرها "ولكن حتى لو لم أشأ الدنو لهذا المستوى ، فإن الفضول يقتلني. هل هي قدرة ناتجة عن (القطعه الأثريه) ؟ "
قررت أن تطلبه مباشرة "سرك هذا ، هل هو قدرة مستمدة من (القطعه الأثريه) ؟ "
هز سيمون رأسه على الفور نافياً "لا ، ليس كذلك. "
ضيقت المعلمة أماي عينيها ، ثم أومأت وقررت حقاً التخلي عن فضولها. ورغم أن احتمال كذب سيمون كان وارداً إلا أن نبرته كانت مقنعة تماماً ، لذا آثرت تصديقه.
انتقلت بعد ذلك لسؤال آخر "كيف علمت بشأن (الحصون الحصنس) ؟ أكثر من 90% من زملائك لم يمتلكوا أي معرفة مسبقة عنهم ، لكنك بدوت مطلعاً على نقاط ضعفهم وقوتهم قبل المواجهة. كيف ذلك ؟ "
كان سيمون يتوقع هذا السؤال ، لذا افترت شفتاه عن ابتسامة طفيفة وهو يجيب "من النظرة الأولى كان واضحاً كالشمس أن (الحصون الحصنس) يتمتعون ببأس جسدي شديد ، لا سيما دفاعاتهم الجسديه ؛ فقد كان جلياً أنها موطن قوتهم. وبدت أعينهم هي الثغرة الوحيدة في دروعهم ، لذا جعلتها هدفي. "
كانت المعلمة أماي قد خمنت أن هذا ما فعله سيمون ، لكنها ظلت مندهشة رغم ذلك فقالت "إذاً ، باختصار ، كنت دقيق الملاحظة بما يكفي لتستنبط مكامن قوتهم وضعفهم ؟ "
أومأ سيمون وهز كتفيه بلا مبالاة "أجل ، كما قلت كان الأمر واضحاً للعيان. "
صمت للحظة ، ثم أردف ليعزز كذبته "إذا تذكرتِ ، فقد وجهتُ لكمة لأول (حصن الحصن) واجهته ، ومن هنا تيقنت مسبقاً أن دفاعاتهم الجسديه كانت أعتى من أن أخترقها بضربات مجردة. "
أومأت المعلمة أماي مجدداً ، وقد زاد إعجابها به ، غير أن أمراً ما أثار حيرتها ، فسألت "لماذا لا تستخدم سلاحاً ؟ لو كنت تمتلك سلاحاً ، لما قاسيت كل هذا العناء أمام (الحصون الحصنس). "
بوغت سيمون بهذا السؤال غير المتوقع ، وتردد للحظة قبل أن تجود قريحته برد "لأن الرجل الحق يعتمد على قبضتيه ولا يتكل على السلاح. "
في تلك اللحظة ، اعتلت وجوه الجميع تعابير غريبة خلف أقنعتهم ، ورمقوا سيمون بنظرات مستهجنة ؛ فلم يتوقعوا منه مثل هذا المنطق. حتى المعلمة أماي نظرت إليه بغرابة وقالت "أنت تذكرني بذاك الوغد الملتحي ، كثير الشعر ، صاخب الصوت ؛ إنه مستفز للغاية. "
أمال سيمون رأسه قليلاً ، ومن قبيل المصادفة ، لمعت في ذهنه فكرة عن هوية ذلك "الوغد الصاخب " وفكر قائلاً "إنه أحد المعلمين الذين وقع اختياري عليهم ليعلموني فنون القتال بالقبضات. "
تابعت المعلمة كلامها "لكن ، هل تعلم أن أسلوبك في القتال يشبه أسلوب السيافين تماماً ؟ "
لم يتمكن سيمون من منع شفتيه من الارتجاف عند سماع ذلك لكن نظراته وتعابيره ظلت ساكنة تماماً. استطردت أماي "تحركاتك تحاكي تحركات السياف ؛ فكل خطوة تخطوها ، وكل أرجحة تقوم بها ، وحتى كل هجمة تصدها تماثل مذهب السيافين في القتال. حيث يبدو الأمر وكأنك تقسر نفسك على أن تكون شيئاً لست عليه ، وهذا أمر يثير الغرابة... وسيكون من المحزن رؤيتك تهدر موهبتك الفذة في طريق السيف. "
صمتت ونظرت بعمق إلى سيمون ، ثم قالت "أعرف شخصاً يمكنه تلقينك فنون السيف ، إنه بارع بحق ، وسيضمن عدم ضياع موهبتك سدى. "
أمال سيمون رأسه قليلاً ، ولمع في عينيه بريق من المفاجأة "لكني مجرد عبد. "
ضحكت المعلمة أماي بفتور وهي تستهجن قوله "سيكون ذلك مقابل ثمن بالطبع. "
ارتجفت شفتا سيمون وهو يقول "أفهم ذلك. "
"إذاً ، ما قولك ؟ لا تقلق ، سأحرص على ألا يكون الثمن باهظاً عليك. "
أطرق سيمون ببصره للحظة كأنه يزن الأمور في عقله ، وبعد ثلاث ثوانٍ ، رفع رأسه وقال بابتسامة مريرة خلف قناعه "شكراً لكِ ، ولكن قبضة الرجل ومخالبه هي كل ما يحتاجه المرء من سلاح ، وليست مجرد جمادات مصنوعة من المعادن. "