الفصل السابع والثمانون: دماء وأصداء
كانت الغابة صامتة ، لكنه لم يكن صمتاً وادعاً ؛ بل كان سكوناً خانقاً ثقيلاً كذاك الذي يسبق وثبة الضاري على فريسته. حيث توقفت الطيور عن زقزقتها ، وخبت الرياح لتركن إلى حرارةٍ راكدة.
تحرك ظلٌّ بين الأشجار.
كان سريعاً ، بالكاد يتجاوز كونه طيفاً من ملابس داكنة وفولاذٍ أشد دُكنة. لم يندفع ذلك الكيان بتهور أو يتهشم وسط الأحراش كحيوان هائج ، بل كانت كل خطوةٍ محسوبة ، وكل نَفَسٍ منضبطاً.
كان "المانا " في جسده يتدفق كالنهر ، يطوف عبر مركزه وأطرافه وأطراف أصابعه ، لا يتوقف ولا يهدر قطرةً منه.
كان في حالة صيد......وكانت الغابة تدرك ذلك.
_
تحركتُ عبر الأحراش لا كدخيل ، بل كطيفٍ عابر. حيث كانت كل خطوةٍ وضعاً دقيقاً لثقلي ، بحيث بالكاد لامست قدماي الأوراق المتعفنة.
كان سيف "تمبست " في يدي اليمنى ، أحمله منخفضاً والشفرةُ مائلٌ نحو الأرض. حيث كان الغمد الأسود مثبتاً على ظهري ، لكنني لم أكن بحاجة إليه بعد ؛ ليس قبل أن تكتمل المهمة.
في داخلي لم يعد "فن الوعاء المتدفق " مجرد محركٍ يهمهم ، بل صار نهراً هائجاً صامتاً. فكنت أشعر بـ "المانا " وهو يطوف—في مستوى "خبير متوسط "—ينبض عبر مركزي وصولاً إلى أطراف أصابعي ، مستعداً للاتقاد في أي لحظة.
التقطتُ الرائحة قبل أن أراهم: عبق العفن والخشب المبتل.
أمامي ، على بُعد ثلاثين قدماً تقريباً كانت مجموعة من "جلود الأشواك " تقتات على جيفة.
كانوا ستة.
كانت أجسادهم مغطاة بدروع سميكة تشبه لحاء الشجر ، قادرة على صرف معظم النصال. لم تكن الدروع ملساء كالمعدن ، بل كانت خشنة ومسننة ، ذات أخاديد عميقة تشبه لحاء الأشجار. حيث كانت مخالبهم طويلة ومنحنية ، صُممت لتمزيق اللحم والعظم.
أما أفواههم فكانت مكتظة بصفوف من الأسنان الدقيقة كالإبر ، تلمع بفعل اللعاب.
كانوا وحوشاً من "الفئة الثانية " في مستواها بين الأدنى والمتوسط.
قبل شهر ونصف ، كنت لأنظر إلى هذه المجموعة وأدبر راجعاً. فكنت لأحدث نفسي بأن الأمر بالغ الخطورة ، وأنني لست مستعداً ، وأنني سأعود عندما أصبح أقوى.
لكنني تدربت كل يوم منذ قتال "وحش فولاذ القبر ".
من الفجر حتى الغسول ، دفعني "روران " بقسوة تفوق تصوراتي. فضربني حتى سال دمي ، وطرحني في الوحل ، وأجبرني على القتال حتى نفد "المانا " من جسدي ، ثم دفعني لأقاتل أكثر.
كانت هناك أيام كرهته فيها. أيامٌ لعنتُ فيها اسمه وتمنيت لو أنني لم ألتقِ به قط. فكنت أتمدد في الوحل ، أحدق في السماء ، متسائلاً لمَ أفعل بنفسي هذا ؟
لكنني لم أستسلم.
لأنني في كل مرة رغبت فيها بالتوقف ، كنت أفكر في غايتي.
ما الذي أردت فعله ؟
أخبرني كل من "روران " وعمي "ثيورن " بشيء واحد "اعثر على غايتك من حمل السيف. سيستغرق الأمر وقتاً لتجدها ، ولكن حين تجدها تمسك بها ولا تتركها أبداً ".
ذلك السبب سيصبح مسارك. سيصبح غايتك وهدفك ، وهو ما سيشق لك الطريق لابتكار "فن سيف " شخصي....وأعتقد أنني أقترب من ذلك.
إنني أصيغ مساري الخاص ، لذا واصلت المضي قدماً لأصبح أقوى ، وقد أثمر ذلك.
لقد ارتقيت أيضاً إلى مستوى "خبير متوسط " قبل ثلاثة أسابيع. فكنت أشعر بالحاجز التالي— "خبير مرتفع "—ينتظرني قاب قوسين أو أدنى. حيث كان تحكمي في "المانا " أحدَّ من أي وقت مضى ، وردود فعلي أسرع.
لقد اشتد عودي وصار جسدي نحيلاً وخطراً.
كما نمت قدراتي الجوهرية أيضاً.
صار "البرق " يأتي إليّ الآن كنبضة قلب ثانية. و يمكنني استدعاؤه دون تفكير ، وأدعه يتدفق عبر "تمبست " كالمياه في النهر. حيث كانت الأقواس السوداء لا تزال تؤلم ، وتستنزف "المانا " الخاص بي أسرع من أي شيء آخر ، لكنها لم تعد تبدو كحيوان جامح.
أما "المكان " فكان أكثر صعوبة.
لا تزال كل طية مكانية تسبب لي صداعاً ونزيفاً من الأنف ، لكنني بدأت أتحسن. أستطيع الآن طي مسافات صغيرة—بضعة أقدام في المرة الواحدة. يكفى لأومض خلف عدو ، أو لأغير مسار ضربة وأنجو.
قال "روران " إن تقدمي مذهل. و قال إنه لم يرَ أحداً يرتقي في الرتب بهذه السرعة. أخبرني أنني أملك الموهبة ، وأن تجارب الحياة والموت التي ألقي بنفسي فيها هي ما يسرع نموي.
لكنني كنت أعلم أن الأمر ليس ذلك فحسب.
كان بفضل علاج "مارثا " الذي يرمم جسدي بعد كل جلسة وحشية. وبفضل طعام "ميا " الذي يبقيني متغذياً حين أنسى الأكل. وبفضل تدريب "روران " الذي يدفعني لتجاوز حدودي كل يوم.
لم أكن أفعل هذا بمفردي.
شددت قبضتي على "تمبست ". كان المقبض الأسود يبدو كإمتدادٍ لكفي.
لم أشعر بالخوف.
بل شعرتُ... بالجوع.
_
لم تكن "جلود الأشواك " قد لاحظت وجودي بعد.
كانوا منشغلين بالأكل ، خطومهم غارقة في جيفة غزال. ذيولهم تهتز يميناً ويساراً ، والأشواك على ظهورهم تصدر حفيفاً خفيفاً مع كل حركة.
تسللتُ أقرب ، وشعرت بـ "غريزة الوميض " تهمس في أعماق عقلي. تباطأ العالم ، وبوسعِي رؤية العضلات وهي تتقلص تحت جلد "رئيس القطيع " الخشبي. رسمتُ خارطة للمسافة بيننا—خمسة عشر قدماً من العوائق.
تحركت.
انطلقت "خطوات ضوء النجوم " وصار ما حولي ضباباً. لم أركض فحسب ، بل انزلقت. و قبل أن يتمكن أقرب وحش من شم الهواء ، كنت قد اخترقت حراسته. انسل "تمبست " من غمده بفحيح. لم أستهدف الدرع ، بل استهدفت الفجوات.
شينج!
اخترق الشفرة حنجرته كما يخترق السلك الساخن دهناً. تناثر الدم الأسود ، وارتطم الرأس بالتراب قبل أن يدرك الجسد أنه مات.
انفجرت المجموعة بالزمجرة. انقض اثنان من جانبي ، ومخالبهم تصفر في الهواء. لم أتراجع ، بل مِلْتُ بجسدي للخلف ، لتخطئ المخالب أنفي بشعرة ، ووجهت "البرق الأسود ".
لم تنفجر الأقواس الأوبسيديّة للخارج مهدرةً الطاقة ، بل أبقيتها ضيقة ، أغلف بها الفولاذ في هالة مهتزة وهمسٍ من الكهرباء. دُرتُ بحركة أفقية منخفضة أصابت المهاجمين في بطونهما غير المحصنة. شواهما البرق من الداخل للخارج قبل أن يلامسا الأرض.
ثلاثة سقطوا.
أصدر أكبرها ، القائد ، زئيراً متهدجاً وأطلق وابلاً من أشواك ظهره. رأيتها بوضوح—ستة مقذوفات مسننة تستهدف أعضائي الحيوية.
كان هذا هو الجزء الذي كاد "روران " يقتلني لأتقنه.
مددت يدي ، ممسكاً بخيوط المكان غير المرئية. الطية.
وميض.
التوى العالم. لجزء من ميكروثانية لم أكن في أي مكان. ثم ظهرت خلف القائد. خفق رأسي—ذلك الضغط الباهت المألوف خلف عيني—لكنني لم أترنح.
عكست قبضتي على "تمبست " وغرزت الشفرة للأسفل عبر الفجوة في درع كتفه. لاقى الفولاذ مقاومة ، ثم انزلق مع صوت ارتطام رطب. انهار الوحش ، وأطرافه ترتجف بينما أحرق البرق جهازه العصبي.
أدرك الاثنان الأخيران أن التسلسل الهرمي قد تغير ، فاستدارا للفرار.
"ليس اليوم " تمتمت.
لم أركض ، بل طويت المسافة مجدداً. وميض.
ظهرتُ على بُعد عشرة أقدام أمام أول الفارين. و اتسعت عيناه ، تعكسان الفولاذ الأسود لنصلي. فضربة واحدة نظيفة فصلت حياته عن جسده. لم أتوقف حتى لألتفت ؛ دفعت "المانا " الخاص بي في طية أخيرة يائسة.
ظهرتُ مباشرة بجانب الأخير. لم أستخدم أي أسلوب ، اكتفيت بزخم "الوميض " وأرجحت "تمبست " في قوس عمودي وحشي شطر المخلوق من الرأس حتى الصدر.
عاد الصمت.
وقفت في وسط المذبحة ، صدري يعلو ويهبط ، والسائل الأسود للوحوش يتصاعد منه البخار على العشب. أعدتُ "تمبست " إلى غمده بصوت نقرة ميكانيكية حادة.
"استغرقت وقتاً طويلاً في قتال الأخير " كسر صوتٌ غليظ الصمت.
كان "روران " يتكئ على شجرة ، يبدو في غاية الضجر. حيث كان هناك طوال الوقت ، يراقب.
"كنت أختبر حدودي " قلتُ ، ماسحاً العرق عن جبيني.
أصدر "روران " زفيراً من أنفه ، وسار ليتفحص الجثث. "أنت في مستوى خبير متوسط. و تمتلك الموهبة ، سأعطيك هذا. و لكن لا تغتر ؛ فمستوى الفئة الخامسة لن ينتظرك لتستعيد توازنك بعد أن تنتقل آنياً. "
نظر إليّ ، ولجزء من الثانية ، خفَّ عبسه ليتحول إلى إيماءة احترام حقيقية. "عمل جيد يا فتى. "
رمشت بعيني. "هل كان هذا إطراءً ؟ منك أنت ؟ "
"لا تجعل الأمر غريباً " دمدم ، مستديراً نحو المسار. "نظف نفسك. الليلة هي 'مهرجان الأصداء '. إذا تأخرنا ، فستقطف مارثا رؤوسنا ، وأفضل مواجهة 'بهيموث ' على أن أواجه ملعقة طبخ تلك المرأة. "
اختفى بين الأشجار.
مشت نحو جدول قريب ، وركعت لأغسل الدماء عن وجهي.
كان الماء صافياً كالكريستال. حدقت في انعكاس صورتي.
كان شعري أطول وأكثر تمرداً ، وعيناي الزرقاوان تبدوان... أحدَّ. أقسى. حيث كانت هناك ندوب جديدة ، لكنها بدت كأوسمة شرف.
لم أستطع منع نفسي.
انتشرت على وجهي ابتسامة بطيئة ومتعجرفة. "تباً يا ليو ، لقد بدأت فعلاً تبدو كبطل. " التفت برأسي ، معجباً بخط فكي. "لو أن فتيات عالمي القديم يرينني الآن ، لاصطففن في طابور. "
ضحكت على نفسي ، ثم تنهدت.
كانت الخمسة وأربعون يوماً الماضية جحيماً خالصاً. فضربني "روران " حتى لم أعد أستطيع الوقوف ، ثم جعلني أستزرع "المانا " بينما كانت عضلاتي تتمزق حرفياً. لعنت اسمه كل ليلة ، حالماً باليوم الذي أستطيع فيه توجيه ضربة واحدة له.
لكن بالنظر إلى يدي ، والشعور بنبض مركز "خبير متوسط " القوي والمستقر... لم أستطع كرهه.
لقد حول ضحيةً إلى ضارٍ.
كانت الشمس تغرب ، تصبغ الغابة بظلال من البرتقالي العنيف. وقفتُ ، أغمَدت سيفي ، وبدأت رحلة العودة إلى المنزل. حيث كانت أضواء القرية تألق بالفعل في الأفق.
المهرجان على وشك البدء.