Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

مسار الشذوذ 119

صلاة في الظلام +


الفصل مائة وتسعة عشر: صلاة في الظلام

بدأ العالم من حولي يتبدل حين توقف تساقط الثلوج ، وتصدعت السماء الرمادية كمرآة هوت على صخر ، فتساقطت شظاياها في غياهب الظلمة ، ولم تترك وراءها سوى فراغ سحيق. تلاشت الدار التي كانت دخان مدخنتها يتصاعد لتتحول إلى ظلال باهتة ، واستحالت البركة المتجمدة زجاجاً أسود تحت سماء لم يعد لها وجود.

كنت واقفاً في قلب العدم ، معلقاً في هوة بلا أرض ولا سقف ولا جدران ، ثم بدأ شيء جديد يتشكل من حولي كألوان تنساب فوق لوحة بيضاء. تشكلت ذكرى ، وجذبتني إلى تيارها كأنني غريق يجرفه نهر هائج نحو الأعماق.

وجدت نفسي واقفاً في فناء ترابي خلف مبنى حجري متهالك ، جدرانه اصطبغت باللونين الأصفر والبني جراء سنوات من الإهمال. حيث كانت نوافذه موصدة بألواح خشبية نخرها السوس ، والباب معلق بشكل مائل على مفصلاته ، متجمداً في حالة من الانهيار الأبدي.

كان الأطفال يجلسون في تجمعات صغيرة على الأرض ، ثيابهم ممزقة وقذرة ، ووجوههم شاحبة غائرة تحكي قصص البطون الخاوية والليالي الطويلة. حيث كانت أنظارهم مسمرة في الأرض أو معلقة في السماء أو يرقب بعضهم بعضاً ، لكن أعينهم كانت خالية من بريق الأمل ؛ فقد مات الأمل في هذا المكان منذ أمد بعيد ، ودُفن تحت ركام سنوات من البرد والجوع وصمت الآباء الذين غادروا ولم يعودوا قط.

كانت هناك طفله صغيره تجلس وحيدة مستندة إلى الجدار القاصي ، وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها وأحاطتهما بذراعيها. حيث كان لها شعر أسود ينسدل على وجهها في خصلات متشابكة ، وعيناها عنبريتان ، تلمعان بوضوح وجلاء حتى في ضياء الفناء الرمادي الباهت. انحدرت الدموع على وجنتيها ، تاركةً خلفها آثاراً في الغبار الذي استقر على بشرتها ، وتحركت شفتاها بصمت بكلمات لم يكن هناك أحد ليسمعها.

أدركتُ حينها وأنا أراقبها من حافة الفناء.. هذه هي "ميا ". هذه حياتها قبل "وايفورد ". قبل أن تبدأ العيش مع "مارتا " وبقية الأطفال.

اقترب منها ثلاثة صبية أكبر سناً ، وعلى وجوههم قسوة عارضة يتعلمها الأطفال حين لا يجدون من يغرس في نفوسهم بذور الرحمة. وقفوا فوقها ، فحجبوا ضياء الشمس الواهن الذي كان يدفئ كتفيها ، وسقطت ظلالهم فوقها كالكفن.

قال أحدهم بصوت عالٍ متهكم "أين والداكِ أيتها اليتيمة ؟ "

لم تجب الفتاة ، بل ظلت تحدق في الأرض.

سخر آخر قائلاً "ربما هلكا ، حالهما كحال كل الآباء الذين لفظوا أبناءهم. "

انفجروا ضاحكين ، فانتفضت الفتاة كأن وقع ضحكاتهم حجارة تنهال على رأسها. فكنت أراقب المشهد متجمداً في مكاني ، عاجزاً عن الحراك أو الكلام أو فعل أي شيء ، سوى الوقوف هناك كشبح حبيس في قطرة كهرمان.

ركل أحد الصبية التراب في وجهها ، فسعلت واختلطت دموعها بالغبار على وجنتيها ، ورفعت يديها الصغيرتين لتمسح عينيها.

"دعوها وشأنها. "

جاء الصوت من أقصى الفناء ، حاداً وحازماً. التفتُّ لأرى "مارتا " في ريعان شبابها واقفة عند طرف الفناء ، وقد عقدت ذراعيها ونظراتها قاسية كالفولاذ. تفرق الصبية كأوراق الشجر أمام العاصفة ، وتبخرت قسوتهم أمام شخص لا يقبل الضيم.

سارت "مارتا " نحو الفتاة وجثت بجانبها ، ومدت يدها الخشنة لتمسح التراب عن شعرها.

قالت "مارتا " "أنتِ أقوى منهم ، لا تدعيهم يرون دموعكِ. "

مسحت الفتاة عينيها واستنشقت قائلة "... أفتقد أمي. "

"لا بأس يا صغيرة. " وقفت "مارتا " ومدت يدها "تعالي معي. هناك خبز في المطبخ وطعام لكِ. "

ترددت الفتاة لبرهة ، ورفعت بصرها إلى وجه "مارتا " بعينين تعلمتا الحذر ، ثم أمسكت باليد الممدودة ونهضت ، وسارتا معاً نحو ذلك المبنى المتهالك ذي الباب المائل.

تلاشت الذكرى من حولي كالدخان.

_

وجدت نفسي في غرفة صغيرة ذات سقف منخفض ، جدرانها مغطاة برفوف مكدسة بجرار الأعشاب والزهور المجففة. حيث كانت شمعة وحيدة تشتعل فوق طاولة خشبية ، وترسل ظلالاً متراقصة فوق الأرض كأنها كائنات حية. حيث كانت النسمات تعبق برائحة اللافندر والزعتر.

كانت "ميا " الآن أكبر سناً ، ربما في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من عمرها. حيث كانت تجلس إلى الطاولة وأمامها كتاب مفتوح ، تتبع أصابعها الكلمات وهي تقرأ ، وتتحرك شفتاها بصمت مع رسم كل جملة. و سقطت خصلة من شعرها الأسود على وجهها ، فأبعدتها وراء أذنها دون أن ترفع بصرها.

كانت "مارتا " تجلس قبالتها ، تحرك كوب شاي بملعقة فضية ، وعيناها مسمرتان على وجه الفتاة ، ترقبها وهي تقرأ بتركيز شديد لم أكن أتوقعه.

قطعت "مارتا " حبل الصمت قائلة "لديكِ هبة يا عزيزتي ، هبة نادرة جداً. وعليكِ أن تكوني حذرة في التعامل معها. "

رفعت "ميا " رأسها ، وبدت الحيرة في عينيها العنبريتين "أي هبة ؟ "

أجابت "مارتا " "القدرة على الشفاء. ليس شفاء الأجساد فحسب ، بل الأرواح أيضاً. حيث تملكين شيئاً لم أره قط طوال سنوات بحثي. "

اتسعت عينا "ميا " "هل قوتي تشبه قوتكِ ؟ "

صمتت "مارتا " لبرهة طويلة ، وتوقفت ملعقتها عن الحركة في الكوب. وحين تحدثت مرة أخرى كان صوتها أكثر خفوتاً ، مثقلاً بشيء قد يكون ذكرى أو ندماً "مختلفة ، ولكنها متشابهة. " وضعت الملعقة وانحنت للأمام ، ووضعت مرفقيها على الطاولة "... قوتكِ أقوى مما كانت قوتي عليه يوماً ، وهي أكثر خطورة. عليكِ أن تعديني بشيء يا ميا. "

سألت "ميا " "بماذا ؟ "

"ألا تستخدمي قوتكِ أبداً لإيذاء الآخرين. حيث استخدميها للمساعدة فقط. " كانت عينا "مارتا " الآن قاسية وحادة كالزجاج.

وتابعت "قوتكِ يمكنها الشفاء ، نعم. و يمكنها لملمة الجراح وتسكين الآلام وانتشال المرء من حافة الموت. و هذا هو العطاء ، وهذا ما وجدت القوة لأجله. و لكن يمكنها أيضاً أن تفعل العكس تماماً. و يمكنها الاستنزاف.. بمقدورها السلب. و يمكنها انتزاع الحياة من شخص آخر والاحتفاظ بها لنفسكِ. "

انحنت أكثر ، وانخفض صوتها إلى همس:

"في اللحظة التي تستخدمينها فيها للأخذ ، ستفقدين نفسكِ. ولن تدركي حتى حدوث ذلك. سينمو الجوع في صمت ، في الظلام ، كبذرة غُرست وسُقيت وغُذيت حتى ضاقت بها الأرض واستعصى قلعها. ويوماً ما ، ستستيقظين ولن تتذكري من كنتِ قبل أن يبدأ هذا الجوع. "

حدقت "ميا " فيها ، ويداها الصغيرتان منبسطتان فوق صفحات الكتاب.

قالت "مارتا " "لذا عديني. عديني أنكِ لن تستخدميها للأخذ أبداً. مهما بلغت بكِ درجة اليأس. ومهما كان الألم مبرحاً. لأنكِ بمجرد تجاوزكِ هذا الخط ، لن تجدي طريقاً للعودة قط. "

أومأت "ميا " برأسها ببطء ، ويداها لا تزالان تضغطان على صفحات الكتاب "... أعِدُكِ. "

ابتسمت "مارتا ". كانت ابتسامة حزينة ، من ذلك النوع الذي ينم عن معرفة بشيء لا يدركه الطرف الآخر.

_

مرة أخرى تبدل المشهد ، ووجدت نفسي في ممر مظلم جدرانه ناضحة بالرطوبة وأرضيته زلقة بشيء ما. حيث كانت الرائحة تفوح بدم قديم ومواد كيميائية ، وعبير العفن الحلو المنفر الذي طُلي فوقه لإخفائه لكنه لم يزول قط.

كنت أعرف هذا المكان. و لقد وطئت قدماي هذه الحجارة من قبل.

مناجم القرمزي. مختبر "فوس ".

كانت "ميا " مقيدة إلى طاولة معدنية في منتصف الغرفة ، وقد شُدت الأغلال الحديدية حول ذراعيها وساقيها حتى غارت في جلدها. حيث كان ثوبها ممزقاً وملطخاً ، ووجهها مغطى بكدمات لم تبدأ في التلاشي بعد. حيث كانت عيناها مفتوحتين ، شاخصتين نحو السقف ، وشفتاها مضمومتان في خط رفيع من الألم.

وقف "فوس " فوقها والمبضع في يده ، يلتقط نصلُه ضوء المشاعل الخضراء ويعكسه في ومضات سقيمة. حيث كان وجهه هادئاً ، بل وادعاً ، كبستاني يتأمل زهرة يوشك على تقليمها.

قال بصوت ناعم ورقيق ، من ذلك النوع الذي قد يستخدمه أبٌ حين يتحدث إلى ابنته "أنتِ مميزة.. روحكِ أكثر مرونة من كل الأرواح الأخرى التي درستها. إنها تنحني دون أن تنكسر ، مهما بلغت درجة الضغط التي أمارسها. "

"... "

وتابع وهو يمرر المبضع بخفة فوق ذراعها دون جرح الجلد "سأدفع بكِ إلى أقصى حدودكِ ، ثم سأدفعكِ لتتجاوزيها. ويوماً ما ، ستشكرينني على ذلك. "

غرس الشفرة في ذراعها وسحبه لأسفل.

صرخت ، ولم أستطع سوى رؤية الرعب يتجسد أمامي.

حاولت التحرك. حاولت الوصول إليها ، منعه ، فعل أي شيء على الإطلاق. و لكنني كنت متجمداً في مكاني ، شبحاً في ذاكرتها ، مُرغماً على المشاهدة وهو يشق ذراعها من الكتف إلى المرفق.

انهمر الدم على الطاولة ، وعلى الأرض ، وعلى يديه ، وظل يراقب نزيفها باهتمام بارد كعالم يراقب تجربة مخبرية.

أمرها قائلاً "اشفي الجرح. "

أغمضت "ميا " عينيها. توهجت يداها بضوء خافت ، ليلتحم اللحم مرة أخرى. وكانت الندبة المتبقية رقيقة وباهتة.

قال "فوس " بابتسامة مظلمة "جيد. "

شج ذراعها الأخرى ، فشفى الجرح. شج بطنها ، فشفى الجرح. شج وجهها ، خطاً ضحلاً من وجنتها إلى فكها ، فشفى الجرح.

قطع أصابعها واحداً تلو الآخر ، بدءاً بالأصغر وصولاً إلى الإبهام. حيث كانت كل طعنة دقيقة ، متعمدة ، نُفذت بعناية جراح يستأصل ورماً. وفي كل مرة كانت يداها تتوهجان ، فتنغلق الجراح ، وتنمو الأصابع من جديد.... وفي كل مرة كانت تصرخ وتتوسل الموت.

كنت لا أزال في المختبر نفسه ، لكن الوقت قد مضى. أيام ؟ أسابيع ؟ صار الوقت خريطة مشوشة من الندوب.

كانت "ميا " ملقاة على الطاولة ، جسدها خارطة من الندبات التي لم تبهت بعد. و عيناها نصف مغمضتين ، وزائغتان. وصدرها يرتفع وينخفض بأنفاس ضحلة متقطعة.

وقف "فوس " فوقها ومعه مكواة وسم ، يتوهج طرفها باللونين الأحمر والبرتقالي ، من شدة حرارتها كان الهواء فى الجوار يرتعش.

قال وهو يقرب المكواة من وجهها لتشعر بحرارتها "روحكِ وقوتكِ استثنائية.. لم أرَ مثيلاً لها طوال سنوات بحثي. "

ضغط بالمكواة على كتفها.

فحّ الجلد وتفطر. ملأت رائحة اللحم المحترق الغرفة ، ثقيلة ولاذعة.

لم تصرخ "ميا " ؛ فلم تعد تملك القوة لتصرخ. انفتح فمها وخرج صوت ، لكنه لم يكن صرخة. حيث كان أنيناً خافتاً منكسراً ، صوت شخص صرخ لمرات لا تحصى حتى لم يعد فيه بقية.

همست وصوتها يكاد لا يُسمع فوق فحيح المكواة "... أرجوك... اقتلني... "

قال "فوس " وهو يبعد المكواة ويتفحص الجرح باهتمام سريري "لا أستطيع. أنتِ ذات قيمة بالغة. قوتكِ هي المفتاح لكل ما كنت أسعى لتحقيقه. "

وضع المكواة جانباً والتقط قارورة زجاجية صغيرة مليئة بسائل داكن دوّار.

قال وهو يرفع القارورة نحو الضوء "أترين ؟ جسدكِ يشفى ، وقوتكِ لا تشفي الجسد فحسب بل الروح أيضاً. حتى لو أردت قتلكِ ، فلن أتمكن من ذلك. و لقد صرتِ خالدة الآن. الأولى من بين كثيرين. "

أغمضت "ميا " عينيها. انحدرت الدموع على وجنتيها ، شاقةً طريقها عبر الدماء والقذارة.

همست "ليو سيأتي.. سيأتي ويقتلك. "

ضحك "فوس " ضحكة جافة ومتحشرجة تردد صداها بين الجدران الحجرية "ذلك الفتى من وايفورد ؟ لقد هلك. أخبرتكِ مراراً. مات في الحريق الذي التهم القرية. لا يوجد أحد قادم لإنقاذكِ. "

قالت "ميا " وصوتها الآن أقوى "لم يمت. و لقد وعدني. و لقد قطع لي وعداً ، وهو يفي بوعوده. "

توقف "فوس " عن الضحك.

قال بصوت مستوٍ وبارد "الوعود لا تعني شيئاً. النتائج هي ما يهم ، والنتيجة هي أنكِ ملكي. ستظلين ملكي دوماً. جسدكِ ، روحكِ ، قوتكِ. كل ذلك يخصني. "

التفت وسار نحو الباب.

قال دون أن يلتفت خلفه "ارتاحي الآن. غداً ، سنحاول من جديد. "

_

وجدت نفسي داخل قفص. حيث كانت القضبان الحديدية تحيط بي من كل جانب ، والأرضية حجر بارد ، تبلله الرطوبة التي تقطر من السقف الي قطرات بطيئة ورتيبة. حيث كان الهواء ثقيلاً برائحة الأجساد غير المغسولة والخوف.

كانت "ميا " تجلس في الزاوية ، تضم ركبتيها بيديها وظهرها مسند إلى القضبان. ثوبها ملطخ بدم قديم ، شعرها ملبد ، ووجهها شاحب. حيث كانت تتمايل ذهاباً وإياباً ، وتدندن بلحن ناعم تحت أنفاسها ، أهزوجة لم أعرفها.

كان الأطفال معها في القفص. "ليلي " و "توبين " و "سيرا " وغيرهم. تكتلوا معاً ، والتصقوا بها طلباً للدفء ، وأجسادهم الصغيرة ترتجف برداً وهلعاً.

قالت "ميا " وصوتها ناعم وثابت رغم كل شيء "سيكون كل شيء بخير. ليو سيأتي. و لقد وعد. "

سألت "ليلي " وصوتها مكتوم فوق كتف "ميا " "متى ؟ متى سيأتي ؟ "

مسحت "ميا " على شعرها وقالت "قريباً. سيأتي وينقذنا. عليكم فقط أن تكونوا شجعاناً لفترة أطول قليلاً. "

قال "توبين " من الزاوية وهو يعقد ذراعيه فوق صدره "قلتِ ذلك بالأمس. "

أغمضت "ميا " عينيها وقالت "أعلم. و لكني أؤمن بذلك. لا بد أن أؤمن. و إذا توقفت عن الإيمان ، فلن يتبقى شيء. "

ساد الصمت بين الأطفال بعد ذلك. ولم يكن يُسمع سوى تقاطر الماء ودندنة "ميا " الهادئة لأهزوجتها.

_

تبدل العالم ووجدت نفسي في المختبر ثانية. حيث كان "فوس " يشق صدر "ميا " يتبع بمبضعه خطاً أسفل عظمة القص ، يفصل الجلد والعضلات والعظام بسهولة من اعتاد فعل ذلك مرات لا تُحصى.

لم تعد مقيدة إلى الطاولة. حيث كانت مستلقية بهدوء ، عيناها مفتوحتان ، وشفتاها متباعدتان. لم تكن تصرخ ؛ فقد توقفت عن الصراخ منذ أسابيع.

قال "فوس " وصوته بعيد وشارد ، كأنه يحدث نفسه لا يحدثها "نسج الأرواح هو المفتاح. به ، يمكنني تثبيت الروح في الجسد بشكل دائم. الخلود. جنود أبديون. جيش لا يمكن قتله. "

"... "

وتابع وهو يمد أصابعه داخل صدرها "لقد صنعت النموذج الأول بالفعل. إنه لا يموت. لا يتوقف. إنه يقتل فحسب ، وقريباً ، سأملك المزيد. المئات أو الآلاف منهم. جيش سيجتاح العالم ويحيله هباءً منثوراً. "

انتزع شيئاً من صدرها. جزء صغيرة متوهجة من الضوء. جوهرها. حيث كان ينبض في يده كقلب ثانٍ ، دافئاً ومشرقاً.

شهقت "ميا ". تقوس جسدها فوق الطاولة ، وانفتح فمها في صرخة صامتة.

قال "فوس " وهو يرفع الجزء نحو الضوء "... مذهل. "

أعاد الجزء داخل صدرها وأغلق الجرح بإيماءه من يده. التأم الجلد تاركاً ندبة باهتة.

قال وهو يمسح يديه بقطعة قماش "ارتاحي الآن. "

_

كان "فوس " واقفاً فوق "ميا " يداه مغطاة بدماء طازجة ، ووجهه تعلوه ابتسامة عريضة. حيث كانت ملقاة على الطاولة ، جسدها محطم بطرق لا أستطيع وصفها ، عيناها مغمضتان ، وصدرها يعلو ويهبط في إيقاع ضحل.

قال "فوس " وهو يتراجع للوراء معجباً بعمله "لقد نجحت. اكتمل الجندي الخالد الأول. لن تموت. إنها... مثالية. "

سار مبتعداً ، مخلفاً وراءه كائناً بعينين غائرتين وخاويتين. الفتاة التي عرفتها قد رحلت ، وحل محلها "الجندي المثالي ".

وقفت وحيداً في الظلام.

كان ظلاماً أجوف ، فارغاً وبارداً ، من ذلك النوع الذي يسود حين لا يتبقى شيء ليحترق. لا ضوء. لا صوت.... مجرد فراغ يمتد في كل اتجاه ، سرمدي ومطلق.

وقفت هناك لفترة طويلة ، أحاول استيعاب كل ما رأيت. طفولتها في الملجأ ، حيث تعلمت أنه لا أحد قادم لإنقاذها. حياتها في "وايفورد " حيث وجدت عائلة ثم فقدتها. التعذيب. الطعنات. الحروق.

الليالي التي قضتها تبكي وحيدة ، تصلي لآلهة لم تجبها قط ، وتهمس باسمي في الظلام كصلاة تخشى ألا تُسمع أبداً.

فكرت "... لقد انتظرتني. عانت وانتظرت. آمنت بأنني سآتي حتى حين لم يكن هناك سبب يدعو للإيمان. "

أغمضت عينيّ.

أنا هنا الآن يا "ميا ". أنا... هنا.

جذبني نحيب مكتوم للسير قدماً عبر الفراغ.

انقشع الظلام ليكشف عن المنزل من الذكرى الأولى ، لكنه كان بارداً الآن ، وقد حل الرماد الرمادي محل النار في الموقد. حيث كانت الثلوج المتساقطة في الخارج تنجرف لأسفل كرقاقات من السخام.

كان النحيب آتياً من الداخل.

سرت نحو الباب ودفعته لأنفتح.

كانت الغرفة مظلمة. الأثاث مغطى بالغبار ، والجدران عارية. وفي الزاوية كان هناك قوام صغير يرقد منكمشاً على الأرض ، يضم ركبتيه بذراعيه ، وجسدها يهتز بالنشيج.

جثوت بجانبها وقلت "ميا... أنا هنا. "

هدأ النحيب. رفعت رأسها ببطء ، عيناها محمرتان ومتورمتان ، ووجنتاها مبللتان بالدموع.

همست قائلة "يا إلهي... ؟ "



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

Ads Blocker Detected!!!

We have detected that you are using extensions to block ads. Please support us by disabling these ads blocker.

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط