الفصل الثالث: عيون اليأس
"لقد وصلنا. "
تطلعتُ عبر النافذة ، فلاحظتُ أنه لم يكن هناك أحدٌ في انتظارها. ومع ذلك لم أسمح لملامحي بأن تشي بشيء وأنا أفتح باب العربة لأفسح لها المجال للخروج. ولكن ، في اللحظة التي فعلتُ فيها ذلك شعرتُ بنظرةٍ ثقيلة تحطّ عليّ.
كانت تلك النظرة تنبعث من أعلى قصر عائلة "ليكس " وكانت مفعمةً بقوةٍ لا تترك مجالاً للشك في هوية صاحبها ؛ إنه بطريك عائلة "ليكس " نفسه. حيث كانت الشائعات التي تدور حوله صادقة حقاً ، فلم يكن شخصاً يمكنني مضاهاته. حيث كانت نظراته حادة وخطيرة ، وكأنه يقرأ ما وراء ملامحي ويخترق خبايا نفسي.
رغم ذلك بذلتُ قصارى جهدي لإخفاء رد فعلي ، فلم ألتفت حتى جهة مصدر النظرة ، واكتفيتُ بمساعدة "أميليا " على الخروج من العربة.
كانت قد ذكرت سابقاً أن عائلتها لا تكنّ لها أي اعتبار ، ولكن أليس هذا الإهمال مبالغاً فيه ؟
لم أكن متيقناً تماماً ، بالنظر إلى أنني لم أحظَ بعائلةٍ قط إلا أنني كنتُ أشاهد النبلاء غالباً وهم يصلون إلى قصورهم ، حيث كان في استقبالهم حشدٌ لا يُحصى من الخدم. أما هنا ، وبينما كنتُ أعيد النظر لم يكن هناك سوى شخص واحد فقط في الانتظار.
عند البوابات الحديدية الضخمة ، وقفت قامةٌ وحيدة ترتدي زي الخادمات. وخلفها يمتد قصر "ليكس " المنيف ؛ حيث أعمدة الرخام الشاهقة ترفع صرح القصر المترامي الأطراف ، تحيط به حدائق نُسقت بعناية ، ونافورات ، وممرات طويلة من الحصى.
بدت كأنها خادمة بناءً على زيها. لعل هناك من يهتم لأمر "أميليا " بعد كل شيء.
"لقد حان الوقت لعودتكِ أخيراً. لو بقيتِ في العاصمة الملكية لفترة أطول ، لكانت عائلتُكِ قد تخلصت مني. "
"أنا.. أنا آسفة... "
كانت "أميليا " هي من تقدم الاعتذار للخادمة!
ألم تدرك أنها هي السيدة هنا ؟ كنتُ أعلم مسبقاً أنها ساذجة ، ولكن هذا تجاوز كل الحدود. استطعتُ الآن أن أفهم لِمَ يستخف الجميع بها ؛ فهي تفتقر إلى قوة الشخصية ، وتسمح للآخرين باستباحة كرامتها. وإذا كانت خادمةٌ تجرؤ على فعل ذلك فلا يمكنني تخيل ما قد يفعله إخوتها بها.
"ومن يكون هذا ؟ " قالت الخادمة بعبوس ، وهي تتفحصني من رأسي إلى قدمي بازدراءٍ جلي. حيث توقفت عيناها عند ثيابي الرثة وكأنني حيوانٌ ضال. "هل ارتبطتِ بخطوبة دون موافقة البطريك ؟ "
احمرّ وجه "أميليا " مجدداً ، وعجزت عن ملاقاة عيني الخادمة.
"لـ-ليس الأمر كذلك لقد طلبتُ منه فقط أن— "
"اسمي هو 'يايك فالي '. أنا من طلب من سيدتكِ مرافقتها إلى قصر عائلة 'ليكس '. "
قاطعتُ "أميليا " بحدة. لم أكن أريدها أن تقول إنها هي من دعتني أو أي ترهات من هذا القبيل. حيث كان عليها أن تُبقي رأسها مرفوعاً. لا أدري لِمَ ، ولكن رؤيتها خائفة من التحدث إلى خادمتها أثار حنقي بشدة. حتى وإن كان البطريك يراقبنا ، فلن أسمح لهذه الخادمة أن تخاطب "أميليا " بهذا الأسلوب المهين.
"همم.. إذاً ، هل أنت مهتم بـ 'أميليا ' ؟ "
مرة أخرى كانت تتحدث بقلة احترام. كيف لخادمة لا تملك من أمرها شيئاً أن تعتقد أنها على قدم المساواة مع فرد من عائلة "ليكس " ؟
"لن تحتاج 'أميليا ' إليكِ بعد الآن. سأكون أنا المسؤول عن رعايتها داخل قصر 'ليكس '. "
اتسعت عينا الخادمة دهشةً من كلماتي.
"هـ-هذا مستحيل! ستحتاج إلى موافقة البطريك لتصبح المسؤول عنها. "
تنهدتُ بضيق.
"لا أظن أن ذلك سيشكل معضلة كبيرة ، بالنظر إلى الطريقة التي تجاهرين بها بازدرائها. و كما أنني سأحرص على ذكر سلوككِ الفجّ أمام البطريك ؛ وأنا واثق بأنه سيكون مهتماً جداً بمعرفة تفاصيل هذا الموقف. "
رسمتُ على وجهي ابتسامة ساخرة ، متوقعاً أن ترتعد الخادمة خوفاً. و لكن العكس هو ما حدث ؛ فبمجرد أن ذكرتُ البطريك ، افترّ ثغرها عن ابتسامة عريضة مشوبة بالشماتة.
"افعل ما يحلو لك. وإلى أن تنال إذن البطريك ، سأظل أنا المسؤولة عن هذه الفتاة الغبية. "
فتاة غبية ؟ كززتُ على أسناني غيظاً. تباً ، لِمَ أشعر بكل هذا الغضب ؟
وبينما كنتُ على وشك أن ألقن تلك الخادمة درساً يجعلها تندم على كلماتِها ، شعرتُ بيد "أميليا " الناعمة تمسك بذراعي.
"لا.. لا بأس. 'فيليسيا ' هي خادمتي منذ أن كنتُ طفله صغيره... نـ-نحن نتفاهم جيداً. "
تفرستُ في عينيها المليئتين بالخوف ، ولم يزدني ذلك إلا عبساً وضيقاً. إلى أي مدى يمكن أن يصل خضوعكِ ؟ ألا تريدين إرجاعها إلى حجمها الطبيعي ؟
أبعدتُ يدها عن ذراعي.
"لا يهم ، أين يمكنني مقابلة البطريك ؟ "
لقد شعرتُ بوجوده بالفعل ، ولكن مقابلته وجهاً لوجه كانت تحدياً من نوعٍ آخر تماماً. فكنتُ قد خططتُ لكسب وده من خلال التظاهر باللطف ، ولكن اعتماداً على رد فعله حين أكشف له عن سوء معاملة "أميليا " قد تتغير خطتي كلياً.
سخرت الخادمة قائلة "بطريك عائلة 'ليكس ' ليس شخصاً يمكنك مقابلته بتلك السهولة. "
ألقيتُ نظرةً سريعة على "أميليا " للتأكد من أنها لم تكن منتبهة ، وقررتُ أن أبدأ رحلة انتقامها حتى وإن لم تطلب هي ذلك. لم يعد بإمكاني تحمل هذا الصلف أكثر من ذلك.
تحولت عيناي الزرقاوان فجأة إلى هوةٍ سحيقة من الظلام الدامس بينما كنتُ أحدق مباشرة في عيني الخادمة.
[عيون اليأس]
تلاشت الثقة التي كانت تبديها في رمشة عين. ارتخت ذراعاها ، وسرعان ما خانتها ساقاها لتسقط جاثيةً على ركبتيها فوق الممر الحجري ، والدموع تنهمر على وجنتيها.
"أرجوك.. لا تقتلني.. لـ-لم أكن أقصد شيئاً مما قلت " تمتمت بصوت يرتجف رعباً.
أخفيتُ ابتسامة النصر وأنا أراقبها وهي تغرق في غياهب اليأس. حيث كانت "عيون اليأس " مهارتي الفريدة من سمة الظلام ، وهي التي مكنتني من البقاء على قيد الحياة طوال هذه السنين. طالما كانت المهارة مفعلة ، فإن كل من تلتقي عيناه بعينيّ يسقط في حفرة من القنوط ، متخيلاً أسوأ كوابيسه. لا تفشل هذه المهارة إلا أمام أولئك الذين يمتلكون صلابة ذهنية أقوى من صلابتي ، وحتى الآن لم ينجُ منها سوى ثلاثة أشخاص فقط.
[سقطت 'فيليسيا باكون ' في غياهب اليأس. و من الآن فصاعداً ، في كل مرة تلتقي فيها عيناها بعينيك ، ستشعر بذعر شديد على حياتها ، وستنخفض جميع خصائصها بنسبة 70%.]
هذا القدر يجب أن يكون كافياً.
"فيليسيا ، هل أنتِ بخير ؟ " جثت "أميليا " على الفور بجانبها ، وقد بدا عليها القلق الحقيقي. "هل تأذيتِ في مكان ما ؟ هل عليّ استدعاء أحد ؟ "
أثار حنقي أكثر رؤيتها تهتم لأمر شخص كهذا. فجأة ، نظرت إليّ "أميليا " وقالت "فلنأخذها إلى مستوصف العائلة ، سيعتنون بها هناك. "
أجابتُ بابتسامة "بالتأكيد. "
وبمجرد أن حاولتُ لمس "فيليسيا " دفعتني عنها بعنف ، وجسدها يرتجف بأكمله وكأنني وحش كاسر.
"سـ-سأكون بخير ، آنسة 'ليكس '. أ-أعتقد أن هذا نتيجة افتقادي لكِ طوال هذه الشهور.. أشعر بدوار طفيف في رأسي. " كان صوتها يتهدج مع كل كلمة. "سأراكِ لاحقاً. "
أخيراً ، بدأت خادمتُها تتعلم قدرها الحقيقي. وسأحرص قبل رحيلي على أن تصبح مطيعة ككلبٍ أليف.
مددتُ يدي لـ "أميليا " وقدمتُ لها ابتسامة مشرقة.
"هل نتوجه إلى غرفتكِ ؟ "
ومع ذلك وما إن نطقتُ بتلك الكلمات حتى شعرتُ بنظرة البطريك تتحول من الغضب إلى الاهتمام.