الفصل الثاني: الرحلة إلى قصر "ليكس "
كانت الفرصة المثالية تتجلى أمامي بكل وضوح.
ومع ذلك كنت أدرك تمام الإدراك أن "أميليا " ليست هي من يمسك بزمام الأمور هنا ؛ فإذا كان هناك من يستطيع منحي حق الدخول إلى الأكاديمية الملكية ، فسيكون إما والداها أو مدير الأكاديمية الحالي.
كانت العربة التي تقلنا تتهادى برفق من جانب إلى آخر بينما تدور عجلاتها فوق الطريق الوعر. وتسللت خيوط الشمس عبر الستائر الرقيقة التي تغطي النوافذ ، لترسم خطوطاً ذهبية باهتة على المقصورة الخشبية المصقولة.
وجلست "أميليا " في المقابل مني ، وقد وضعت يديها بدقة فوق حجرها.
سألتني "أميليا " بنظرة ملؤها القلق "هل أنت متأكد من قدرتك على تحمل مشاق الرحلة الطويلة إلى قصر ليكس ؟ "
افترّ ثغري عن ابتسامة ساخرة لسذاجتها المفرطة ؛ فمجرد تفكيرها في الموافقة على مرافقتي لها لمجرد أنني أخبرتها بأنني لا أزال أشعر ببعض التعب كان أمراً يثير العجب.
فكرتُ في نفسي قبل أن تداهمني ذكريات بعيدة "يا لسهولة الأمر.. هل الناس عادة بمثل هذا الإهمال تجاه الغرباء ؟ "
***
"هل ظننت حقاً أنني كنت صديقك ؟ "
لفحت الرياح الباردة وجهي بينما وقفت هناك مذهولاً. و لقد طُعنت في الظهر ، مباشرة في أحشائي ، من قِبَل من كنت أحسبه صديقاً.
"آه.. لـ.. لماذا ؟ "
اتسعت ابتسامة صديقي لتزداد خبثاً ، مما أرسل رعشة باردة في عمودي الفقري.
"ولماذا لا أفعل ؟ سنُجبر على قتل بعضنا البعض في نهاية المطاف على أي حال. ومن الأفضل لي أن أفعل ذلك الآن قبل أن تصبح تهديداً أكبر. "
وتابع "لقد عرض عليّ أحد الكبار توجيهاً شخصياً لتطوير (نواة المانا) الخاصة بي مقابل قتلك. مَن الأحمق الذي قد يرفض عرضاً كهذا ؟ "
انتزعتُ السكين من بطني ، فاندفعت الدماء بغزارة لتتقطر على الأرضية الحجرية الباردة تحت قدمي.
همستُ وصوتي يكاد لا يُسمع بينما تحولت عيناي إلى بئر لا قاع لها من الظلام "إذا كنت تريد قتلي حقاً.. كان عليك أن تقطع عنقي. "
وفي لمح البصر لم أكن أنا من قُطع رأسه ، بل كان "صديقي ".
أما الشخص الذي حصل على التوجيه الشخصي.. فقد كان أنا.
***
"يايك ؟ هل أنت بخير ؟ إذا استمررت في قبض يديك هكذا ، فقد تؤذي نفسك. "
عادت إليّ حواسي مع اهتزاز العربة اللطيف ، وجذبني صوت "أميليا " للواقع مرة أخرى.
هززت رأسي طارداً تلك الأفكار المزعجة.
"آه ، عذراً. تذكرتُ بعض الأمور فحسب. "
تكلفتُ ابتسامة ، لكن من الواضح أنها لم تكن مقنعة. لم تعقب "أميليا " على ذلك ولكن كان جلياً من نظراتها أنها تدرك أنني أخفي عنها أسراراً.
حتى الآن ، لابد أنها تتساءل عن كنهي ؛ فبعد كل شيء كان انطباعها الأول عني هو رؤيتي وأنا بين الحياة والموت. لابد أنها اعتقدت أنني مجرم من نوع ما ، أو ربما أسوأ من ذلك.
خلف النافذة كان المشهد يتغير ببطء ؛ حيث اختفت الطرق المزدحمة القريبة من العاصمة منذ زمن طويل ، وحلت محلها الأرياف الهادئة والمساحات الخضراء الشاسعة التي تمتد نحو الأفق.
"في الحقيقة كان هناك شيء أردت أن أسألك عنه... "
اصطبغت وجنتاها باللون الأحمر القاني ، ولم تقو حتى على التقاء عيني بعينيها ، بينما كانت أصابعها تعبث بحاشية كمها في ارتباك واضح.
فكرتُ "كنت أعلم أن هناك سبباً آخر لمرافقتي لها. لا أحد يتصرف بهذا اللطف دون مقابل ، ليس بلا سبب. "
تنهدتُ وسألتها "ما هو ؟ "
"في الواقع.. الحقيقة هي أنني لست محبوبة جداً لدى عائلتي. و لهذا السبب لم أمانع في إحضارك معي. ظننتُ.. ظننتُ أنه قد يكون من الأفضل أن يكون معي شخص ما هذه المرة. "
قطبتُ حاجبي متسائلاً "هذا كل ما في الأمر ؟ لقد أنقذتِ حياتي ، وهذا كل ما أردتِه ؟ "
وتابعت مستنكراً "تريدينني فقط أن أكون هناك كصديق لك ؟ لا شيء آخر ؟ "
بصراحة حتى لو طلبت مني قتل أولئك الذين يضايقونها ، لكنت وافقت. فبعد كل شيء كانت "أميليا " منقذتي ، وهي تستحق هذا القدر على الأقل.
"نـ.. نعم... " خفضت رأسها وكأنها على وشك البكاء. "أنا.. أنا آسفة. لم أقصد إقحامك في هذا الموقف ؛ لم أفكر في الحرج الذي قد أسببه لك. و إذا أردت ، يمكنني إعادتك إلى العاصمة الملكية... "
"إنها غريبة حقاً. لم أقابل أحداً بهذا القدر من الطيبة الساذجة في حياتي كلها. "
أخذت نفساً عميقاً ، وشعرت بشيء من الضيق من مدى رقتها المفرطة.
"مرافقتك هي أقل ما يمكنني فعله. و إذا كان هناك أي شيء آخر تريدين مني القيام به ، فسأمتثل لطلبك بكل سرور. "
أشرق وجهها على الفور وشعت من ثغرها ابتسامة دافئة.
"حـ.. حقاً! "
كان رد فعلها صادقاً للغاية.
"يا له من أمر عجيب ، أن تشعر بكل هذا السعادة من أجل هذا القدر الزهيد. "
قلتُ لها "كما قلت ، إذا كان هناك أي شيء آخر تحتاجين فيه لمساعدة ، فسأساعدك بكل سرور. مهما كان الأمر. "
أمالت رأسها قليلاً ، فانسدل شعرها الطويل على كتفها.
"أي شيء ؟ "
"نعم ، أي شيء تطلبينه ، سأفعله. "
صمتت لبضع ثوانٍ ، لكنها انتهت بهز رأسها نفياً.
"كلا ، هذا يكفي! فقط ابقَ قريباً مني أثناء وجودنا هناك. "
حدقت في وجهها لبضع ثوان ، وبدا أنها تقول الحقيقة ، ولم يكن هناك أي معنى خفي خلف كلماتها.
"لن أفارق جانبها أبداً " عاهدتُ نفسي داخلياً.
ومع ذلك وبينما سأفي بطلباتها ، كنت لا أزال بحاجة للحديث مع عميد عائلة "ليكس " ؛ فهو الوحيد الذي يستطيع إدخالي إلى الأكاديمية الملكية.
علاوة على ذلك ومن خلال سنوات عملي في تنفيذ المهام كمغتال في المعسكر ، كنت أعرف مدى قوه الجوهر التي تتمتع بها عائلة "ليكس ". إذا حالفني الحظ ، فقد أتمكن حتى من الاستيلاء على "كتاب مهارات نادر " أو حتى "أثر عتيق ".
بيد أنه يتعين عليّ الحذر لكي لا يتم كشفي ؛ فقد سمعت قصصاً كثيرة عما يحدث لأولئك الذين يحاولون السرقة من عائلة "ليكس ". فعيد العائلة معروف في جميع أنحاء القارة بكونه قسياً ولا يعرف الرحمة ، خاصة مع الغرباء.
ومع ذلك فإن الفصل الدراسي القادم لن يبدأ إلا بعد شهرين. حيث كان لدي متسع من الوقت للحصول على توصيته لدخول الأكاديمية الملكية ، وأيضاً لسرقة بضعة كتب مهارات من تحت أنفه مباشرة.
في الوقت الحالي ، سأراقب "أميليا " وأحرص على ألا يصيبها أي مكروه.
فجأة ، بدأت العربة في التباطؤ.
ومن خلال النافذة ، بدأت تظهر بوابات حديدية شاهقة ، محاطة بجدران حجرية ضخمة تمتد على مد البصر. وقف حراس يرتدون دروعاً فضية على جانبي المدخل ، وتألقت رماحهم تحت ضوء الشمس.
ومن وراء البوابات ، استطعت أن ألمح قصر "ليكس " الشاسع نفسه ؛ وهو قصر مترامي الأطراف محاط بحدائق واسعة وأعمدة رخامية شاهقة.
"آنسة ليكس ، نحن على وشك الوصول إلى قصر العائلة. "
أجابت وصوتها يرتجف "أر.. أرى ذلك. "
على الفور طرأ تغيير واضح على سلوكها ؛ تلاشت ابتسامتها ، والأهم من ذلك بدأت يداها ترتجفان ذعراً وهي تحدق بصمت في البوابات المقتربة.
"يا ترى ما الذي عانته هناك لتصل إلى هذه الشرط ؟ "
لم أكن متأكداً من السبب بالضبط ، ولكن رؤيتها وهي في هذه الحالة جعلتني أجد صعوبة في السيطرة على مشاعري. وبحلول الوقت الذي سأغادر فيه هذا المكان ، سأحرص على أن يحترمها الجميع.
ومع ذلك وبينما كنت على وشك النزول من العربة ، شعرت بنظرة ثقيلة ومهيبة تستقر عليّ. لم أكن بحاجة للنظر لأعرف لمن تنتمي.
لقد كان عميد عائلة "ليكس " يراقبني بالفعل.