الفصل السادس والعشرون بعد المائة: الأسد ذو الوجه البشري (2)
بعد جولة من التعذيب الأليم لم يعد بإمكان الأسد ذي الوجه البشري الاحتمال ، فأجاب صاغراً على تساؤلات "سونان ".
وبعد حصوله على المعلومات المنشودة ، أفقد "سونان " الأسد وعيه بضربة واحدة ، ثم أيقظ آخراً وكرر معه عملية الاستجواب السابقة.
ولا عجب في كونه حذراً إلى هذا الحد ؛ فقد ذاع صيت الأسود ذات الوجوه البشرية بمكرها وخبثها وانعدام الثقة بها ، ومن دون اتخاذ بعض التدابير الوقائية ، فلا أحد يدري ما إذا كانوا سيقودونه إلى فخ محكم.
ولسوء الحظ ، فإن تعويذة "فتنة البشر " لا تجدي نفعاً إلا مع الكائنات البشرية أو تلك التي تمشي على قدمين وتشبه بني آدم ؛ أما هذه المخلوقات التي هي نصف إنسان ونصف أسد فلا تأثير لها عليها ، وإلا لما كان الأمر بهذا القدر من العناء.
وبعد أن استخلص "سونان " المعلومات التي أرادها ، أجهز بقرار حاسم على الأسدين ، وبعد أن أحرق الجثث حتى غدت رماداً ، وقف يحدق في آثار الحرق على الأرض غارقاً في أفكاره.
ووفقاً لإجابات الأسدين ، فإن الجزيرة القابعة في وسط البحيرة كانت مدينة-دولة تحت الأرض تحكمها الأسود ذات الوجوه البشرية ، ويقطنها ما بين أربعة إلى خمسة آلاف نسمة ، ولم تكن هذه الأسود تشكل سوى خُمسَي السكان ، بينما كان البقية عبارة عن عبيد متنوعين.
"مدينة-دولة تحكمها الأسود ذات الوجوه البشرية.. هذا أمر مزعج حقاً ".
عقد "سونان " حاجبيه في سريرة نفسه ، فرغم أن معظم سكان العالم السفلي أشرار بطبيعتهم وسيرتهم سيئة إلا أنه لم يخلُ الأمر من وجود أعراق مثل "أقزام النار " و "أقزام الذهب " الذين لم يكونوا بهذا القدر من الشر وكان بالإمكان التواصل معهم.
لقد كان "سونان " يأمل في الأصل أن يلتقي بعرق يمكن التفاهم معه ، حيث يستطيع الطرفان الجلوس والتحاور لتطوير علاقات تجارية ودية ، ولكن كان لزاماً أن تكون الأسود ذات الوجوه البشرية هي الحاكمة!
إنهم كائنات لا يمكن التواصل معها بتاتاً ، بل ولا يمكن الوثوق بها ، وكان "سونان " على يقين بأنه بمجرد اكتشاف هذه الأسود للمدخل المؤدي إلى السطح ، فسيقومون حتماً بغزوه ونهب الناس والموارد ، أو ربما كانوا قد وجدوا المدخل بالفعل وهم الآن يشحذون نصالهم استعداداً للهجوم.
وفي كلتا الحالتين ، طالما ظل المدخل إلى السطح قائماً ، فإن المعركة مع هذه الأسود أمر لا مفر منه.
"يجب على المرء أن يستعد باكراً ".
كانت القوة الدفاعية لمدينة الأسود تسبب لـ "سونان " صداعاً ، ففي نهاية المطاف ، هناك ما يقرب من ألفي مقاتل بقوة قتالية تضاهي مستوى الفرسان ، وعلاوة على ذلك كان من بينهم الكثير من نخبة الأسود ونبلائهم ، ومن المرجح ألا تفتقر صفوفهم لقوى قتالية بمستوى الأساطير.
"من الأفضل التسلل إلى المدينة والتحقيق أولاً ".
غادر "سونان " الكهف وطار باتجاه الجزيرة ، وبعد عبور البحيرة بسلام ، هبط ببطء على حافة الجزيرة. حيث كانت المدينة تشغل حوالي أربعة أخماس مساحة الجزيرة ، بينما الخمس المتبقي عبارة عن ضفة بحيرة قاحلة.
وسواء كان المرء يسبح في البحيرة أو يطير في السماء ، فإن أي مخلوق سيقع تحت أنظار الحراس المرابطين على أسوار المدينة بمجرد هبوطه على الجزيرة ، ولهذا السبب تحديداً ، أعطى "سونان " الأولوية لتعلم مهارة "الاختفاء ".
عبر "سونان " ضفة البحيرة بجرأة ، وسرعان ما وصل إلى مقربة من المدينة. حيث كانت الأسوار الشاهقة ترتفع لنحو عشرين متراً ، مبنية بالكامل من الحجر الأخضر المربع ، وبحرفة يدوية مذهلة ، فبدت أكثر صلابة ومتانة من أسوار العديد من المدن البشرية على السطح.
ولم يستغرب "سونان " من ذلك بتاتاً ، فجزء كبير من سكان العالم السفلي هم من الأقزام ؛ بما في ذلك "الأقزام الرماديون " و "أقزام النار " وأقزام "ديلو " و "أقزام الدرع " و "أقزام الذهب " وغيرهم ، ومن المعروف أن الأقزام يتفوقون في أعمال الحدادة والبناء ، وبناءً على ذلك لم تكن الأسلحة والمباني في العالم السفلي أدنى شأناً مما هي عليه فوق السطح.
وبنظرة فاحصة كان هناك الكثير من محاربي الأسود يجوبون الأسوار في دوريات وهم عراة الصدور ، وعلى جانبي بوابة المدينة كانت هناك مجموعة من الأسود يلوحون بسيوف معقوفة ويستجوبون السكان الداخلين إلى المدينة.
لكن ما جذب انتباه "سونان " أكثر كان أسداً أسود يربض بجانب البوابة. حيث كان جسده بالكامل حالك السواد حتى مقلتا عينيه كانت بسواد عميق ، يمتزج بشكل مثالي مع الظلال ، ولولا حواس "سونان " الحادة ، لربما فاته ملاحظته.
وبعد مراقبته لفترة لم يستطع "سونان " تمييز نوع هذا المخلوق ، فهز رأسه ولم يشغل باله بالأمر ؛ فبسبب إشعاعات الأرض في العالم السفلي ، تظهر غالباً شتى أنواع المخلوقات المتحولة ، وحتى أكثر الناس معرفة لا يمكنهم تمييزها جميعاً ، فمواجهة مخلوقات مجهولة أمر طبيعي تماماً.
حول نظره نحو الطابور الذي يستعد لدخول المدينة أمام البوابة ، وكان يضم أنواعاً شتى من المخلوقات ؛ من بينهم "رجال السحالي " و "الكوبولد " و "المينوتور " وحتى "الغيلان ". وتحت وطأة ترهيب الأسود ، وقفت هذه المخلوقات الغريبة ، من فصائل مختلفة ، جنباً إلى جنب في هدوء ، مشكلة طابوراً طويلاً بانتظار الدخول.
"إنه يوم حظي ".
تهللت أسارير "سونان " بالفرح ، فالتنكر السحري يشبه تعويذة "فتنة البشر " ؛ إذ لا يمكن التنكر إلا في هيئة بشر ، أو كائنات بشرية ، أو مخلوقات تمشي على قدمين تشبه بني آدم ، لكنه لا يمكنه التحول إلى أسد بوجه بشري.
كان "سونان " قد خطط في الأصل لاستخدام مهارة "الاختفاء " ليرى إن كان بإمكانه التسلل ، أما الآن ، ومع اكتشاف وجود "رجال السحالي " كعرق شبه بشري ، فقد أصبح الأمر أكثر بساطة.
وبينما كان "سونان " على وشك العثور على مكان ليتنكر فيه بهيئة رجل سحالي ويعود ، وقع حادث مفاجئ عند بوابة المدينة.
فالأسد الفاحم السواد الذي كان مستكيناً بجانب البوابة ، وقف فجأة ، وصوب عينيه المظلمتين مباشرة نحو "رجل سحالي " في المجموعة ، ثم فتح فاه الواسع وأطلق زئيراً يصم الآذان.
وحتى من على بُعد أكثر من مائتي متر ، وصل الصوت إلى أذني "سونان " مسبباً وخزة مفاجئة من الألم في رأسه ، وكأن أحداً ضربه بقوة.
وفي الوقت ذاته ، أطلق رجل السحالي في الطابور -الذي كان الأسد الأسود يحدق فيه- أنيناً مكتوماً وترنح بضع خطوات إلى الوراء.
وبمجرد وقوف الأسد الأسود ، لاحظت الأسود المحيطة أن ثمة خطباً ما ، ورؤية رجل السحالي وهو يترنح جعلت نظراتهم تصبح حادة للغاية في لحظة.
"هذا الرجل مريب! "
"أمسكوا به! "
وسط الصياح ، استل أكثر من اثني عشر أسداً سيوفهم المعقوفة ، وأطلقوا زئيراً عميقاً وهم يندفعون نحو رجل السحالي. وانفجر الحشد أمام البوابة في حالة من الفوضى ، حيث تراجعت المخلوقات المختلفة لتكشف عن رجل السحالي.
وعندما رأى أن هويته قد كُشفت لم يعد رجل السحالي يتخفى ؛ فالتوى جسده وتلاشى في لمح البصر ، وتحول إلى شخص يرتدي رداءً رمادياً وقناعاً رمادياً.
وفي اللحظة التالية ، انطلقت كرة لهب ضخمة من يده ، لتصيب أحد الأسود بصدمة مدوية ، فتحول الأخير على الفور إلى مشعل بشري ، يتلوى ويولول على الأرض.
"كرة اللهب المتوهجة! "
ضاقت عينا "سونان " فهذا الرجل ذو الرداء الرمادي ما هو إلا "متدرب سحر "!
(ووش!)
ست قذائف سحرية مزقت سكون الظلام ، وحطمت رؤوس أربعة أو خمسة من الأسود إرباً.
ورغم السقوط المأساوي لرفاقهم لم يرتدع الأسود ؛ بل ثارت شراستهم ، واستل كل منهم سيفاً في كل يد ، وهجموا وهم يزأرون مطوقين الرجل ذو الرداء الرمادي من كل الاتجاهات.
استل الرجل عصاً سحرية ، ملوحاً بها ليطلق القذائف السحرية باستمرار ، بينما كانت يده الأخرى تلقي التعاويذ بسرعة.
"الشعاع الحارق! "
"كرة اللهب المتوهجة! "
اجتاحت موجات حرارية لافحة المكان ، مما أدى إلى ارتفاع درجة حرارة الهواء بشكل حاد ، ورغم تفوق الأسود في العدد إلا أن عاصفة السحر التي أطلقها الرجل كانت تدفعهم إلى التراجع مراراً وتكراراً.
ومع ذلك في هذه اللحظة ، برز قوام قوي بصمت من خلف الرجل. لوح بسيفيه في حركة متقاطعة ، ضارباً بضراوة ، ومطلقاً سبع أو ثماني ضربات ثقيلة في وقت واحد تقريباً على ظهر الرجل.
طاخ طاخ طاخ!
دوت أصوات تشبه اصطدام النصال بالجلد المتين ، وتحطم الدرع غير المرئي خلف الرجل على الفور تقريباً ، ثم غاصت ظلال النصال القوية بعمق ، لكن اعترضتها قوة غير مرئية على بُعد سنتيمترات قليلة من جسد الرجل ، فلم تعد قادرة على التقدم أكثر.
ومستغلاً هذه الفرصة ، ومض جسد الرجل باللون الأحمر ، واستدار بسرعة خاطفة ، ليركل الأسد ويقذفه لمسافة عشرين متراً.
مهارة "القوة البربرية "!
ذهل الأسود المحيطون من القوة المفاجئة لهذا الإنسان الذي يبدو هزيلاً ، وفترت هجماتهم. واغتناماً لهذه الفرصة ، قفز الرجل ذو الرداء الرمادي إلى الأعلى ، وتوقف قليلاً في الهواء ، قبل أن يحلق مسرعاً في الأفق.
استعادت الأسود توازنها بسرعة وطاردوه ، ليجدوا طريقهم مسدوداً بالبحيرة ، وبحلول الوقت الذي وصلت فيه بعض الأسود الممتطية لأسماك "المانتا " الطائرة كان الرجل قد اختفى منذ أمد بعيد.
"تباً له! "
نهض الأسد حامل السيفين المزدوجين من الأرض ، وشتم بوجه محتقن ، ثم أرجح سيفه بشراسة ليقطع أحد "الكوبولد " المرتجفين بجانبه إلى نصفين....
وداخل ممر في "هابط كلسي " مجوف يتدلى من سقف الكهف توقف الرجل ذو الرداء الرمادي ونظر خلفه.
"اخرج ".
خطا "سونان " خارجاً من الظلام ، ولم يبذل أي محاولة لإخفاء حضوره ، مما سهل على الرجل اكتشافه.
قال الرجل ببرود "من أنت ، ولماذا تتبعني ؟ ".
كان الصوت القادم من خلف القناع ذا نبرة محايدة.
ابتسم "سونان " قليلاً وقال:
"لم نلتقِ منذ أمدٍ بعيد.. يا روز ".