شُيّد جناحٌ صغيرٌ على تلةٍ تطلُّ على النهر الأصفر ، وتكدّست فيه أطباق يخنِي الأسماك وفطائر اللحم التي قُدّمت كمقبلات مع الخمر. جلس العجوز ذو الشعر الأبيض أمامه ، يداعب لحيته ويحتسي كأسه. حيث كان شرب الخمر في حضرة النهر الأصفر يُشعره وكأنَّ كل همومه وأحزانه قد تلاشت.
"كلُّ حيٍّ ميت. "
أطلق السيد "جانغ " زعيم "فرقة السحابة القاتمة " زفرةً طويلة. و لقد استدعى احتساء الخمر ذكريات أصدقائه الراحلين ، وبينما كان يسكب كأساً أخرى ، مستشعراً وطأة الوحدة كآخر الباقين ، دخل شابٌ إلى الجناح وجلس.
كان ذلك "جين سا-وول ".
"جين سا-وول " الذي غادر "الطائفة الشيطانية " توقف لرؤية السيد "جانغ " أثناء مروره بمدينة "لويدانغ ". ونظراً لعلمه بقدومه كان السيد "جانغ " قد رتّب هذا اللقاء عن عمد.
"كيف حال الطائفة الشيطانية ؟ "
"لقد أصبح 'دوكغو هيون ' زعيماً للطائفة. "
وبما أنه كان يعرف إجابة "جين سا-وول " مسبقاً ، هزَّ السيد "جانغ " رأسه وسأل:
"لستُ أستفسر عن زعيم الطائفة ، بل عن الطائفة الشيطانية ذاتها. الطائفة التي رأيتها بعينك. "
"لستُ مهتماً. فمهما يكن الشخص الذي يعتلي منصب الزعيم ، تظلُّ الطائفة الشيطانية على حالها. "
"إنها الطائفة الشيطانية حقاً. "
"وما الذي سيحلُّ بفرقة السحابة القاتمة ؟ "
عندما سأل "جين سا-وول " أطلق السيد "جانغ " زفرةً طويلة. فبعد وفاة "نا هيون-غي " بات لزاماً عليه التفكير في مصير الفرقة. فلم يكن بوسعه حلّ منظمةٍ بُنيت على مدار مئات السنين لمجرد أنَّ كبير عائلة "نا " قد قضى نحبه.
"ما رأيك أن تتولى أنت القيادة ؟ "
رغم أنه طرح السؤال عرضاً ، هزَّ "جين سا-وول " رأسه بالرفض:
"لست مهتماً. "
وكأنَّ السيد "جانغ " كان يتوقع ذلك داعب لحيته وقال:
"بِي-سون شخص قادر على قيادة فرقة السحابة القاتمة. "
"أليس الأخ 'دو ' موجوداً أيضاً ؟ "
"هل تعني أنك لن تتنازل لي عن 'بِي-سون ' ؟ "
"أجل. "
تحدث "جين سا-وول " وكأن "بِي-سون " ملكٌ يخصه وحده. تنهد السيد "جانغ " خيبةً. فمع أن "دو سام-غي " كان شخصاً لا بأس به إلا أنه لم يكن بضراوة "بِي-سون " أو مهارته في القتل. إن منظمة الاغتيالات لا يمكن تسييرها بالمعلومات وحدها ، فـ "طائفة هاو " كانت تتفوق في المعلومات ، و "طائفة المتسولين " كانت قوة لا يُستهان بها ، ولم يكن بوسعه فعل كل شيء بالاعتماد على "فرقة السحابة القاتمة " فقط.
"بما أن كبير عائلة 'نا ' قد مات ، فإن 'وادى الروح الشبحية ' سيختفي قريباً. "
"إن فضّلوا البقاء على الزوال ، فسيحاولون ابتلاع فرقة السحابة القاتمة. "
"نحن لا ندين بالولاء للطائفة الشيطانية. "
صبَّ السيد "جانغ " الخمر لـ "جين سا-وول " وقال مجدداً:
"خذها فحسب. و على أية حال 'دو سام-غي ' يتولى المسؤولية العامة. ورغم اختيار 'لويدانغ ' كمقرٍ رئيسي إلا أن المقار قابلة للتغيير. و على أي حال لم يعد لي من العمر الكثير. "
لم يستطع "جين سا-وول " رفض الخمر التي قدمها السيد "جانغ ". وما إن تجرع الكأس حتى قطب حاجبيه ، مستشعراً حضوراً يقترب. وحين تغيرت ملامح وجهه ، ظنَّ السيد "جانغ " أن ذلك بسبب رفضه ، فسأل:
"هل طعم الخمر ليس جيداً ؟ "
"طعم الخمر جيد ، لكن هناك ضيوفاً غير مدعوين. "
التفت "جين سا-وول " برأسه نحو الغابة. و خرج خمسة رجال مقنعين يرتدون السواد ببطء من بين الشجيرات على التلة. حيث كانت ثقتهم بأنفسهم واضحة في ظهورهم العلني ، وخلفهم كانت هناك أنفاسٌ كثيرة في الغابة. وبسماع تلك الأنفاس ، قدّر "جين سا-وول " وجود ثلاثين شخصاً على الأقل.
"من هؤلاء ؟ "
سأل "جين سا-وول " فداعب السيد "جانغ " لحيته وأجاب:
"منذ فترة ، أعلن 'وادى الروح الشبحية ' التابع للطائفة الشيطانية رغبتهم في الاستحواذ على كل ممتلكات فرقة السحابة القاتمة. رفضتُ ذلك فقد كان كبير عائلة 'نا ' يحترم الفرقة ولا يعاملها بتهور. و لكن بعد وفاته ، بات الوادى يضغط علينا. "
بفهم السيد "جانغ " أدرك "جين سا-وول " أنهم رجال "وادى الروح الشبحية ".
"إن 'وادى الروح الشبحية ' أفقر من أن يمتلك فرقة السحابة القاتمة. ورغم خلوّه من سيدٍ حقيقي إلا أن المدير العام ينصبّ نفسه سيداً عليهم. "
وعند ابتسامة السيد "جانغ " بدا وكأنه يدرك لماذا يحاول تسليمه قيادة الفرقة. ففي غياب النمر ، يظن الثعلب أنه ملك الغابة. و بعد فترة وجيزة ، خرج "جانغ هينغ " المدير العام لوادى الروح الشبحية ، ببطء من الغابة.
"أيها العجوز جانغ. "
رأى "جانغ هينغ " "جين سا-وول " جالساً في الجناح ، لكنه لم يبدِ أي اهتمام بهويته. حيث كان وجهاً غريباً ، وظنَّ أنه مجرد حارس شخصي أو جامع أعشاب لا يستحق الحذر. ومع اقترابه ، وقف السيد "جانغ " واضعاً يديه خلف ظهره.
"ما الذي جاء بالمدير العام 'جانغ ' إلى هنا ؟ "
"جئت لأنني ظننت أنه يجب عليّ رؤية سيد 'فرقة السحابة القاتمة ' شخصياً. "
أجاب "جانغ هينغ " ثم نظر إلى "جين سا-وول " الذي كان ما زال جالساً يحتسي خمره. لم يلتفت "جين سا-وول " إليه حتى ، وكأنه غير معني بوجوده. ورؤية "جين سا-وول " جالساً بينما يقف الكبار أثارت حفيظة "جانغ هينغ " بلا سبب.
"أيها الوغد المتغطرس. "
تمتم "جانغ هينغ " ثم حوّل بصره إلى السيد "جانغ ":
"هل فكرت في تسليم 'فرقة السحابة القاتمة ' ؟ "
"لا أزال أفكر. "
"لقد حان وقت تقاعدك ، فاعتزل وعش بهدوء. ما حاجتك للانغماس في شؤون عالم القتال في سنك هذه ؟ "
ابتسم "جانغ هينغ " ونظر إلى أشباح القتل المقنعة الواقفة خلفه. حيث كانوا جميعاً يشهرون سيوفهم ، ومستعدين لقتل السيد "جانغ " في أي لحظة.
"أنت لست سيد 'وادى الروح الشبحية ' ، ولستَ كبيراً لعائلة 'نا ' ، فمن أين لك هذه الثقة لتطلب فرقة السحابة القاتمة ؟ "
"أنا 'جانغ هينغ ' ، سيد 'وادى الروح الشبحية '. كبير عائلة 'نا ' مات ، فكيف لميت أن يقود الفرقة ؟ لذا أليس حرياً بي أن أفعل ذلك ؟ سلمها لي إذاً. "
كان "جانغ هينغ " يطمح للاستيلاء على الفرقة ليتباهى أمام زعيم الطائفة الشيطانية. فلو اتحد الوادى والفرقة ، لصار أعظم منظمة اغتيالات في العالم خلال عقد. حيث كان واثقاً من نفسه ، لكن السيد "جانغ " هز رأسه ساخراً من نيته.
"هل يظنُّ من لم يتقن سوى جمع المعلومات أنه قادر على تربية أشباح القتل ؟ يبدو أنك تريد الفرقة لتتفاخر أمام الزعيم ، لكن ذلك لا يجعلك كبير عائلة 'نا '. كيف لمن هو ضعيف في فنون القتال وليس من خلفية القتلة أن يصبح سيد الوادى ؟ "
"لقد اعترف بي أشباح القتل. "
"هاهاها! الأشباح المتبقون في الوادى ليسوا سوى ضفادع خرجت للتو إلى عالم القتال. أما أشباح القتل الألف الذين ما زالون ينفذون مهامهم ، فربما لا يعرفون اسمك ولا وجهك. "
عند ذكر "أشباح القتل الألف " تصلبت ملامح "جانغ هينغ ". أولئك الذين لا يعودون إلا بعد إتمام مهامهم ، والذين لم يعودوا حتى أثناء حمام الدم الذي شهدته عائلة "نا ". كان لديهم قائمة بالأسماء ، وهي القائمة التي تمتلكها "فرقة السحابة القاتمة ".
"لم يعد أمامي خيار سوى قتلك يا سيد 'جانغ '. سأسترد قائمة الفرقة وكل حقوقها اليوم. "
"أتظن ذلك ممكناً ؟ "
"أشباح الوادى يفتشون منزلك الآن. ستموت عائلتك اليوم دون أن يعلم بذلك أحد. "
عند كلمات "جانغ هينغ " ارتسمت على وجه السيد "جانغ " ابتسامة مشبعة بالرغبة في القتل ، وأطلق ضحكة ملتوية:
"هاهاها! أيها الوغد الأحمق. و لهذا السبب لن تنال الفرقة أبداً. و لقد جلبتُ شخصاً كان سيداً في 'تشانغان ' إلى واديّ ، وأنت تحاول ردّ الجميل بالعداء. "
"هيهيهي! حتى لو كان الأمر مخيباً ، أليست هذه طبيعة العالم ؟ الانتقال من أجل القوة ؟ لطالما شعرت أن وادى الروح الشبحية منزل بلا مالك ، وإذا غاب المالك ، أفلا يحق لي أن أكونه ؟ "
"طمعك مفرط. "
"إن خلت الحياة من الطمع ، فهل يبقى لها من سبب ؟ "
ردَّ السيد "جانغ " باحتقار:
"أنت أحمق لا يعرف ماهية القاتل. مَن لا يعرف كيف يتعامل مع القتلة يطمح لأن يكون سيداً للوادى ؟ أمرٌ يثير السخرية. لِمَ تظن أن كبير عائلة 'نا ' جعل منك مديراً عاماً ؟ "
"هل تقول إنني غير كفء ؟ "
"كان ذلك من أجل التواصل مع فرقتنا ، لا أكثر ولا أقل. "
قال السيد "جانغ " ذلك متجاهلاً "جانغ هينغ " فمستواه لا يتعدى سيداً محلياً بسيطاً.
"كُف عن الهراء وسلم الفرقة. "
"لقد جئت لقتلي ، فما الذي تطلبه مني ؟ خذها بعد أن تقتلني. "
تحول بصر "جانغ هينغ " إلى "جين سا-وول " الذي ظل جالساً:
"تبدو واثقاً بحارسك ، لكن ما الذي ستفعله بمفردك ؟ أيها العجوز المعتوه... اقتلوه! "
وما إن صرخ "جانغ هينغ " حتى وثب المقنعون باتجاه السيد "جانغ ". وفي تلك اللحظة وقف "جين سا-وول ".
نهض "جين سا-وول " من مقعده في لمح البصر ، ووقف أمام السيد "جانغ ". اتسعت عيون المقنعين الخمسة الذين كانوا يشهرون سيوفهم ، حين رأوا "جين سا-وول " يظهر أمامهم كالشبح. قبض "جين سا-وول " على مقبض سيفه ، وفجأة ، ومع وميضٍ خاطف ، اخترقت خمس طلقات سيوف رؤوس المقنعين. و سقطوا على الأرض بضجيجٍ مكتوم.
اتسعت عينا "جانغ هينغ " ؛ فلم يتمكن حتى من رؤية حركة "جين سا-وول " أو لحظة استلال سيفه.
"اهجموا! أسرعوا! "
صرخ "جانغ هينغ " متراجعاً إلى الغابة. ومع دوي صدى الرياح ، اندفع عشرات المقنعين نحو "جين سا-وول " والسيد "جانغ ".
"بإمكاني أن أموت الآن... "
قال السيد "جانغ " لظهر "جين سا-وول " وهو يداعب لحيته ، فقد كانت حركات "جين سا-وول " أشبه بشبحٍ لا تدركه الأبصار.
"سمعت أنك تتناول كل المقويات الجيدة لجسدك. "
"تناولتها لأرى شبحاً. وبما أنني رأيت شبح 'وادى الروح الشبحية ' ، فلا ندم لي حتى لو مت. "
كاد "جين سا-وول " أن يقول "هذا مضحك " ؛ فأن يكذب المرء بهذه الوقاحة... كان السيد "جانغ " ثعلباً عجوزاً بحق.
***
تردد صدى صوت مكتوم داخل المنزل. و سقط المقنعون الذين اقتحموا غرفة المكتب على الأرض ، غارقين في دمائهم. حيث كانت أعناقهم وأذرعهم مقطوعة ، وخيوط دموية رفيعة كانت تلتف حول الغرفة ثم تقطر دماً.
"ما هؤلاء الأوغاد ؟ "
مسحت "جو-ريم " الخيوط الدموية وفحصت الجثث. حيث كانوا خمسة في هذه الغرفة وحدها ، ويبدو أن آخرين اقتحموا غرفاً أخرى ، لكن الأمر لم يكن يستحق القلق. و من بعيد قد سمعت لعنات "سيو مون-ريون ":
"تباً! تباً لك! أيها الوغد المجنون! "
كانت "سيو مون-ريون " تقف في الحمام ، وقد ركلت بقدمها الأعضاء التناسلية لمقنعٍ ميتٍ التوى عنقه.
"تقتحمون عليَّ بينما أستحم ؟ ها! "
*طاخ!*
مع صدى قاسٍ قد سمع صوت انفجار شيء ما ، فمسحت "سيو مون-ريون " الماء عن جسدها على عجل وطلعت تستكشف المكان. لحسن الحظ ، بدا أنه لم يكن هناك سوى متسلل واحد. و لكن صدى الأصوات المكتومة كان ما زال مسموعاً في أرجاء المكان.
ارتدت "سيو مون-ريون " ثيابها ، وأخذت سيفها وخرجت. و في الأفق ، رأت ثلاثة مقنعين يسقطون من السقف ، ورأت "بِي-سون ".
بعد أن طعن "بِي-سون " أعناق المقنعين وأرداهم قتلى ، هبط في قاعة الضيوف. حيث كان "دو سام-غي " يقف هناك ممسكاً بسيفه ووجهه ينم عن توترٍ شديد. وحين وثب مقنع من اليسار ، تفاداه ، وفي تلك اللحظة ظهر "بِي-سون " وقطع رأس المقنع ، ثم استدار وطعن مقنعاً آخر في صدره.
مع تفجر الدماء ، التوى جسد "بِي-سون " متفادياً الهجمات ، بينما تلطخ وجه "دو سام-غي " الذي لم يتمكن من المراوغة بدمائهم. تشوهت ملامح "دو سام-غي " وهو يستنشق رائحة الدم:
"ما الذي يحدث بحق الجحيم ؟ "
كان كل شيء هادئاً قبل لحظات ، وفجأة ظهر المقنعون. ولحسن حظه كان "بِي-سون " سبباً في نجاته.
"أيها المتسللون! اخرجوا وقاتلوا! "
مع صرخة "سيو مون-ريون " العالية ، خرج "دو سام-غي " من القاعة. و اتسعت عيناه حين رأى "سيو مون-ريون " تقفز فوق السقف ، وثوبها الأزرق يرفرف. ولأنها ارتدت ثيابها على عجل دون ملابس داخلية كانت ساقا "سيو مون-ريون " البيضاوان تظهران في الأفق.
التقت أعين "سيو مون-ريون " و "دو سام-غي ".
"واو... جميلة. "
"تباً! إلى أين تنظر أيها الوغد! "