خيم ظل داكن على معبد شاولين الذي كان يغتسل بنور الفجر الأزرق ، حيث ساد الصمت وغلف المكان سباتٌ عميق.
في داخل منزل صغير يقع في أقصى أركان المعبد كان كبير الرهبان «سيمبيوب» يجلس وحيداً. وحين تسللت نسمة باردة إلى الغرفة تمايلت لحيته الطويلة معها. ومع تلاشي الريح ، فتح «سيمبيوب» عينيه بهدوء ، واتجهت حدقتاه الصافيتان نحو رجل يرتدي ثياباً بيضاء ، يقف كطيفٍ على بُعد "تشانغ " واحدٍ أمامه.
ورغم أن وجه الرجل كان غريباً تماماً ولم يره من قبل إلا أن الهالة التي تحيط به كانت مألوفة. لم يقرأ «سيمبيوب» وجه خصمه ، بل قرأ الطاقة الهلامية المتموجة حوله ، وقال: «قد يتغير وجه المرء ، لكن طاقته لا تتغير. ما الذي جاء بك في هذه الساعة ؟ هل جئت تلتمس مني جواباً ؟».
رد الرجل بصوت رقيق: «لا أدري عمن تتحدث ، يبدو أن هناك شخصاً آخر على موعد في هذه الساعة».
اتسعت عينا «سيمبيوب» قليلاً ، فقد كان الصوت مختلفاً عمن توقعه. حيث كان قد ظن أنه «جين سا-وول» ، وحين ظهر من كان يخشى لقاءه ، أغمض عينيه للحظة ليستعيد رباطة جأشه. حيث فكر في نفسه: «لا تقل لي...».
ثم سأل وهو يستشعر اختلاف طاقة الرجل عن طاقة «جين سا-وول»: «ما الذي أتى بك إلى هنا يا سيدي ؟».
أجاب الرجل: «سيدي ؟ هل أبدو بهذا القدر من الكبر ؟».
رد الراهب: «لست في ريعان الشباب ، فكون وجهك صغيراً لا يعني أنك صغير السن».
فقال الرجل: «ربما لأنك راهب ، ففي حديثك نفحاتٌ من حكمة البوذية ، وهذا يروق لي. و لقد كبرتَ بشكل جيد ، لقد كبرتَ جيداً».
أومأ الرجل الأبيض ، ثم رفع يده ليلمس وجهه ؛ فإذا به يتحول بلمحة عين إلى وجه «تشيون يو-ميونغ» ، ثم ما لبث أن تبدل مرة أخرى ليصبح وجه شاب كثيف الحاجبين ، وهو صهر «سيمبيوب» الذي عرفه قبل خمسين عاماً.
قال الرجل: «هذا أيضاً قضى نحبه على يدي».
اهتز جسد «سيمبيوب» بعنف عند سماع هذه الكلمات ؛ فقد تذكر تلك الحادثة. حيث كان ذلك الصهر المزيف قد قتل الحقيقي ، وعاش «سيمبيوب» عشر سنوات يصدق وعود ذلك الدجال. وبعد أن غادر المزيف شاكراً له اتباعه ، عاد بعد عشر سنوات بظهورٍ جديد ، حيث تلقى ضربة «سيمبيوب» بسهولة واختفى قائلاً إنه ما زال ناقصاً. و لقد كان ذلك ماضياً ، لكن الماضي تجسد الآن أمامه من جديد.
عاد وجه الشاب ليصبح «تشيون يو-ميونغ» مجدداً ، وقال: «هذا الوجه هو وجه زعيم الطائفة الشيطانية ، وأنا أحبه ؛ إنه وجه اعتدتُ استخدامه كثيراً مؤخراً حتى إنني لم أعد أذكر وجهي الحقيقي».
قال «سيمبيوب»: «المظهر الخارجي ليس سوى قشرة».
سأل الرجل: «من تظنني ؟ صهرك ؟ أم العدو الذي قتل سيدك وصهرك ؟ يبدو أنك وجدت الإجابة».
قال «سيمبيوب»: «وريث الأباطرة الثلاثة».
تصلبت ملامح «تشيون يو-ميونغ» حين ذكر «سيمبيوب» الأباطرة الثلاثة ، وبدأت هالة الرجل تتغير ، بينما مسح «سيمبيوب» لحيته بنظرة وادعة وكأنه سعيد بصدق حدسه: «أتذكر أنني سمعتُ ذلك في الشائعات قديماً ، يقولون إن «جيوب-رين» من الأباطرة الثلاثة كان له ابن».
قال الرجل: «أجل ، هذا صحيح. و أنا ابن ذاك «جيوب-رين». لقد ورثتُ فنون الأباطرة الثلاثة ، وجئتُ الآن لأسرق طاقتك الداخلية. حيث يبدو أن أوان رحيلك قد حان ؛ فبما أن الوقت قد نضج عليك أيضاً أن تقطع صلتك بهذا العالم الفاني».
سأله «سيمبيوب»: «ما هو اسمك الحقيقي ؟».
أجاب دون تردد: «جيوب-رين».
لم يتردد «تشيون يو-ميونغ» في ذكر اسمه ؛ ففي كل الأحوال كان «سيمبيوب» ميتاً لا محالة ، وحتى لو كشف عن هويته ، فلن يكون هناك من يسمع.
سأله «سيمبيوب»: «كم نفساً عليك أن تزهق لترضي هذا القلب الطماع ؟».
رد الرجل: «ما زال الطريق طويلاً ، وهناك بضعة أشخاص أضعهم نصب عيني».
اقترب «تشيون يو-ميونغ» ومد يده اليمنى ، وعادة ما يدفع مثل هذا الفعل الخصم للدفاع غريزياً ، لكن «سيمبيوب» ضم كفيه ، وأغمض عينيه ، وتمتم بكلمات التوحيد «أميتابها» ، ورفع طاقته الداخلية حتى امتلأت الغرفة بنور ذهبي ساطع.
«يا إلهي!» ، تراجع «تشيون يو-ميونغ» مذعوراً وقبض على رأس «سيمبيوب» المتلألئ ، لكن الضوء تلاشى في لحظة ، ولم يتبقَ سوى جسد «سيمبيوب» الخاوي. و لقد طبق الراهب فنون البوذية العظيمة التي تعيد الطاقة إلى الطبيعة وتجعل كل شيء عدماً. لو أُحرِق جسده الآن ، لما وجدوا فيه سوى الكثير من البقايا المقدسة (الساريرا).
قال «تشيون يو-ميونغ» وهو يلوح بيده مستهجناً: «لقد قطعتَ صلتك بالعالم الفاني. متى دخلتَ مسالك البوذية ؟ تباً ، لقد جئتُ متأخراً».
ولما لم يحصل على أي استنارة رغم رؤيته لهذا التحول ، نقر بلسانه واستدار ؛ فتلاشى جسده كغبارٍ ضبابي كأنه طيف.
«كبير الرهبان!» ، «سيدي!» ، «لا بد أن أمراً جللاً قد حدث!». ساد الهرج والمرج في ساحات معبد شاولين بسبب ذلك الضوء الذهبي.
***
انتشر خبر سقوط نجم شاولين العظيم كالنار في الهشيم في أرجاء عالم القتال. ونعى الكثيرون وفاة «سيمبيوب» ، وتوافد كبار فناني القتال والنبلاء في طوابير لزيارة المعبد.
في الوقت ذاته ، ظهر رجل يرتدي ثياباً بيضاء بالقرب من وادٍ مجهول في جبل «وانغ-أوك» ، بعيداً عن شاولين.
«هاهاها!» ، ضحك الرجل وكأن أمراً ما يثير اهتمامه ، ثم استدار وقال: «إنه صديق حسن الاستماع».
بلمس وجهه بيده ، عاد وجهه ليكون وجه «تشيون يو-ميونغ» من جديد. و لقد كان «نا هيون-غي» بلا شك قد اختبر تغييراً عظيماً ، فمن الواضح تماماً كيف ستتغير طموحاته إن ملك قوة هائلة. فالجشع يستدعي جشعاً أكبر ، ولو لم يتبدل حال «نا هيون-غي» لكان قتله فوراً. ففي كل الأحوال كان هناك الكثيرون ممن يتوقون للسلطة مثله.
قال: «ظننتُ أنني لن أجني شيئاً ، ولكن ما زالت الزهور تتفتح في الأرض القاحلة. هاهاهاها!» ، ثم مضى «تشيون يو-ميونغ» في طريقه عبر منحدر الجبل واختفى في الغابة.
***
كان تلاميذ طائفة «هواشان» متجمعين أمام «وو جيونغ-بونغ» و«جو غيوم-أوك». تقدم أحدهم قائلاً بصوت عالٍ: «لقد قُتل شخص في النزل ، وتدعيان أنه لا توجد صلة بين النزل وبين الحادثة ؟».
رد «وو جيونغ-بونغ»: «الأمر ليس متعلقاً بالصلة ، بل بعدم توجيه أصابع الاتهام جزافاً».
صاح التلاميذ: «من يتهم ؟ ظهر من يُدعى إله الموت ، وتقولان إن أحداً في النزل لم يره!».
أجاب «وو جيونغ-بونغ»: «لأنه قاتل مأجور! هل تظنون أن إله الموت يظهر للعيان ؟ لو كان مرئياً ، أكان يُسمى قاتلاً ؟».
قطب تلاميذ «هواشان» حواجبهم ، فقال أحدهم: «لو رأينا القاتل ، هل تظن أننا كنا سنتركه وشأنه ؟».
أضاف آخر: «يقولون إن فنون طائفة «وودانغ» تثقب السماء ، لكن يبدو أنهم عاجزون عن رؤية قاتل. هل لأن فنونه تشبه دودة الأرض التي تزحف تحت الثرى ؟ أم لأن رقابكم طويلة لدرجة أنكم لا ترون ما تحت أقدامكم ؟».
«إنهم متكبرون ، لا يعرفون حتى كيف يحنون رؤوسهم».
عندها ، استلت «جو غيوم-أوك» سيفها إلى نصفه دون وعي ، فقبض تلاميذ «هواشان» على مقابض سيوفهم في آنٍ واحد.
هتف أحدهم: «هيا! هيا! لنتقاتل مع طائفة «وودانغ» قتالاً يثلج الصدور بعد طول غياب!».
صرخ «وو جيونغ-بونغ» والتلميذ العجوز من «هواشان»: «كفاكم ضجيجاً! التزموا الهدوء!».
وفي الجهة المقابلة ، تعالت أصوات «بايكغوم مون» و«نامغونغ جي» و«سونغ مو-بونغ»: «لقد قُتل صهرنا هنا في النزل! لذا سنحقق في الأمر ، ولا يحق لكم منعنا».
صرخ الآخر: «كفاك هراءً أيها المجنون! كيف تجرؤ على مطالبتي بترك النزل وأنا هنا ؟».
«أيتها العاهرة!»
«عاهرة ؟ يا هذا! كم عمرك ؟!»
«عمري خمسة وعشرون! أنا أكبر منك!».
«اصمت! يبدو أن «بايكغوم مون» لا يرى حتى سيد جناح التفتيش».
بدت الأمور وكأنها ستؤدي إلى صِدام وشيك ، لكن وجود «نامغونغ جي» و«سونغ مو-بونغ» حال دون ذلك.
في هذه الأثناء ، هز «جين سا-وول» رأسه وهو يراقب المشهد ، وتوجه نحو «غيوم-وون» حيث كان العمال يرفعون الحطام المحترق. حيث توقف «جين سا-وول» حين رأى «سون أيه-هوا» تقترب بخطوات سريعة ، فهي كانت تساعد «سونغ ها-سانغ» في عمله وتجمع المعلومات عن الطائفة الشيطانية وتحالف فنون القتال.
اقتربت «سون أيه-هوا» منه وهمست: «لقد مات كبير رهبان شاولين ، «سيمبيوب»».
تصلبت ملامح «جين سا-وول» عند سماع هذا الخبر ، وبدأ بصعود جبل «نامسان» وقال: «كنت أظن أنني سأراه مرة أخرى...».
لحقت به «سون أيه-هوا» وقالت: «يبدو أن «نا هيون-غي» يحاول أن يصبح زعيماً للطائفة مدعوماً من عائلتي «دوكغو» و«سيو مون». والشائعات تقول إنه سيتخذ «دوكغو هي» زوجة له ليعزز سلطته».
قال «جين سا-وول»: «أعلم أن سيد «هواهوارو» وعائلة «نا» مخطوبان ، لكن أن يفسخ الخطبة ليتزوج «دوكغو هي» ؟ هذا مستحيل».
سألت «سون أيه-هوا»: «لكن كيف عرفتَ بشأن خطبة سيد «دام» وعائلة «نا» ؟».
أجاب: «سمعتُ ذلك في الطائفة الشيطانية».
«هل التقيتَ بكليهما ؟».
ابتسم «جين سا-وول» وصعد إلى الشرفة ؛ كان المكان على جبل «نامسان» يتمتع بإطلالة خلابة على بحيرة «بويانغ» ، وكان الغروب من هناك جميلاً لدرجة تجعله ينسى كل شيء ، لذا كان يأتي إلى هنا من حين لآخر.
تابعت «سون أيه-هوا»: ««غونغ ما-يوب» يجمع شيوخ الطائفة ليصبح زعيماً ، والجميع انضم إليه باستثناء العائلات الثلاث».
قال «جين سا-وول»: «لو مات «غونغ ما-يوب» ، فسيُحل كل شيء».
سألت: «هل هناك في الطائفة من يستطيع قتله ؟».
أجاب: «ربما. فالطائفة الشيطانية مستنقعٌ لا يُعرف له قرار».
رغم أن «جين سا-وول» قالها ببساطة إلا أن «غونغ ما-يوب» كان سيداً لا يستهان به. حاولت «سون أيه-هوا» التفكير في أي من سادة الطائفة يمكنه فعل ذلك لكنها لم تجد أحداً مناسباً ، فقد قُتل معظمهم في السنوات القليلة الماضية ، ولم تكن تعلم أن «جين سا-وول» هو من تخلص منهم.
قال «جين سا-وول»: «ما رأيك لو أصبحتُ أنا زعيم الطائفة الشيطانية ؟».
سجدت «سون أيه-هوا» قائلة: «سأكون مخلصة لك تماماً ، فحياتي ملكك يا سيدي». ثم نفضت الغبار عن حذائه وأضافت: «إن أمرتني سأفعل أي شيء ؛ إن أمرتني بدخول النار أو الجحيم فسأفعل. سأخدمك بكل حياتي. هيهيهي!».
شعرت «سون أيه-هوا» بـ«جين سا-وول» كمخلصٍ لها ، وظلت صورة يوم أنقذها من سجن تحالف فنون القتال حية في ذاكرتها.
فقال «جين سا-وول» مازحاً: «لقد كانت مزحة».
قفزت «سون أيه-هوا» بذهول وفتحت عينيها على وسعهما ، وظلت تحدق في وجه «جين سا-وول» بدهشة.