Switch Mode
تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

نظام الزوجة الأعلى 641

مجلس الجبناء


الفصل 641: مجلس الجبناء

مجلس الجبناء

توقف ويليام أمام الباب، ولامست أنامله سطحه الخشبي. ثم التفت بوجهه الذي كان يفيض رقةً في ظاهره، لكنه يحمل من البرود ما يكفي لتجميد الأنفاس.

قال بصوت جهوري رخيم: "أيها السادة، لنتناقش في مستقبل مملكتنا... وفي ذلك الفتى الذي يتوهم أن بمقدوره حكمها".

ثم اندفع الباب إلى الداخل تحت ضغط يده.

----------

صدر أنين خفيف عن المفصلات عند فتح الباب، فانسكب ضوء ذهبي كثيف ينسال كالشهد على الأرضية الملساء. لم تكن الغرفة واسعة، ولم تكن بحاجة إلى مساحة إضافية؛ فقد استقر ثقل جدرانها بفعل سنوات من القرارات المصيرية والمسارات التي تغيرت فجأة. كانت السلطة تسكن هذا المكان، صامتة، قبل أن يطأه أحد.

في المنتصف، استطالت طاولة بيضاوية نُحتت من خشب الأبنوس العتيق، وزُينت حوافها بنقوش لذئاب تهمّ بالوثوب في صمت. وفي الأرجاء، وُضعت أرائك وارفة وكراسي بمساند عالية بعناية فائقة، حيث كان كل منها مائلاً قليلاً نحو المقعد الصدري، وكأن الجمادات ذاتها تعرف مكانتها وقدرها. ومن السقف، تدلى مصباح معدني ملفوف بخيوط فضية دقيقة، كان يتدلى بانخفاض يكاد يلامس الجبين، ليرسم بوميضه الدافئ ظلالاً ناعمة على الجدران، مانحاً المكان هيبةً وروحاً.

في الخارج، كانت المدينة تئن تحت وطأة سطوة "ليون" الصامتة. علق الغبار في الزوايا حيث ضرب الزمن بجذوره عميقاً. تسربت نسمة هواء من نافذة متصدعة، تداعب الستائر ببطء، فامتزجت رائحة الورق القديم بعبق الدخان وأسرار دفينة لم تُكشف بعد. تسللت الرياح عبر القماش كأصابع ترسم ملامح الحواف، وجاء ضجيج الخارج مشوشاً، وكأن الجدران ترفض الإنصات لما يدور وراءها. كانت الحياة تضج خلف الزجاج، لكن صخبها لم يجد يوماً طريقاً إلى هنا.

أما في الداخل، فقد تباطأت خطواتهم، ودوّى وقع أحذيتهم على الحجر العاري بقوة فاقت التوقعات. تاهت النظرات بين الأخشاب والكراسي الفارغة والزوايا المظلمة دون أن تستقر على حال؛ فكل وجه كان يبحث عن موطئ قدم، لكن لم يعد هناك متسع للاختيار.

تقدم ويليام بخطى ثابتة مفعمة بالثقة، لم يسرع في مشيته قط، بل كان هادئاً كمن يعود إلى دياره بعد غياب طويل.

منذ خطوته الأولى، تحرك كمن ألف الصمت. كان الكرسي في انتظاره؛ مقعد عالٍ يلفه الظل، مكسو بجلد ناعم صقله الزمن، صُمم خصيصاً ليمنح جالسه الهيبة. جلس عليه دون عناء، وبدا في جلسته نوع من الاسترخاء المتعمد، حيث وضع ساقاً فوق الأخرى ببطء وهدوء. مرت لحظة قبل أن ينقر بأطراف أصابعه على مسند الذراع مرتين؛ نقرة خفيفة لكنها كانت واضحة تماماً، صوتاً خافتاً أريد له أن يتردد صداه في النفوس.

قال: "اجلسوا".

لم يكن صوته صاخباً.

ولم يكن مشحوناً بالقوة.

ومع ذلك، كان وقعه حاداً لدرجة أنه نفذ إلى أعماق العظام، حتى بدت أي محاولة للمقاومة ضرباً من العبث.

أصدرت الكراسي حفيفاً فوق الحجارة الباردة حين نهض النبلاء دون إبطاء، وكانت كل حركة منهم محكومة بصمت مطبق.

كان "الفيكونت رين" أقربهم لويليام، فجلس على كرسيه بهدوء وحذر، وهو يشد طرف معطفه وكأن استقامة ثيابه قد تخفي الاضطراب الذي يعتمل في صدره. وفي الجهة المقابلة، جلس "البارون هالدن"، ثم مسح العرق عن جبينه بأصابع مرتجفة، متمنياً في قرارة نفسه ألا تلحظه العيون. وأخيراً، جاء "الدوق سيلمن"، أسنّهم جميعاً، يتحرك بتيبس أثقلته الرتبة، ومع ذلك كانت نظراته خاطفة يشوبها قلق دفين. وعلى مقربة منهم، جلس سيدان شابان في مقتبل العمر، يحاولان الجلوس بظهر مفرود وأكتاف مشدودة، متظاهرين بامتلاك قوة لا يملكان منها سوى القشور.

ساد الغرفة صمت ثقيل بعد جلوس آخر شخص؛ لم يكن صمتاً عابراً، بل كانت هناك كلمات لم تُنطق تضغط على جنبات المكان بثقلها، حيث توارى الخوف والجشع خلف السكون. ومع ذلك، في زاوية ما من الأعماق، ارتجف بصيص واهن من الأمل، بالكاد يتماسك أمام العاصفة.

استرخى ويليام في مقعده كمن يستعد لأمسية هادئة، لم يبدُ عليه أي تعجل، بل راحت عيناه تتنقلان بين الوجوه، مستمتعاً بكل لمحة توتر، وبكل غصة في حلق، وبكل شهيق مرتجف حُبس في صدورهم.

همس قائلاً: "والآن... لنسرد التفاصيل كاملة".

لم ينطق أحد ببنت شفة.

تبادلوا النظرات الحذرة، ولم يجرؤ أحد على المبادرة قبل الآخر، فخيم الصمت بينهم، وكبّلهم التردد بدلاً من السكينة.

ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي ويليام، وظهرت لمحة من الدفء الزائف في عينيه.

"لا تخبروني أنكم أصبحتم خجولين فجأة".

هنا، انكسر شيء ما داخل "البارون هالدن"، واستسلمت إرادته قبل أن ينطق بكلمة.

قال وصوته يرتجف رغم محاولاته اليائسة لإظهار الثبات: "يا سيدي... عندما هاجم ليون العاصمة، أُخذنا على غرة. لم يتوقع أحد أن يسقط الملك غاري بهذه السهولة".

ابتلع "رين" ريقه، وبدا صوته عالياً في ذلك السكون المتوتر: "لقد انقض الصبي كالعاصفة. قواته -تلك القلة التي أحضرها معه- تحركت بدقة متناهية لم نشهد لها مثيلاً من قبل. إنه... أمر يخرج عن نطاق الطبيعة".

استنشق "الدوق سيلمن" الهواء ببطء، كدخان يتخلل الحجر، وقبض بيمينه على حافة الكرسي حتى شحبت مفاصله، وقال: "ربما كان السحر وراء ذلك، أو ربما تدخلات خارجية. على أية حال، سقطت المدينة الآن".

خرجت كلماته هادئة في ظاهرها، لكن التوتر كان يغلي تحت السطح. تبادل بعض كبار اللوردات النظرات بحذر، وكأن عيونهم تقول ما تعجز الألسن عن النطق به: لقد شهدوا نهايات مماثلة من قبل.

وأضاف أحد النبلاء الشباب بصوت خافت بالكاد يُسمع: "والملك غاري... لا يزال عالقاً في حرب حجر القمر، ولا أحد يدري متى سيؤوب".

تسلل الخوف بخطى وئيدة، وحبست الأنفاسُ أنفاسَها.

قال "رين" بصوت خفيض، وعيناه مسمرتان على الخشب وكأنه يتوقع أن ينشق تحت وطأة نظراته: "ربما... ربما لن يعود أبداً".

مرت لحظة سكون مطبق.

فجأة، هبت نسمة خفيفة حركت الستائر فأحدثت تموجات انسيابية، ودوى رنين من خلف الجدران، لم يكن كافياً لكسر وحشة المكان، لكنه لم يغب في الصمت تماماً.

نقرة واحدة من أصابع ويليام على سطح الطاولة كسرت ذلك الوجوم.

نقرة واحدة فقط.

حاسمة... ونهائية.

قال بصوت ناعم كالفولاذ المصقول: "وبينما كان كل هذا يحدث... ما الذي فعله النبلاء؟".

بقي فم "هالدن" فاغراً للحظة قبل أن يطبقه فجأة، ومن رحم الصمت، خرجت كلماته مرتجفة: "النظام... كنا نعتزم الحفاظ على النظام".

أومأ "رين" برأسه بسرعة مبالغ فيها، طمعاً في كسب التأييد: "لقد حافظنا على أراضينا، وأبقينا الرعية في حالة من الهدوء...".

أمال ويليام رأسه جانباً ببطء، في إيماءة بسيطة.

وعاد الهدوء ليخيم على المكان بكل بساطة.

قال ويليام بصوت خافت، وكأنه يتذوق طعماً غريباً: "لقد أحكمتم قبضتكم على الأمور... يا له من شرف عظيم قد نلتموه إذن".

اخترق صوت حاد أرجاء المكان، بارد وهادئ، تحرك دون جلبة، ومع ذلك شعر الجميع بوطأته.

تصلب "رين" في مكانه وكأنه تلقى صفعة مباغتة، وعاد "هالدن" ليتراجع في مقعده مبتعداً. انصرف اهتمام النبلاء الشباب عن كل شيء سوى نظرات ويليام، فراحوا يتفحصون ألواح الأرضية وسطح الطاولة، وأي شيء قريب منهم.

لكن ويليام ظل صامتاً، لم يصرخ ولم يثُر؛ فقط ذلك الصمت الثقيل الذي يشبه شفرة معلقة في الهواء، ساكنة، ولكنها تنضح بالتهديد.

قال وهو ينقل بصره ببطء من وجه إلى آخر، متوقفاً لبرهة كافية ليشعر كل رجل منهم وكأنه عارٍ تماماً: "دعونا لا نتجمل بالأكاذيب. كل واحد منكم هنا لأنه يأمل أن يجني ثمار هذه الفوضى...".

لم يجرؤ أحد على الرد.

بدا الهواء وكأنه يضيق، ضاغطاً على طاولة البلوط الطويلة، بينما خيّم صمت خانق على الغرفة يكاد يزهق الأرواح. حتى الخدم الواقفون على الأطراف تجمدوا في أماكنهم، وأغمضوا أعينهم خشية أن تخرج أنفاسهم بصوت مسموع.



تم اضافة ميزة تحميل الفصول داخل التطبيق كما تم اضافة غرفة للدردشة العامة

تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط