الفصل 640: السياسة تحت الثريات
انكسر حاجز الصمت فجأة بإيماءات متواترة، وابتسامات تجاوزت حدود العفوية.
"نعم، بكل تأكيد."
"استعدادات مبهرة لهذه الليلة."
"إنه لشرفٌ عظيمٌ حضوركم."
تلا ذلك سيلٌ مباغتٌ من الكلمات، انهمر بسلاسة كأنه نصٌّ حُفظ عن ظهر قلب منذ أمد بعيد. انطلقت كل عبارة بفيضٍ لم يعرف التوقف، صقلته كثرة التكرار. لم يشُبِ الحديث أيُّ لجاجة، بل كان تدفقاً طبيعياً يشبه مَشاهد تتكرر ليلة بعد ليلة فوق خشبة المسرح.
انطلقت من ويليام ضحكة خافتة؛ مجرد همسٍ صوتي، كشخصٍ عاين هذه اللحظة من قبل وخبرها تماماً.
على الجانب الآخر، وقعت عيناه على بضع نساءٍ يقفن قرب الأضواء المتلألئة في الأعالي. وأسفل ذلك التوهج بقليل، كانت الأقمشة الفاخرة تلتف حول أجسادهن، تنسدل بنعومة فوق الخصور، وتتوهج ببريقٍ خافت مع ارتفاع أكتافهن مع كل شهيق هادئ. وعلى أعناقهن استقرت أحجارٌ نفيسة، بيد أن البريق الحقيقي كان ينبع من هيبتهن الطاغية، لا مما يتزيّنّ به.
ساد الصمت بينهن حين اقتربت إحداهن من صديقتها، ووضعت كفها على شفتيها وهي تهمس. تورد وجهها بحمرةٍ خفيفة كخيوط الفجر المتسللة من بين الستائر، حتى وهي تشيح بنظرها بعيداً. ظل ويليام يستأثر بانتباهها مراراً وتكراراً، فكان وجوده بمثابة مرساةٍ صامتة في أرجاء الغرفة.
ولم تكن هي الوحيدة، فقد استشعر الآخرون ذلك أيضاً.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي ويليام وهو يضع طرف إصبعه قرب فكه، وعيناه ترقبان الحوارات الخافتة في أركان الغرفة. رصد أدق التغيرات في وضعيات الأجساد، والابتسامات العابرة، رصدها جميعاً دون أن ينطق ببنت شفة. كان الجو يعجّ بكلماتٍ لم تُقل، تُحركها نظرات جانبية مواربة. تمطت اللحظات بما يكفي لتتسرب المعاني العميقة من خلالها. وبقي هو ساكناً، تاركاً الأحداث تتكشف كصفحات كتابٍ تُقلب من تلقاء نفسها.
كل امرأة حاضرة أدركت زيف تمثيله وبراعة تقمصه.
لقد اختاركِ القدر، لمرة واحدة فحسب، لكنه غيّر مسار حياتكِ بين أثواب الحرير وقاعات الشموع. انفرجت الممرات أمامكِ دون استئذان. خفتت الهمسات في منتصف الأنفاس وأنتِ تذرعين الغرف بمشيتكِ. تتبعتكِ نظرات النساء المتدثرات بالدانتيل، نظراتٌ حادة مزجت بين الرعب والغيرة المريرة. لم يعد هناك شيءٌ قادراً على النيل منكِ بعد ذلك.
ومع ذلك...
فإن التواري في الزوايا يحدث بلمح البصر.
حاضرٌ في لحظة، ومصدر خطر في اللحظة التالية؛ محاصرٌ في هيئته الجذابة. وسيمٌ ومحفوفٌ بالمخاطر، يتحرك كعاصفةٍ لا تملك العين صرف النظر عنها. ليس آمناً، ولا يبعث على الملل أبداً، ودائماً ما يكون قريباً بما يكفي لتلفحك حرارته.
أطلق ويليام زفيراً هادئاً وهو يوجه نظره نحو مجموعة النبلاء مرة أخرى.
"حسناً،" قال بصوتٍ صار أكثر دفئاً ونعومة، بل يكاد يكون متساهلاً، "بما أن الجميع يبدو مستمتعاً... فربما يرغب بعضكم في الانضمام إليّ؟"
سرت قشعريرة في المكان. اتجهت الأنظار نحو اليسار فجأة ودون سابق إنذار. تجمدت أجساد البعض في مكانها، بينما شدّ آخرون أكتافهم إلى الخلف. وفي تلك اللحظة، امتزج الخوف بالدهشة، وتداخلت الرغبة مع المآرب الدفينة. لقد تبدّل وجه الجو العام تماماً.
اتسعت ابتسامة ويليام.
وأضاف بنبرة غلب عليها الخفة: "أحتاج لمناقشة بعض المسائل. لا شيء يثير الانزعاج، مجرد... شؤون عمل."
بدأ الأمر بميلٍ طفيف، سلسٍ ولكنه لم يكن جاداً تماماً. لم تكن وقفته مستقيمة تماماً، بل كانت أقرب إلى الهيئة الرسمية، كما لو أن الأدب كان يرتدي قناعاً من الابتسام الساخر.
قال بصوت خافت يكاد يكون اعتذارياً: "سيداتي الكريمات، معذرةً منكن؛ فهذا النقاش مخصص للرجال فقط. تفضلن بالاستمتاع بالوليمة، سأعود إليكن بعد قليل."
رغم هدوء نبرته، اخترقت كلماته اللحن السائد بسلاسة. تحركت بعض النساء قليلاً، وانتشرت همهماتهن الخافتة ببطء، كتموجات الماء إثر سقوط حجر فيه. وقفت إحداهن هناك، تتجرأ على توقع شيء ما، وقبضت على فمها بتركيز حتى نطقت أخيراً:
"الكونت ويليام... ربما ستشرفنا لاحقاً بصحبتك؟"
مرت لحظة قبل أن ينظر إليها. لم تكن طويلة، مجرد ومضة، لكنها لم تغب عن ملاحظتها.
ارتسمت ابتسامة عريضة على شفتي ويليام، مزيج من الضحك والتحدي.
ربما انخفض صوته إلى طبقةٍ عميقة لدرجة أنها جعلت فرائصها ترتعد وخارت قواها.
سرت قشعريرة باردة في عمودها الفقري دون استئذان، ولم تستطع دفعها عن نفسها.
أدركت حينها أن ذلك الرجل يدرك تماماً ما تفعله يداه.
إنه يجد لذةً في ذلك.
انتقلت نظرة ويليام ببطء من النساء إلى زمرة النبلاء، ففقد وجهه نعومته وتلاشى اللين منه كالدخان المتصاعد من الحجر. ألقى نظرة خاطفة على صفوفهم، لم تكن عاجلة ولا يائسة، بل كانت نظرة الواثق الخبير. ساد الصمت المكان من حوله قبل أن ينطق بكلمة واحدة:
"لنذهب."
كان الهدوء كافياً، فلم تكن هناك حاجة للصراخ لإثبات السلطة.
أسرع من البقية، تحرك خمسة نبلاء؛ هالدن في المقدمة، ثم رين بجانبه، وسيلمن خلفه، يتبعهم وريثان لم يخبرا المعارك السياسية بعد. لم تكن خطواتهم ثابتة تماماً، ولا هم يتجولون بلا هدف، بل اندفعوا للأمام كالدخان الذي تقاذفه الريح. ظهر التصلب في أعناقهم، وارتعاش خفيف تحت خواتمهم وقفازاتهم المصقولة. تلك الرجفة الخفيفة، وذلك النفس المكتوم لفترة طويلة؛ كشف من أمرهم أكثر مما تستطيع الكلمات وصفه.
انعطف ويليام فجأة إلى الأمام، والقماش يرفرف خلفه بينما جذبه الممر الأيسر إلى الداخل. كل خطوة كانت تلامس الأرض الحجرية بدقة هادئة، تماماً كما كان الوضع في السابق عندما خيّم السكون على المكان لأول مرة.
وخلف كل خطوة يخطونها، كان الصمت يطبق على المكان، حيث كانت الظلال تتحرك بلا صوت تماماً كما يفعل هؤلاء النبلاء.
في تلك اللحظة بالذات، وبعد خروجهم من الباب، عاد الهواء ليملأ الرئتين بين الجدران.
تلاشت أصوات خطوات الأقدام، ثم تعالت أصوات الهامسين. ساد صمتٌ قصير، ثم انتشرت همهمات كالهواء البارد في أرجاء الغرفة.
تلامست الأصابع بالأكمام بينما قفزت الهمسات من أذن إلى أخرى، سريعة وجلية. لم يكن الدخان وحده ما يملأ الغرفة، بل الكلمات أيضاً؛ كلماتٌ ناعمة الملمس لكنها حادة النصل.
"لم ينظر إليكِ الليلة."
"بلى، لقد فعل."
"هل تأملين حقاً أن يتصل بكِ لاحقاً؟"
"سمعت أنه زار السيدة ريون الشهر الماضي... ولم تتوقف عن التباهي بذلك."
"تباهي؟ لقد كانت غارقة في دموعها بعد ذلك."
"ومع ذلك، ما زالت تتباهى."
تسللت همسة بينهما، بدت حلوة في البداية ثم استحالت مرارة. خفتت الأصوات لكنها جرحت النفوس بشدة حين وصل صداها. تنهد فابريك بينما تحركا مقتربين من بعضهما، وكلاهما يراقبانه وهو يقطع الغرفة. شقت خطواته الحشد في صمت مهيب.
انطلقت تنهيدة من امرأة أخرى، وعيناها مسمرتان على ويليام وهو يبتعد.
همست قائلة: "ذلك الرجل هو البلاء المتجسد في صورة بشرية".
انطلقت ضحكة خافتة، وارتعشت زوايا فم صديقتها.
"ولهذا السبب تحديداً تطلبين وده."
مرت لحظة، وظلت عيناها مثبتتين عليه لفترة أطول مما ينبغي. كانت رغبة ممزوجة بتفكيرٍ عميق، واضحة في نظرتها.
حركت المراوح الهواء بينما كانت تقف بالقرب من الدرج العريض، وكان تنفسها بطيئاً بجانب الجدران المبطنة بالحرير.
همست للرجل الذي بجانبها: "لقد وصل الكونت ويليام. وهذا يعني أن السياسة الحقيقية قد بدأت لتوها."
تتبعت نظراته الموضع الذي ارتحلت إليه عيناها، وضغط على أسنانه في توتر صامت يسكن المكان. بدا الهواء بين الناس وكأنه يموج، عالقاً في أفكارٍ لم تجد طريقاً للنطق.
"نعم... ومع وقوع العاصمة تحت سيطرة ذلك الفاتح الشاب ليون، فإن كل خطوة يخطوها ويليام الليلة تزن ذهباً."
------------
لم يلتفت إلى الوراء، بل استمر ويليام في تحركه.
سار في الردهة اليسرى بخطوات واسعة بطيئة، وحذاؤه الثقيل يهمس فوق الحجر. أضاءت مصابيح الحائط بثبات كأنها سبائك ذهبية، تغمر كل شيء بدفءٍ زائف لا يدفئ روحاً. وجوهٌ تراقبه من خلال لوحات فنية قديمة ثابتة في ألوانها، حكامٌ صامتون خلف الخشب والزجاج. عيون الموتى تتبع مساره، لا ترمش، تقيس قدره بذات الطريقة التي قيس بها من قبله.
كان يتحرك في العالم كظلٍ ينزلق عبر الضياء.
بلا أشباح تلاحقه.
بلا سجلٍّ يقيده.
بلا شهودٍ على ما يدور في خلده.
كان هناك صفاءٌ هادئ خلف عينيه، يخترق الفوضى كشفرةٍ حادة تخترق الضباب. هناك، كانت الأفكار تتحرك بسرعة البرق؛ دقيقة، لا يزعزع ثباتها ضجيج العالم الخارجي.
صبيٌّ يستولي على العاصمة؛ عيناه داكنتان، وجوعه للسلطة شرس كجوع كاسر. حقاً، إنه أمرٌ يثير الفضول.
غاري.
غاري العجوز الذي طواه الإهمال.
لقد انكشفت عورت مملكتك وتداعت أركانها حين رحلت.
من بعيد، تراءى له ليون جالساً على الكرسي الحجري.
ارتسمت ارتعاشة خفيفة على طرف فم ويليام؛ كادت ألا تكون ابتسامة، لكنها كانت كافية لإثارة شعورٍ بالريبة. استمرت لفترة تكفي لإدراك أن ثمة خطأ ما.
انظر كيف سيتصرف كملك الآن.
تسلل الخوف إلى قلوب النبلاء الواقفين خلفه. خفتت الأصوات، وتسارعت وتيرتها، كهمساتٍ علقت في صخر بارد، كل كلمة منها مشحونة بالقلق والترقب.
همس أحدهم: "هل يعلم؟"
"بخصوص الاحتلال؟"
"بالطبع يعلم،" همس آخر، "ويليام يعلم كل كبيرة وصغيرة."
حبست الأنفاس. تسلل البرد إلى العظام. ثم حلّ سكونٌ مطبق.
"ماذا لو كان هنا ليتحداه؟"
"وماذا لو انضم إليه؟"
انحبست شهقة في الحلق. انقبض التنفس فجأة. سكن الهواء للحظة، وتجمدت الصدور في منتصف الشهيق. ساد صمتٌ رهيب.
"معاذ الله... ستحترق المملكة برمتها."
وصلت كل عبارة إلى مسامع ويليام، وقد استوعب كل ما قيل كلمةً بكلمة.
لم يغب عنه شيء؛ لا الرعب الكامن خلف الكلمات الهامسة، ولا الإنذار المستتر في الصمت الذي أعقبها. ومع ذلك، لم يبدِ سوى سكونٍ تام. لم يرفّ له جفن، ولم تتحرك عضلة في وجنتيه. توقف بدلاً من ذلك أمام بابٍ من خشب البلوط، أثقلته آثار الزمن، ونُقشت عليه رموزٌ غابرة، بالإضافة إلى شعار سلالة الكونت ويليام: ذئبان ملتفان كالدخان حول تاجٍ داكن، أنيابهما بارزة وكأنهما يتربصان لتمزيق كل من يجرؤ على الاقتراب.
ساد الصمت بين النبلاء خلفه، وخيّم الوجوم على حناجرهم. تمددت أنفاس الغرفة بشدة، كوترٍ مشدود على وشك الانقطاع.
ساد سكونٌ شفيف حين وضع ويليام يده المكسوة بالجلد على إطار الباب. وتحت لمسته، انبعثت برودةٌ طفيفة من نسيج الخشب العتيق. ثم التفت، محولاً نظره إلى الخلف بهدوءٍ وأناة. واجههم بنظرةٍ تكاد تكون حانية؛ شفتاه تلمحان إلى دفء، وعيناه ثابتتان كصفحة ماءٍ راكدة. ومع ذلك، أثارت تلك النظرة غصة في حناجر الحاضرين، وحركاتٍ قلقة في صفوفهم.
تحدث بصوت خافت، كل كلمة فيه ناعمة كالحرير لكنها مثقلة بالمعاني. ساد الصمت أرجاء الغرفة حين بدأ حديثه. لقد تناهى إلى مسامعهم أن فتىً قد ادعى أحقيته بالعرش، وهذا الادعاء يتطلب تمحيصاً وتدقيقاً. تجولت نظراته ببطء على وجوههم؛ فالسلطة تجذب دائماً من ينافسها، بطريقة أو بأخرى. وما سيحدث لاحقاً يعتمد كلياً على الخيارات التي ستُتخذ في هذه الليلة.
انطلق صريرٌ خفيف عندما بدأ الباب بالتحرك. تأوه المفصل القديم تحت ضغط يديه.
امتد وهجٌ خافت إلى الأمام، فكسر ظلام الردهة بخطوطٍ مهتزة زحفت على طول البلاط.
ساد الصمت أرجاء القاعة عندما تقدم النبلاء، وأكتافهم متصلبة، كما لو كانوا يواجهون اختباراً مصيرياً لا مجرد مجلس.
دخل ويليام أخيراً، وأغلق الباب في صمتٍ ثقيل فاق في وقعه كل صوت. طقطق المزلاج، وحلّ هدوءٌ تام؛ لم يكن مجرد إغلاقٍ لباب خشبي، بل كان إيذاناً بشيءٍ أعمق. توقفت خطواته للحظة، كما لو أنه استشعر تغير الجو العام. وفي الداخل، ازداد الصمت كثافةً بوجوده، وتباطأ إيقاع الزمن فجأة. لم يتحرك شيءٌ سوى الظلال التي تمددت على طول الجدار، ثم ساد السكون المطلق.