الفصل 616: أمام باب الكنز
أمام باب الكنز
كان الهواء ينساب من خلاله بهدوء، برتابة عقرب الثواني في ساعة الزمن، وكلّ ارتفاع في صدره كان همسةً تسبق الرعد. ظلّ الإيقاع منخفضاً، متمهلاً، وكأنه يتشكل بفعل شيءٍ يتربص على مرمى البصر.
همس ليون قائلاً: "هنا يرقد ما كان يوماً ملكاً لـ (فيلور) القديمة". ورغم خفوت صوته، إلا أن صداه ظل يتردد بين جدران الممر الضيق.
ساد سكونٌ خانق، وتغلغل البرد في أرجاء المكان كقطعة قماشٍ عتيقة نُسيت طويلاً فوق حجرٍ صلد، حاملةً معها أصداءً مضت؛ تيجانٌ تُورَث، وأسرارٌ تُكشف، وأرواحٌ تُزهق في سبيل ما ينتظر خلف هذه العتبة. ومع أنه عاصر حروباً استعرت وحكاماً سقطوا، لاحظ ليون أن أنفاسه قد تباطأت؛ ليس رعباً ولا سكينة، بل بفعل ذلك السكون الذي لا يترسب إلا حيث يتراكم الزمن بلا استئذان.
جثا أحد الحارسين خلفه على ركبتيه، وتبعه الآخر، رغم أن أحداً لم يأمرهما بذلك، فقد أبت أجسادهما النهوض وكأنها رُزحت تحت وطأة قوةٍ أعظم من الأوامر العسكرية. ملأ الثقلُ الهواء كأنفاسٍ تسبق العاصفة؛ فهنا تبدأ الحكايات، حيث تتجذر لحظاتٌ كهذه، بعيداً عن أعين العامة الذين لا يدركون ما يحدث عند هذه الحواف المنسية.
شعر بشيءٍ عالقٍ في حلقه، وتردد صدى ابتلاعه لريقه بشكلٍ لافت في ذلك الصمت. كان جاثياً على إحدى ركبتيه، بينما ظلت الأخرى منثنية، وقد شحبت أصابعه من فرط ضغطه على الصخر البارد، وكأن أي حركةٍ قد تثير غضب ذلك الكيان القديم الذي لا يزال قابعاً في الزوايا.
استمر الصمت بينما تقدم ليون بخطوات حذرة، وانطلقت من حذائه نقراتٌ خفيفة، تكررت كطرقات شيءٍ غاب عن الوجود منذ أمد بعيد. توقف قرب الباب العظيم، وكاد يلمسه، وعيناه تتفحصان الشقوق الدقيقة في الصخرة العتيقة؛ تلك الآثار التي خلفها الزمن، ولم تستطع التعاويذ محوها.
ساد صمتٌ مطبق خلف ليون وهو يواجه الباب الشاهق، ثابتاً كالحجر. كانت هناك عيونٌ مضاءة بضوء القمر، محفورة في نقوش أفعى ملتفة، تتألق بوهجٍ خافت وتنبض بمعرفة هادئة. مرّ نَفَسٌ، ثم نَفَسٌ آخر، قبل أن يجرؤ أي كائن على الحركة.
تشابكت أجسادهم وتحركت بلا هوادة؛ أحدهم يحمي والآخر مستعد للهجوم، وجلودهم محفورة بآثارٍ أقدم من الكلمات التي لا تزال تُنطق. لم يكن المكان مجرد مدخل بالمعنى الحرفي، بل كان أشبه بمواجهة كائنٍ يتنفس ويتخذ قراره بنفسه.
استشعر ليون السكون أولاً؛ فجذبته تلك الخطوط المحفورة على الحجر، ثابتةً وراسخة، تكاد تتوازن مع بعضها البعض، وربما كانت تحكم عليه في صمت. ومن مكانٍ بعيد في القاعة، جاء اهتزاز خفيف، بالكاد يُسمع، كما لو أن القبو قد استشعر وقع الأقدام فزفر ببطء، متسائلاً عن هوية القادمين.
ثم أمال رأسه قليلاً، ووجه نظره نحو الحارسين:
"افتحا الخزينة".
وعلى الرغم من هدوء أمره، إلا أنه كان ذا وقعٍ نافذ؛ صريحاً ومطلقاً، يقطع الصمت كأنه نصلٌ يسلُّ من غمده.
تبادل الحارسان نظرة خاطفة؛ كانت سريعة لكنها مثقلة بالمعاني. وفي تلك اللحظة، قيل أكثر مما تعبر عنه الكلمات؛ عن الواجب، والخوف، وعبء بابٍ موصد لم يمسه الزمن. استنشق أحدهما الهواء، بينما تصلب العمود الفقري للآخر.
أجاب أحدهما بصوت خافتٍ وجاد: "أمرك يا جلالة الملك".
ارتجفت أصابعه ارتعاشةً طفيفة رغم استجابته الفورية.
لم يتطلب الأمر سوى خطوة صغيرة للخلف، فقد كان إفساح المجال أمراً طبيعياً، فلا مكان للعجلة هنا، واللحظة كانت تتجلى من تلقاء نفسها؛ فليست كل الأفعال تتطلب السرعة، بل بعضها خُلق ليتدبره المرء بتؤدة.
مرت لحظاتٌ متجمدة بينما تباعدا عن بعضهما، واتخذا مواقع قرب الأبواب الضخمة، عند الثعبانين المنحوتين من الصخر. وبينما رفعا أيديهما، وامتدت أصابعهما نحو العلامة القديمة، بدا كل شيء وكأن الهواء قد صار كثيفاً.
وفجأة، اشتعلت النيران.
بدأ الأمر بوميض أزرق خافت، هشٍّ يتكسر عند الحواف، ينزلق فوق أذرعهما، وسرعان ما ازدادت كثافته، متحولاً إلى لون ذهبي وهاج، لونٍ يحمل ثقلاً أعمق من الذاكرة. صار الضوء ينبض الآن، ثابتاً في صعوده وهبوطه، وكأنه صدرٌ يعلو ويهبط بالأنفاس.
كان هناك شيءٌ عالق في ذهن ليون؛ ليس صوتاً تماماً، لكنه ثقيل كأنفاسٍ كُتمت طويلاً. انقبضت أضلاعه تحت وطأة ثقلٍ خفي، وأمامه كان الجبل صامتاً، مشحوناً بأسرار لم تُنطق قط. وحول المدخل، لم يكن الصمت ساكناً، بل كان نابضاً، متشابكاً بقوى قديمة تنتظر بلا كلل؛ كل طبقة كانت أعمق مما سبقتها، يقظةً وصارمة.
تسللت خيوطٌ من نور إلى أذرع الجنود، ترسم أشكالاً وكأن النار قد تعلمت لغة الكتابة؛ كلماتٌ من لغة نسيها تقريباً كل السحرة، فلا هي مما يُدرس في المعاهد، ولا هي من الصيغ المستخدمة في يومنا هذا. كان عملاً سحرياً قديماً؛ حاداً، دقيقاً، ولا يرحم.
ارتجف ليون وهو واقف بلا حراك، وعيناه مثبتتان على المشهد. لم يكن المكان مجرد مخزن تحت الأرض، بل كان ينضح بروح الشك، بُني ببطء بأيدٍ ثرية تناقلت الأسرار كأنها لعنات، فالثقة لم تجد لها موطناً هنا قط.
أخذ أحد الحارسين نفساً عميقاً ليملأ الصمت قبل أن ينطق، وقف ثابتاً، وكسر صوته السكون بعد لحظة طال أمدها؛ صمتٌ يتحرك ككلماتٍ تُزفر ببطء.
فجأةً، انطلقت همسةٌ ناعمة كنسيمٍ يمرّ بين الأعشاب، كانت كل كلمة فيها دقيقة ومتأنية. وبعدها مباشرةً، تكلم الرجل الآخر، فانسدل صوته بجانب صوت الأول، وانضم إليه بسلاسة، ليشكلا معاً همهمةً واحدةً رتيبة، خافتةً لدرجة أنك قد لا تسمعها لو رمشت عيناك.
ثم...
لامست الأصابع الحديد البارد بينما انحنى كلاهما نحو الحاجز.
ثلاث نقاط لكل منهما.
تحديداً في الموضع الذي يعلو "مركز فكر" الثعبان المنحوت.
ساد الصمت عندما لامس الجلد الصخر المنقوش، فتسلل الضوء؛ رقيقاً، ثابتاً، ودقيقاً. لم يكن صاخباً، بل كان حاضراً فحسب، يشق الظلام كما لو كان نصلاً حاداً يُسحب ببطء من غمده.
ظهر شكلٌ ملتفٌّ يستقرّ قرب النقش الزهري، يلتفّ كسؤالٍ بلا كلمات، وبجانبه سكونٌ تشكّل بفعل الحركة. كان هذا الحضور ينحني عند الحواف المتفتحة، حيث ينتظر الشكل الملتف في الموضع الذي تتفتح فيه البتلات.
تحت وطأة اللمسة، ارتجفت الصخرة القديمة، وتحركت الأمواج كأنفاسٍ فوق برك ساكنة، ناعمة ومتدفقة، كما لو أن المدخل قد استحال إلى شيء سائل، تضطربه تيارات خفية من الأسفل.
وفي بقعة أبعد، انتهى ذيل الأفعى بانحناءة حادة لا يمكن تصورها، انحناءات تلتف على نفسها بلا بداية ولا نهاية، حيث تلاقت الحجارة في حلقاتٍ غامضة، وانحنى هذا المكان كما لو كان حُلماً لم يُشيّد قط.
استجاب الختم الأخير، لا بكلماتٍ، بل بذبذبة خافتة انتشرت نحو الخارج. تسلل السحر إلى المدخل، ملتفاً ببطء تماماً مثل الحياة التي تعود إلى عروقٍ متجمدة.
وانفتح القفل الثقيل في توه.
فجأةً، اتسعت عيون الأفاعي وتلألأت بالفضة، كما لو أن أشعة القمر قد صُبّت في جوف الصخر. ومن أعماق الأرض، انطلق هديرٌ هزّ الجدران وأحدث ارتعاشاً في الأضلع. وفي الأعلى، تناثر غبارٌ قديم، متساقطاً في دواماتٍ متألقة، أضاءها الوهج الخافت للمصابيح السحرية.
ساد الصمت حين وقف ليون هناك، وانتصب شعره كأنما تحركه إرادة خاصة بفعل قوة خفية. مرت تموجات خفيفة بين خصلات شعره عند جبينه تماماً مع اندفاع الطاقة في الغرفة. ساد السكون المكان، ولم تكن هناك حاجة للحركة، ومع ذلك بدا كل شيء حوله وكأنه يميل إجلالاً، كما لو أن الجو نفسه قد أدرك وصوله.
تراجع أحد الحارسين أولاً، ثم تبعه الآخر، وأرخى كل منهما قبضته وكأن حبلاً قد انقطع في منتصف الشد. اندفع الهواء من رئتيهما حاداً ومضطرباً؛ فما أنجزاه لم يكن مجرد استعراض للقوة، بل كان انتزاعاً للصمت من أعماق عظامهما. انحنت أكتافهما لبرهة خاطفة، قبل أن تعيدهما الصرامة العسكرية إلى وضعهما المنتصب.
انحنى رأسهما معاً في حركة موحدة تنم عن الاحترام، انحنت الرقاب في آن واحد، واتجهت أبصارهما نحو الأرض.
تحدث أحدهما بصوت منخفض، حملت كلماته خشونةً تشبه الغبار العالق على الحجر: "سيدي، الطريق أمامك أصبح سالكاً. تفضل بالمرور".