الفصل 615: الطريق إلى الخزانة [الجزء 2]
الطريق إلى الخزانة [الجزء 2]
ساد صمتٌ ثقيل بينما تمتم الحارس باعتذارٍ وجل، وانحنى برأسه في خضوعٍ تجاوز حدود الاحترام حتى كاد ينهار. لامست حافة خوذته الصخرة الباردة تحت قدميه، كأنها جذورٌ تبحث عن تربةٍ تتشبث بها. وقف منحنياً، لا كإنسانٍ سويّ، بل كظلٍّ اتخذ شكله من فرط الواجب الممتزج بالخوف.
وبحركةٍ طفيفة من يده، بدّد ليون ذلك القلق وتجاوزه قائلاً: "لا بأس على الإطلاق."
كانت إيماءة يدٍ خاطفة، لكنها فتحت باباً كان موصداً منذ أمد بعيد. لم يكن صوته مرتفعاً، ومع ذلك انكسرت هيبة الصمت تحت وطأة معانيه العميقة.
وقف أمام مدخل الخزانة، ثم تقدم بخطىً وئيدة. هناك، أمامه، ارتفعت ألواحٌ فولاذية صلبة، نُقشت على سطحها رموزٌ غامضة؛ تلميحات صامتة لما ينتظر في الداخل من ثرواتٍ ونفوذٍ مخبوء. كان الجو من حوله خانقاً، كما لو أن الحجر نفسه قد صُمم ليُحصي على المرء أنفاسه وكل نبضة من نبضاته.
تقدم للأمام، ملقياً بكلماته خلف ظهره دون أن يلتفت، خرجت منه ملاحظة عابرة، كأنها خاطرة طرأت له في لحظة تجلٍّ.
"أوه، وقبل أن تغادر؛ اذهب وابحث عن نائب القائد جوني، وأخبره أنني أنا من أرسلتك."
ظلت عيناه مثبتتين نحو الأمام، ولم يكن ذلك بالنسبة له شرطاً أو أمراً معقداً على الإطلاق.
أما الحارس، فقد تجمد في مكانه تماماً، كأن صاعقةً من العدم قد ضربت أوصاله.
وفي منتصف انحناءته، تصلب عموده الفقري، ثم تغير كل شيء فجأة ودون سابق إنذار؛ خارت قواه وانطوت ساقاه مثل ورقٍ مبلل، فسقط أرضاً وارتطمت ركبتاه بالصخر بقوة. كسر الصمتَ صوتُ ارتطام كفيه بالصخرة؛ ارتطاماً مفاجئاً، مدوياً، وحاسماً.
انطلق أنينٌ حاد من حلقه، وتصاعد الذعر خلف نظراته، وكأنه يتلقى نذير شؤمٍ تستر بزيّ المجاملة.
تمتم بصوت مخنوق: "نائب القائد... جوني؟ نائب القائد الجديد للمملكة؟ الرجل الذي يعمل تحت إمرة جلالته مباشرة؟"
سرت قشعريرة في كيانه كله للحظة واحدة. تحركت أصابعه دون وعي، وضغطت على راحتيه حتى شحب لون جلده، وجاءه اليقين كقطرات ماءٍ باردة تُسكب على جرحٍ مفتوح.
انطلق ليون دون أن ينبس ببنت شفة، وأحدثت أحذيته أصواتاً خافتة على الصخور الملساء، وكل خطوة كانت تسحبه بعيداً في ذلك الضوء الخافت الذي احتفظ بظله للحظة وجيزة.
تغلغل الوقار في أطرافه بينما تجمعت الظلمة خلفه، مما جعله يبدو قاصياً؛ ليس بروداً منه، بل حسماً لما فعله، كملكٍ لا يتردد في خياراتٍ اتخذها قبل ثوانٍ.
لكن خلفه... انقطع كل صوت، إلا نحيب رجلٍ يبكي بصمت.
خانت الحارس ساقاه، فركع الآن ووجهه يكاد يلامس الأرض الجليدية، وشعر بدموعٍ دافئة تتدفق على خده دون أن يملك كبحها. لم يكن شعوره فخراً فحسب، ولا خوفاً أو امتناناً مجرداً، بل مزيجاً مضطرباً من كل ذلك. ارتجفت أنفاسه بين ذراعيه، وشعر بثقلٍ عظيم يضغط على ضلوعه.
همس وهو يغرس أصابعه في الحجر كأنه يخشى أن تسيخ الأرض من تحته: "يا سيدي... إن كرمك واسع كالمحيط. أعدك... سأكرس حياتي لخدمتك... إلى أقصى حد."
انقطعت الكلمات الأخيرة في حلقه، ليس تعباً، بل لأنه كان مثقلاً بعظم القدر الذي وقع بين يديه.
لقد كان يدرك تماماً معنى ذلك؛ إن الانضمام إلى فرقة نائب القائد جوني يمثل نقطة تحولٍ جذرية في حياته. لقد اختارهم الملك بنفسه، فكان كل مجندٍ يدخل تلك الفرقة كمن يبلغ بر الأمان بعد عاصفة هوجاء. استقرت مكانتهم الاجتماعية حولهم كدروعٍ حصينة لا يمسها صدأ، وتدفقت الأموال إليهم، لا بضجيجٍ أو تفاخر، بل بثباتٍ وهدوء ويقين. ارتقت عائلاتهم بعد أن كانت تكابد مرارة العيش؛ أصبح الآباء ينامون ملء جفونهم دون خوف، وسيأتي يومٌ يقف فيه أبناؤه بشموخٍ بدلاً من الانحناء، ولن يجرؤ أحدٌ بعد الآن على تجاهل اسمه.
في تلك اللحظة، غيّر ليون مجرى كل شيء؛ مجرد جملة واحدة غيرت مسار الأقدار.
سجد الحارس أرضاً مرة أخرى، وارتطم جبينه بالصخر البارد كأنه يطبع عهداً محفوراً على سطحه. ثم نهض في لمح البصر، مندفعاً للأمام بأنفاسٍ متسارعة ونبضٍ قوي، يطارد الوقت قبل أن يبتلع الصمتُ تلك الكلمات الغالية.
وفي مكانٍ بعيد على الطريق، كان ليون قد اختفى بالفعل قبل أن يرفع الحارس رأسه.
------------
تحركت الشخصية عبر مدخل غرفة القبو، فظهر ليون في الداخل مباشرة، وكانت وقع خطاه هادئة على الحجر.
بمجرد دخوله الغرفة، تغير كل شيء؛ لامس البرد ذراعيه أولاً، برداً حاداً يشوبه طعمٌ حديدي عالق في كل نفس. سحرٌ قديم كان معلقاً هناك، ساكناً كالغبار فوق رفوفٍ يلفها الصمت. وفي الأعلى، اتسعت المساحة تحت قبوٍ حجري صامت يمتد نحو الأعلى بلا صوت، وخيوطٌ ذهبية تخترق الجدران، نُقشت بعمقٍ لتشكل كروماً في زاوية، وتنانين في زاوية أخرى، بدت وكأنها قُبضت في منتصف قفزتها إلى الأبد.
في قلب الغرفة، تدلت ثريا ضخمة ذات تفاصيل دقيقة مصنوعة من أحجار نادرة، تشطر ضوء الشفق إلى ومضات من الظلال تتراقص فوق البلاط. تتسلل هذه الومضات على طول الحجر اللامع وتلقي بظلالها على البوابات الحديدية، لتغمر كل سطحٍ بألوانٍ هادئة متموجة.
كان المشهد آية في الجمال، باهظ الثمن، وموغلاً في القدم.
انطلقت من ليون زفرة هادئة؛ زفرة تنم عن وقارٍ لا عن انبهار. فمثل هذه الأماكن لا تحتاج إلى جلبة، فهي تحمل ثقل هيبتها من تلقاء نفسها. إن الدخول إليها يعني استشعار ما يحمله الصمت من قوةٍ مختومة تنتظر لحظة الانطلاق.
وفي ركنٍ بعيد، كان هناك مكتبان ينتظران، خلف كل منهما انحنى حارسٌ مسن قليلاً، ينكبّ على ملء سجلاتٍ ثقيلة بخط يدٍ وئيد. كانت أقلام الريش تخربش على الصفحات ككائناتٍ منهكة، مركزة فقط على الصفوف التي تحمل أرقاماً ورموزاً مالية. اقترب ليون، ولم يرفع أي منهما رأسه.
عندها فقط، تنحنح ليون ليثير انتباههما.
انبعث شيءٌ من الهيبة الهادئة في الهواء، شيءٌ لا يكاد يُحس.
ساد صمتٌ مفاجئ شمل الجميع هناك.
انتفض الحارسان واستقاما بسرعة، بينما صرخت أقلامهما على الورق مخلفةً حزوزاً غير منتظمة، وتألقت شرارة من الانزعاج في نظراتهما.
مَن ذا الذي يجرؤ على هذا الإزعاج؟
لكن، بمجرد أن تجلى أمام أعينهما، انقطعت الأصوات وتلاشت، كألسنة لهبٍ أطفأتها ريحٌ عاصف. تحول لون جلدهما إلى البياض في ثوانٍ، بسرعة تفوق التصور، وتجمدت أجسادهما كما لو أنهما استيقظا فجأة ليجدا نفسيهما قد تحولا إلى حجر.
احتكت الأقدام بالحجر، واضطربت الأوراق في الهواء، وارتجفت محابر الحبر على المكاتب. وفجأة، اندفع رجلٌ وتبعه الآخر، واصطدمت أطرافهما ببعضها البعض في ارتباكٍ شديد؛ تعثرت أحذيتهما والتوت ثيابهما، وكأن السقوط نحو الأرض هو السبيل الوحيد للاحتماء من هيبته.
وتلعثم الرجلان في كلامهما، وهتفا على الفور بصوت واحد: "جلالة الملك!"
ارتسمت ابتسامة خفيفة في عيني ليون، وقال: "تابعوا عملكم فحسب."
لكن كلماته، ويا للمفارقة، لم تزد الموقف إلا ارتباكاً.
ارتجفت أكتافهما، وجعل الصمتُ صوت ابتلاع ريقهما واضحاً لا لبس فيه، وابيضت مفاصل أحد الرجلين وهو يضغط بيده على الصخرة ليتماسك.
قال أحدهما بصوتٍ متهدج: "نعتذر يا سيدي! لقد كنا غارقين في الأوراق، ولم نشعر بوجودك..."
انطلقت من حلقه همسة مبحوحة مثقلة بالخوف، وتمتم بصوت خافت: "هذا تقصيرٌ لا يُغتفر." ثم انحنى أكثر حتى كاد جبينه يلامس الحجر الجليدي، وكأن كل ما يتمناه هو أن تبتلعه الأرض ويختفي عن الأنظار.
هز ليون رأسه بهدوء وقال: "أنتما تقومان بعملكما، لا داعي لطلب المغفرة."
وفجأة، دوّى كلامه الهادئ في مسمعهما كأنفاسٍ منعشة تتسرب إلى غرفةٍ مغلقة. شهق كل حارسٍ أنفاساً مرتعشة، وسقطت أذرعهما كما لو أن حملاً ثقيلاً قد انزاح عن كاهليهما. ومع ذلك، بقي التوتر كامناً في الأجواء؛ ظل حاضراً، خفيفاً ومتأهباً، إذ لا يمكن لأحدٍ أن يسترخي تماماً في حضرة العاهل.
قال ليون بصوت ثابت يكاد يكون لطيفاً: "انهضا، واصطحباني إلى الداخل؛ أريد دخول الخزانة."
مرت لحظة تجمد فيها الحراس، وبالكاد كانوا يتنفسون. لمعت الصدمة في أعينهم، ثم تلاشت سريعاً، ودفنتها سنوات التدريب الطويلة. هل يجرؤ أحد على تحدي ليون؟ لم تخطر هذه الفكرة ببالهم قط، ففي هذا المكان، يوأد هذا النوع من التفكير في مهده.
قال أحدهما بصوتٍ متقطع رغم محاولته الاستماتة في إخفاء ارتباكه: "نعم يا سيدي، على الفور."
جاء صوت ليون آمراً وهو يتقدم للأمام دون انتظار: "أسرعوا الآن"، وكأن كل نبضة قلبٍ تضيع قد تقلب الأمور رأساً على عقب.
تلاشت وقع الأقدام في الممر، وهمست الحجارة تحت الخطوات المسرعة، بينما كان ليون يتبعهما بهدوء. شكّل الصمت إيقاعه الخاص؛ نبضاً بطيئاً كالزمن نفسه وهو ينحني ليوافق خطوات الملك. كان يتحرك وكأن التأخير لا يعنيه في شيء، وكأن اللحظات تتوقف إجلالاً لوصوله.
امتدت المشاعل في الردهة؛ كانت الردهة ضيقة ولا نهاية لها، وخطوط اللهب تشتعل بلونٍ أزرق غريب على طول المسار. كانت تلك النيران بلا دفءٍ ولا دخان، نيران سحرية ثابتة تُلقي ضوءاً ينساب على الحجر في موجات مضطربة. دوى همهمة خافتة لقوة قديمة تحت الأقدام، قوة كثيفة كهمسات مدفونة نُقشت في الصخر عبر العصور. كانت كل خطوة للأمام أشبه بكشف صفحات كتابٍ ظل مغلقاً لقرون.
ساد صمتٌ مطبق المكان، صمتٌ مثقلٌ بأصداءٍ لا تنطفئ. تحرك الغبار ببطء، مضاءً بخيوطٍ من الضوء الرمادي المتسلل عبر الزجاج المتشقق، وامتدت الظلال وئيدة على الأرضيات الحجرية البالية. ظل شعورٌ بالبرد العميق حاضراً، ليس برداً لاذعاً بل برداً غائراً كأنفاسٍ حُبست طويلاً. ترددت كل خطوة كما لو كانت تجيب على نداءٍ أقدم من الصوت نفسه. لم يمر الزمن هنا، بل تجمع وتكثف وانتظر.
ظهرت الشخصية عبر المدخل بعد اجتياز الردهة الطويلة، وخلفه امتدت الظلال على الأرض.
لقد كان مدخلاً لا مثيل له، فريداً في هيبته دون عناء، ضربةً من عبقرية زمنٍ غابر، صُنعت بأناة وشُكلت بحكمة.
تلتف أفعى ضخمة على السطح، منسجمة في التواءاتها، تكاد أجزاؤها تتلامس. نُحتت بعناية فائقة حتى بدت حراشفها وكأنها تنبض بالحياة تحت الضوء. كانت الحيتان المتقابلة تفغر فكيها وتظهر أسنانها الحادة، بينما شكّل حجر القمر نظراتها، متوهجاً بضوءٍ خافت يشبه ضياء سماءٍ محتجزة.
وفي المساحة المشتركة بينهما، طفت زهرة لوتس، بقيت ساكنة ومتفتحة بين الهيئتين الصامتتين. كانت مصنوعة من الفضة الخالصة، منحوتة بإتقانٍ مذهل، يفيض منها ضوء خافت كذكرى لضوء القمر، وتتمدد الظلال حيثما وُجد السطوع.
توقف ليون.
استقر تنفسه في سكونٍ تام، ثابتاً وناعماً. وفي هذا الهدوء الكثيف، كانت حتى الهمسة تحتك بالهواء مثل احتكاك الرمل بالحجر. انقبض فكه دون سابق إنذار بينما جالت عيناه عبر النقوش القديمة، تنزلق فوق أجساد الثعابين الملتفة، وتتوقف حيث تفتحت الزهرة الفضية؛ تلك الزهرة الناعمة، الحادة، والمفعمة بالمخاطر الخفية. لم يكن المكان فارغاً كما يبدو، بل كان هناك وجودٌ ما، وجودٌ أقدم من الذاكرة، يميل قريباً منه، صامتاً كالفراغ الذي يفصل بين دقات القلب.
قال بصوت خافت: "حسناً... ها هو ذا إذن؛ الكنز الذي طالما حرسه فيلور العجوز." انكسرت لمحة من الرهبة على هدوئه، كما لو أن شيئاً في أعماقه قد استجاب للثقل الذي ينتظره بالداخل.
صدر حفيفٌ خفيف من الرجال خلفه؛ اخترق صمت المكان صوت ارتعاش، ثم انحنى أحد الحراس ببطء، وسرعان ما تبعه الآخرون، حتى ارتطمت ركبهم بالحجر بشكل تلقائي. لم يكن الرعب وحده هو ما دفعهم للانحناء، بل رهبة شديدة تغلغلت في عظامهم. ملأ ذلك المدخل المكان بهيبة شيءٍ قديم كان يُعرف سابقاً بأنه مقدس، يستيقظ الآن بعد قرونٍ من النسيان.
حدق ليون أمامه دون أن يلتفت وراءه، وثبتت عيناه على الباب العتيق، منجذباً إلى الثعبانين الملتفين إلى الأبد. وبينهما، أشرقت زهرة اللوتس، بضوءٍ لا هو بالدافئ ولا بالبارد، يحمل في طياته الأمل والخطر معاً. سرى ارتعاش خفيف في يده، لم يكبحه إلا بقوة إرادته، وكأن شيئاً ما وراء تلك العتبة يشد أوصاله برفق.
وقف ليون شامخاً أمام الباب القديم...