الفصل 191: شفاء ، وخيارات...
لم يكن "الرئيس تشين " يعرف بطبيعة الحال طبيعة العلاقة التي تربط "تشين شينغ " بذلك العم ، كما أنه لم يكن يكترث لمعرفة ذلك بل كان سيمتنُّ كثيراً لو نأى "تشين شينغ " بنفسه عن التورط في أي حوادث ضمن نطاق دوريته مستقبلاً. لذا سارع إلى توطيد علاقته به لضمان إغلاق ملف القضية بشكلٍ مرضٍ.
كان "تشين تشانغ آن " و "تشوانغ تشي " قد غادرا بالفعل ، وعادت السكينة إلى حياة "تشين شينغ " ؛ إذ انكبَّ على التدريبات في مركز إعادة التأهيل الطبي ، وحضر المحاضرات في جامعة "شيامن " وكان يستغرق في أحلام اليقظة لتمضية الوقت في مقهى "نسيم الربيع " (ينبوع النسيم). أما بقية وقته فكان يقضيها برفقة زوجته. و في تلك اللحظة لم يكن يثقل كاهله بالتفكير ، بل جلُّ ما يتمناه هو التعافي في أقرب وقت ؛ فذلك هو أصل كل شيء وأساسه.
كانت "دو فاي " تأتي لمساعدتهم في "نسيم الربيع " كلما سنحت لها الفرصة ، لكن ذلك لم يُعتبر عملاً بدوام جزئي. حيث كانت تلك الفتاة نابغة حتى إنها رغبت في مواصلة دراستها والتعمق في تخصصها ، لذا كانت تقضي معظم وقتها في المكتبة للمراجعة. وحدث أن سمعت في المقهى خلال اليومين الماضيين من يتحدث عما جرى في تلك الليلة ، فأدركت حينها أنها كادت تتسبب في مشكلة كبيرة لـ "تشين شينغ " ومقهى "نسيم الربيع ". وبعد عودتها إلى المنزل ، أخبرت والدتها بما سمعت ، وما إن استمعت "العمة تانغ " لحديثها حتى سارعت بالاتصال بـ "لين سو " مُصرّةً على دعوتهم لتناول العشاء. لم يستطع "تشين شينغ " و "لين سو " الرفض ، فانتهى بهما الأمر بتناول العشاء في مطعم "وينان " بالجوار.
امتناناً منها لـ "تشين شينغ " و "لين سو " اشترت "العمة تانغ " خصيصاً زجاجة نبيذ فاخرة. و شعر "تشين شينغ " و "لين سو " بالحرج من كرم ضيافتها الفائق. وبعد أن وُضعت الأطباق والمشروبات ، رفعت عائلة "العمة تانغ " كؤوسهم في آنٍ واحد قائلين "يا تشين شينغ لم أتوقع حقاً أنه كان سيُلحق بكم مثل هذا الضرر البالغ. لو وقع مكروه في تلك الليلة ، فحقاً لا أعلم كيف كنت سأواجهكم ".
ابتسمت "لين سو " ابتسامة خفيفة وقالت "يا عمة تانغ ، الأمر لم يكن بالسوء الذي تتخيلينه ، فقد انجلت الغمة في النهاية. لا يمكن لـ "تشين شينغ " أن يقف مكتوف اليدين بينما يستمر في إيذائكم ؛ فأنتم لم تعيشوا حياة سهلة طوال هذه السنوات ".
قالت "العمة تانغ " متحسرة على حالها "لقد كُتب عليَّ الشقاء بوجوده في حياتي. فلو لم يكن موجوداً ، لربما كنت الآن في غاية السعادة ، ولعل هذا هو قدري ".
شعرت "دو فاي " بالأسى وهي تستمع إليها ، فواستها قائلة "يا أمي ، ما زلتِ تملكينني أنا وأخي الصغير ، سنعتني بكِ جيداً بالتأكيد ولن ندعكِ تعانين من امس ".
ردت "العمة تانغ " بتأثر "يكفيني امتناناً سماع هذه الكلمات منكما ".
أجابها "تشين شينغ " بصوتٍ خافت "يا عمة تانغ ، لقد سُجن "دو جيانغ " بالفعل. وبحسب ما سمعت من "الرئيس تشين " في المركز ، فإن لديه سجلاً إجرامياً حافلاً ، وهذه المرة قد يُسجن لعدة سنوات. ألا تعترضين على ذلك ؟ ".
أجابت "العمة تانغ " بسرعة "لن يهدأ لي بال إلا وأمثاله خلف القضبان ، فكيف لي أن أعترض ؟ بل يجب أن أشكرك ". لقد انقطعت أواصر المودة بينها وبين "دو جيانغ " منذ زمن بعيد ، ولم يتبقَّ سوى الضغينة. ولولا وجود "دو فاي " و "دو فينغ " لكانت قد فكرت في إنهاء حياتها معه ، لكنها لم تطاوعها نفسها على ترك أطفالها خلفها.
جزَّ "دو فينغ " على أسنانه وقال "يا أمي ، سأكون قد صرتُ شاباً يافعاً حين يخرج من سجنه مرة أخرى ، وإن تجرأ على إيذائكِ ثانية ، فسأتولى أمره بنفسي ".
شعرت "العمة تانغ " بالراحة وقالت "يا بني ، ركّز على دراستك جيداً ، وابحث عن وظيفة مستقرة في المستقبل ، وعندها فقط سيطمئن قلبي ". كان هذان الطفلان ناضجين حقاً ، ولعلهما كانا تعويضاً من الاله لها.
بعد ذلك التفتت لتوصي "دو فاي " و "دو فينغ " "يا فيفي ، ويا شياو فينغ عليكما في المستقبل أن تعاملا الأخ "تشين " والأخت "لين " كأخيكما وشقيقتكما من صلب أمكما ، وأن تعيناهم في كل ما يحتاجونه ، هل سمعتما ؟ ".
ردّا في آنٍ واحد "سمعنا يا أمي ، لا تقلقي! ".
شعر "تشين شينغ " و "لين سو " بإحراج شديد ؛ فقد كان مجرد تصرف نبيل بسيط ، فـ "العمة تانغ " كانت تعاملهم بلطفٍ دائم ، وما فعلوه لم يكن إلا ردَّاً للجميل ، ولم يتوقعا أن تعطي الأمر كل هذا التقدير.
بعد العشاء ، عادت العائلتان معاً إلى حي "لؤلؤة الخليج "...
بدأت حرارة الجو في "شيامن " ترتفع ، ومضت الأيام وحياة "تشين شينغ " و "لين سو " لا تزال على وتيرتها العادية. غير أن جسد "تشين شينغ " كان يتحسن ، وقد زاد الدكتور "تشاو " من كثافة التمارين تدريجياً. و كما اتبع "تشين شينغ " طرقاً خاصة للتدريب ، مثل ممارسة "التاي تشي " مع المدرب بأسلوب هادئ. وبعد شهر ، تخلى "تشين شينغ " عن عكازيه تماماً ، ولم يعد يختلف عن الشخص الطبيعي في شيء. وبعد شهرين ، استعاد نصف قدرته الجسديه السابقة ، وبدأ في ممارسة الحركات القتالية التي علمه إياها بعض "السادة " في الماضي ، وتلك التي تعلمها من "تشانغ باجي ". شعر "تشين شينغ " بضرورة تعزيز قوته لكي لا يغامر مرة أخرى ؛ فلو استطاع الوصول لمستوى "تشانغ باجي " ستكون فرص نجاته في المواقف الخطرة أكبر.
مكث في "شيامن " لما يقارب الأربعة أشهر ، وخلال هذه الفترة كان "تشين تشانغ آن " يزوره بين الحين والآخر ، لكن زياراته لم تكن تطول ، وعادة ما كانت لا تتجاوز ثلاثة أيام. حيث اعتاد "تشين شينغ " على طباع هذا العم ، وكان يعامله كصديقٍ قديم ، كما كان "تشين شينغ " يبثُّ فيه -بقصدٍ وبغير قصد- الكثير من القيم والخبرات ، مما أشعره بإنجازٍ عظيم وكأنه يعوض ما فاته من وقت طوال العشرين عاماً الماضية.
ومع ذلك كان "تشين تشانغ آن " مسروراً حقاً لأن "تشين شينغ " لم يكن يكبره بفارقٍ كبير ، كما أن أسلوبه في التعامل كان شبيهاً بأسلوبه إلى حد كبير. حيث كان يخشى أن يكون "السيد العجوز " قد لقّن "تشين شينغ " قيماً تجعله مختلفاً عنه ، ولو حدث ذلك لكان الخلاف بينهما بعد التصالح كبيراً. لذا في إحدى المرات وبعد أن شرب قليلاً ، تفاخر "تشين تشانغ آن " أمام "غونغسون " وهو بين الصحو والسكر بأن هذا الشاب هو ابنه.
في شيامن...
بعد أن دخلت جامعة "شيامن " في عطلة الصيف لم تعد حركة العمل في "نسيم الربيع " كما كانت. قضى "تشين شينغ " وقتاً أطول في القراءة وممارسة الخط العربي والتدريب ، بينما عاد الموظفون المؤقتون في المقهى إلى ديارهم ، ولم تكن تأتي للمساعدة سوى "دو فاي " و "دو فينغ " كلما سنحت لهما الفرصة ، وخاصة "دو فاي " التي كانت تقضي وقتاً طويلاً في المقهى.
خلال تلك الفترة ، شعرت "لين سو " أن قلب "تشين شينغ " الذي ظل ساكناً لأكثر من نصف عام قد بدأ ينبض بقوة من جديد. حيث كانت تعلم أنه ليس بالرجل الذي يركن إلى الهدوء والسكينة ، فهو يمتلك أحلامه وأهدافه الخاصة ، وما الهدوء الذي مرَّ به إلا فترة استشفاء. والآن بعد أن التأمت جراحه كان لزاماً عليه البدء في التفكير في خياره القادم.
البقاء في "شيامن " أو العودة إلى "شنغهاي " أو خيارات أخرى.. ما زال "تشين شينغ " متردداً ، ولم تكن "لين سو " تطلبه ، بل كانت تنتظر قراره بعد تفكير عميق. ومهما كان قراره ، فستدعمه حتى النهاية دون ندم ؛ فحيثما ذهب ، ستذهب هي.
حدثت أمور كثيرة في "شنغهاي " بعد رحيل "تشين شينغ " ؛ فقد استقال "تشانغ باجي " من عمله في "شانغشان المياه العذبة " وكان يرغب في الانتقام لأجل "يي مويانغ " و "يان تشاوزونغ " لكن "شوي تشينغيان " و "هاو لي " والآخرين منعوه ، معتبرين أنه لا داعي لهذه المخاطرة ، وأنه ينبغي عليهم انتظار عودة "تشين شينغ ".
ظنَّ الجميع أن "تشين شينغ " سيبادر بالاتصال بهم ، لكن بعد مرور وقت طويل لم تأتِ أي أخبار منه ، وهو ما أثار حيرتهم. وكذلك كانت "لين سو " ؛ فبخلاف رسالة نصية واحدة في المرة الماضية لم ترد أي أخبار منها ، فقد اختفت تماماً مثل "تشين شينغ ". بدأ الجميع في الاتصال بها ، لكنهم وجدوا هواتفهم مغلقة.
اختفى "تشين شينغ " و "لين سو " ومرَّ أكثر من نصف عام ، ولم يعد يذكرهما إلا بعض أصدقائهم المقربين ، بينما نسيهم الآخرون إلا في بعض ومضات الذاكرة العابرة.
بعد استقالته ، بدأ "تشانغ باجي " في الترحال. أما "هاو لي " فبقي في "شنغهاي " مستمراً في عمله كسائق لـ "هان بينغ " منتظراً عودة "تشين شينغ " ؛ وإلا فإنه لا يملك الجرأة للعودة إلى "شيان " بمفرده لمواجهة "العمة وانغ " والبقية. بحثت "سو تشين " عن "هاو لي " عدة مرات لأن "تشين شينغ " وعدها بأنه سيظهر أمامها كلما احتاجت إليه ، لكنه أخلف وعده ، فشعرت "سو تشين " بشيء من الغضب. وبعد أن عثرت على "هاو لي " وعلمت باختفاء "تشين شينغ " مرة أخرى ، أطلقت تنهيدة طويلة وانعكس الحزن على وجهها ، ولم يدرِ أحدٌ بما كان يدور في خلدها...
أما فيما يخص "هان بينغ " فقد انتهت قضية مجموعة "غووبينغ " أخيراً ، وبعد تسوية ما بعد الإفلاس ، أصبحت تمتلك حصة صغيرة من الأسهم ذات قيمة مالية كبيرة ، وهي الآن سيدة ثرية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لذا لم يجرؤ "هاو لي " على تركها ، فقد كان قد قطع وعداً لـ "تشين شينغ " بحمايتها.
لم تألف "هان بينغ " اختفاء "تشين شينغ " ؛ ففي البداية كانت تحاول إيجاد أي وسيلة للعثور عليه ، لكنها لم تتلقَّ أي أخبار من أي جهة. و بدأت تساورها الأفكار السوداوية وتتخيل وقوع "تشين شينغ " و "لين سو " في ورطة. وكلما حدث ذلك لم يكن أمام "هاو لي " سوى تقديم شتى التبريرات لإقناعها بأن "تشين شينغ " مقدّر له طول العمر ولن يرحل بهذه السهولة.
في الوقت الحالي لم تعد "هان بينغ " تبالي بأي شيء سوى أن يظهر "تشين شينغ " أمامها مجدداً بسلام وصحة ، وعندها فقط ستشعر بالرضا.
أما أصدقاء "تشين شينغ " فكان "شأيها دينغ " مشغولاً كعادته ، لكن حادثة "تشين شينغ " كان لها وقعٌ كبير عليه ؛ فعلى الأقل لم يعد مرتبطاً بفتاة خلال تلك الفترة ، بل ركّز في عمله حتى إنه لم يجرؤ على إخبار رفيقيه الآخرين في السكن بأمر "تشين شينغ " خشية أن يستبدَّ بهما القلق.
ومن بينهم جميعاً كانت "شوي تشينغيان " هي التي بدأت السعي للانتقام لـ "تشين شينغ ". كانت عائلة "شوي " عائلة ثرية جداً في "تشجيانغ " وبعد سنوات من التقاعد ، ما زال "السيد العجوز " في عائلتها يتمتع بنفوذ واسع ، علاوة على أن شقيقها الأكبر اسمٌ معروف في "شنغهاي ". ورغم أنه من المستحيل عليهم مواجهة عائلتي "يان " و "لين " بشكلٍ مباشر إلا أن خلق المتاعب لهما كان أمراً هيناً ، خاصة لعائلة "لين " لأنهم في "تشجيانغ " حيث كان من الأسهل على "شوي تشينغيان " التعامل معهم.
كانت "شوي تشينغيان " على يقين أكثر من أي شخص آخر بأن "تشين شينغ " ما زال على قيد الحياة ، وآمنت بأنه سيظهر أمامهم يوماً ما ، فالمسأله كانت مسألة وقت لا أكثر.
أما في "شانغشان المياه العذبة " فقد أدى رحيل "تشين شينغ " واستقالة "تشانغ باجي " إلى تغيرات مفاجئة في الهيكل الوظيفي ؛ إذ كان "يي مويانغ " أحد المتورطين في حادثة "تشين شينغ ". تمت ترقية "وانغ هايتشاو " بنجاح إلى منصب مدير الاستقبال. واستقال "ليو يوان " و "يو فينغزي " لأنهما كانا يعلمان أن "وانغ هايتشاو " لن يتركهما وشأنهما ، ففضلا تغيير عملهما بدلاً من التعرض للمضايقات. وعلى أية حال فقد كسبا مالاً جيداً خلال عملهما في السنوات الماضية. وتوالت بعد ذلك استقالات عدد من الفنانين.
كان ذلك مساء عطلة نهاية أسبوع أخرى ، حيث جلس "تشين شينغ " بجانب سريره يقرأ كتاباً ويحتسي الشاي ويحدق في الفراغ. حيث كانت "لين سو " تتبادل أطراف الحديث مع "دو فاي " وتنظر بين الحين والآخر نحوه ، وكانت نظراتها تفيض حناناً.
في الوقت ذاته كانت طائرة قادمة من "بكين " قد حطت لتوها في "شيامن ". ترجلت امرأة متأنقة من المطار بخطوات متسارعة ، وما إن استقلت سيارة "أودي ا8ل " حتى توجهت مباشرة نحو "نسيم الربيع ".
بعد نصف ساعة توقفت السيارة على جانب الطريق ، وترجلت المرأة متجهة نحو "نسيم الربيع " بمفردها. حيث كانت تشعر بإثارة شديدة وتوترٍ بالغ ، وكانت كل خطوة تخطوها تبدو ثقيلة جداً.
لم تكن تعلم كم مرة حلمت به ، ولا كم مرة أجهشت بالبكاء في جوف الليل ، وبالتأكيد لم تكن تعلم كم مرة حدقت في صورته وغرقت في أحلام اليقظة. حيث كانت تخشى ألا تراه مجدداً ، وكانت مستعدة لبذل كل ما تملك فقط لرؤيته مرة أخرى.
اليوم ، منحها القدر فرصة ، فكيف لها ألا تكون في غاية الحماس ؟