يتشابه السحر والعلم في كونهما أداتين لاستكشاف أغوار الكون.
حتى تلك اللحظة لم يشعر "لي تشنج " بأدنى رغبة في النوم ؛ فلطالما كان الإنسان حين يواجه أمراً بالغ الأهمية أو شديد الإثارة ، تتقد في داخله شعلة من الشغف لا تهدأ.
بعد أن أغلق محتوى "أصل السحر " مؤقتاً ، اتجه بصر "لي تشنج " نحو "تقنية التأمل الأساسية ". وبنقرّة رقيقة منه ، راحت الرموز تتغير وتتبدل بسرعة فائقة حتى كشفت عن محتواها مجدداً. أمضى "لي تشنج " نصف ساعة في قراءة جميع الكلمات التي لم تتجاوز الألف ، متأملاً الصورة الملحقة بها ، وهي عبارة عن كرة تتشكل من خطوط لا حصر لها تبعث وهجاً خافتاً. وبمجرد التحديق فيها ، انطبعت تلك الكرة المتشابكة الخطوط في أعماق ذهنه حتى تشكلت صورة ثلاثية الأبعاد في مخيلته ، صار بوسعه تقريبها وإبعادها وفقاً لما يمليه عليه فكره.
يا له من أمر مذهل!
شعر "لي تشنج " بمدى غرابة الأمر ، ولو قيل له إن هذا سحر لما ساوره شك في ذلك ؛ فعملية الانطباق الذهني تلك بمجرد نظرة واحدة كانت مثيرة للحيرة إلى أبعد حد. وعندما عاد ليتفحص النمط ، وجد أن صورة التأمل لم تعد تبعث وهجها ، ولم يعد فيها أي أثر لغير المألوف ؛ فبدا الأمر وكأنه "سحرٌ لمرة واحدة ".
وفي غمرة حماسته المكتومة ، قبض "لي تشنج " على يديه وضرب الفراش عدة مرات ليفرغ شحنة الانفعال التي تملكه.
صَرير! صَرير! صَرير...
"اخفض صوتك يا جار ، فالمكان لا يأوي إلا أعزباً وحيداً! "
بعد سماع هذا الصراخ المليء بالمعاناة من الغرفة المجاورة ، كبح "لي تشنج " نفسه قسراً. فلم يكن المكان الذي استأجره جيداً ، فالعزل الصوتي فيه ضعيف ، وأي حركة صاخبة كانت تصل مباشرة لمسامع الجيران. وبعد أن اطمأن إلى هدوء الأوضاع تمدد على فراشه ، وأغمض عينيه قليلاً ، وراح يغوص في أعماق تفكيره حتى دخل في حالة من شبه الغيبوبة.
فجأة ، فتح "لي تشنج " عينيه وأطلق زفيراً طويلاً وعليه مسحة من العجز. إن الوفرة الجسديه في المجتمع الحديث تطغى على الأرواح ، حيث يقابل المرء وابلاً متصلاً من المعلومات المتنوعة والمبهرة ، وتلك العجائب التي لا تنتهي تجعل من تنقية الذهن من المشتتات ضرباً من خيال ؛ فالأمر عصيٌّ تماماً على التنفيذ.
وبعد تفكير ، نظر "لي تشنج " إلى الساعة كانت قد تجاوزت الرابعة فجراً ، ولم يغلبه النعاس ، فنهض وجلس أمام حاسوبه. و بعد إيقاظ الجهاز من وضع الاستعداد ، فتح صامتاً مجلده المخفي...
وبعد عشرين دقيقة كان "لي تشنج " -وقد تلاشت رغباته وحل محلها شيء من الإنهاك- يضع الفأرة جانباً ، ويجلس بهدوء على فراشه ، مفرغاً ذهنه تماماً ، ليبدأ برسم الخطوط ببطء في مخيلته وفقاً لما جاء في "تقنية التأمل الأساسية ". فقبل البدء بالرسم كان لزاماً عليه أن يشيد "نقطة أصل " شخصية ، وهو ما تسميه التقنية بـ "الأصل " الذي يشبه تفرّد الكون ، ليشرع في إنجاب عالمه الصغير.
كان تجميع نقطة الأصل ورسم الخط الأول أمراً يسيراً ، فبلغ بسهولة المعيار المذكور في التقنية ، وسارت عملية الرسم والتأمل بسلاسة تامة ، ربما لغياب المشتتات مما رفع درجة تركيزه إلى ذروتها.
لم يفتح "لي تشنج " عينيه إلا على صوت منبه الهاتف ، وكان يهم بالنهوض حين داهمه صداع حاد ، تسبب في ارتخاء جسده وانهياره على الأرض. وبعد أن بقي ملقى على الأرض يئن لبعض الوقت قد سمع دوي مفرقعات قادماً من الغرفة المجاورة ، فاستجمع قواه واستند إلى شيء حتى انتصب واقفاً.
وبعد أن زحف عائداً إلى فراشه ، نظر إلى محتوى المخطوطة بعينين محتقنتين بالدم ؛ فقبل أن تتشكل الكرة الضوئية لتقنية التأمل كان رسم خط واحد فقط يتطلب جهداً ذهنياً هائلاً ، وهو ما أوصله إلى حالته الراهنة. تهاوى جسده ونام على الفراش في حالة من الذهول والارتباك لنصف ساعة حتى تمكن من استعادة وعيه ؛ فكان ما زال عليه الذهاب إلى العمل.
أجبر نفسه على تحمل الصداع ، واستحم ليخفف الألم قليلاً ، ثم وضع المخطوطة في جيبه وغادر المنزل. وفي أثناء انتظار الحافلة ، استرد "لي تشنج " أنفاسه ، وقد تضاءل الألم كثيراً ، مما سمح له بالتركيز على أمور أخرى ؛ فقد كان ما عاناه إنهاكاً ذهنياً ، وعليه في المرة القادمة أن يراقب الوقت.
أطلق "لي تشنج " زفيراً طويلاً ، وقد استقرت الخطوط التي رسمها في ذهنه بوضوح ، وصارت تظهر بمجرد إشارة من عقله ؛ بدا الأمر سهلاً.
"أمي ، انظري ، ذلك الرجل يشبه الباندا! "
"اصمتي! هذا مجرد مكياج للعين! "
عاد "لي تشنج " إلى وعيه ، وألقى نظرة على الأم وابنتها القريبتين منه ، وما إن وقع بصر المرأة عليه حتى سحبت طفلتها بقوة بضع خطوات. زمّ شفتيه ونظر حوله ، فرأى أناساً يختلسون النظر إليه بتعابير غريبة ، ثم يديرون رؤوسهم حين يلتفت إليهم. يا للغرابة ، هل يتعرض للتمييز بسبب الهالات السوداء التي تكسو عينيه لعدم حصوله على قسط وافر من النوم ؟
حين وصلت الحافلة ، انزلق "لي تشنج " ببراعة إلى المقعد الأخير وجلس ، مائلاً برأسه ليتظاهر بالنوم. و من يدري لماذا يزدحم هؤلاء العجائز في الحافلة في وقت مبكر جداً ، مما يجعل حياة الشباب أمثالنا صعبة ؟ أوه ، لقد كففت عن كوني شاباً ، فمنذ اليوم ، أُعتبر في منتصف العمر.
حين فكر في هذا ، شعر "لي تشنج " ببعض الحزن. "تباً ، لا أزال بلا إنجاز في هذه المرحلة من العمر ، حقاً خذلت نفسي ". وبحركة لا إرادية ، لمس المخطوطة في جيبه ، وبدت على وجهه مسحة من الإثارة ؛ فالحماس لم يهدأ في صدره بعد.
بعد ثماني محطات ، استعاد "لي تشنج " بعض حيويته ، وأجبر نفسه على الظهور بمظهر النشيط ، نزل من الحافلة وسار بضع مئات من الأمتار حتى وصل إلى مبنى الشركة ، وبدأ ينتظر المصعد. راح يراقب بصمت الواقفين حوله ، فلو لم يخض تجربة ليلة أمس ، لكان بعد سنوات واحداً من هؤلاء ، مثقلاً بقيود الحياة ، يؤدي عملاً روتينياً لا معنى له يوماً بعد يوم. ومع ذلك كان "لي تشنج " يدرك أن الكثيرين مثله تماماً ، مكرهون ومحاصرون في قبضة الحياة.
بعد شهر من الآن سيبدأ الفصل الدراسي الجديد.
"مهلاً يا أخ تشنج ، لمَ أنت سارح في أفكارك ؟ "
صوتٌ نقيّ بجانبه أعاد "لي تشنج " إلى الواقع ، فالتفت مبتسماً لمن نادته "صباح الخير ، لو روي ".
كانت موظفة الحسابات الجديدة في الشركة ، خريجة شابة ، مفعمة بالحيوية والنشاط ، وكثيراً ما كانت تأتي للحديث معه أو لطلب مشورته.
من الضروري الإشارة إلى طبيعة عمل "لي تشنج " الحالية ؛ فهو يعمل فنياً لصيانة النظم في شركة أدوية. وعلى الرغم من أن وظيفته لا تتطلب مهارات تقنية معقدة كالمبرمجين إلا أنها وظيفة لا غنى عنها لشركة تنمو وتتسع. سواء كان الأمر يتعلق بإعداد الشبكات ، أو صيانة الخوادم ، أو الأجهزة والبرمجيات المكتبية اليومية ، أو أتمتة نظم الشركة كان يتولى كل ذلك.
كان دوره هذا أشبه بـ "كل حفرة لها وتد " فإذا لم تشهد الشركة تغييرات جذرية ، ولم يكن لدى المرء طموحات كبيرة ، فإن المسار المهني يبدو واضحاً تماماً.