«نادني "غورنغ "... أو "ماليكيث " لا فرق عندي.»
توهجت عيناه الذهبيتان من تحت القلنسوة التي تواري وجهه.
«أنت ، يا من تسعى للوصول إلى "الموت المحتوم "... لن أسمح بأن يُسرق مني ثانيةً.»
بمجرد أن أنهى كلماته ، اندفع نحوه.
هز آرثر كتفيه بخفة ، وقال: «ظننتُ أننا ، بعد أن جلبتُ لك كل تلك "جذور الموت " قد نجلس لنتحاور.»
رفع "سيف القمر المظلم " عالياً ، ثم أردف: «يبدو أن لغة الحوار لم تعد مطروحة على الطاولة.»
تدفق ضوء القمر على طول الشفرة ، والتفت حوله هالةٌ من صقيعٍ قارسٍ يخترق العظام بينما كان السلاح يشحن طاقته. وما إن قلّص ماليكيث المسافة بينهما حتى باغتَه آرثر بضربةٍ من سيفه ، لتنطلق قذيفةٌ مقوسةٌ من ضوء القمر القاتم إلى الأمام.
بدت الضربة بسيطة ، لا تثير الريبة ، لكن غرائز ماليكيث صرخت محذرةً من خطرٍ محدق ، فاندفع بجسده جانباً. حيث اخترق القوسُ العمودَ القابع خلفه ، فانشطر الأخير بحدّة من قاعدته ، ولم يمنعه من الانهيار التام سوى قشرةٍ جليديةٍ جمدت أطرافه.
أظلم وجه ماليكيث ؛ فهذا "المُلطخ " أقوى بكثير مما كان يتوقع.
ابتسم آرثر متسائلاً: «ما بالك ؟ ألا تزال ترفض استخدام "الموت المحتوم " ؟»
بعد "ليلة السكاكين السوداء " غرق ماليكيث في ندمٍ لا يرحم ، فختم "رونة الموت " داخل جسده ، محولاً إياه إلى سجنٍ حيّ. زمجر بصوتٍ خافت: «... ليس بعد.»
ضرب بمخالبه الأرض ، لتنطلق خمس موجاتٍ صادمة بلونٍ أحمرَ قانيٍ يميل للسواد نحو آرثر. قفز آرثر مبتعداً ، لكن ماليكيث لم يكن ليتراجع ؛ إذ اقتلع صخرةً ضخمةً وقذفها نحو آرثر وهو في الهواء.
عدّل آرثر من وقفته ، وانطلق من فوق الصخرة ، ليقفز خلف خصمه. دون أن يلتفت ، ضرب ماليكيث الأرض مجدداً ، لتتطاير الشظايا في موجةٍ نصف قطريةٍ قاتلة ، مما أجبر آرثر على التراجع.
واصل ماليكيث هجومه ، يغرف من الحطام ويقذفه بسرعةٍ خاطفة ، بينما غرس آرثر سيفه في الأرض ، مشكّلاً حاجزاً أزرق صدّ به ذلك الهجوم العنيف. لم يتوقف الضغط ؛ مخالب ، أحجار ، ووتيرةٌ لا تلين.
زفر آرثر بعمق وقال: «كفى.»
حرر يده ، فظهرت "عصا الموت " وهتف: «مذنب أزور!»
اندفع سيلٌ من الضوء الأزرق العميق كأنه نجمٌ يهوي من السماء ، محطماً موجات المخالب ومفتتاً الصخور ، ليصطدم بماليكيث. ابتلع النورُ "الوحش " ودفعه إلى أقصى حافة القاعة ، وكاد يلقي به في الفضاء المفتوح خلفها.
نهض ماليكيث ببطء ، وقد تمزقت رداؤه ولم يبقَ منها سوى خرقٍ متدلية. كاد آرثر يشعر ببعض الحرج نيابةً عنه. و نظر ماليكيث إلى يده اليسرى ، حيث كان الختم الحجري المنغرس في ظهرها يتوهج بلونٍ أحمر خافت ؛ ذلك السجن الذي يحبس "الموت المحتوم ".
تمتم ماليكيث: «... أيتها الموت ، عودي لتكوني نَصلي من جديد.»
غرز خنجره في الختم ، فتدفقت طاقةٌ حمراء مسودة تتخللها خيوطٌ ذهبية عبر جسده. تلاشت الأسمال ، وحل محلها درعٌ ذهبيٌّ أسود ، مهيبٌ ومخيف. تحول الخنجر وتمدد ليغدو سيفاً عظيماً من حجرٍ أسود ، تلتف حول حافته قوةٌ حمراء وسوداء ، تتناثر منها شراراتٌ ذهبية.
إنه "الموت المحتوم ".
عند المقبض ، ظهر ثلمٌ واضح ؛ أدرك آرثر حينها أن جزء "المخلب التجديفي " قد استُلت من هذا النموذج تحديداً.
أرجع ماليكيث رأسه إلى الخلف وزأر. لم يستطع آرثر كبح جماح سخريته: «إذاً ، ذلك "ليس بعد " لم يكن سوى انتظارٍ لتغيير ملابسك ؟ ثم ألم يكن "الموت المحتوم " في الأصل ملكاً لـ "ملكة العيون الغسقية " ؟ منذ متى صار سيفك ؟»
لم يُجب ماليكيث ، بل اختفى ليعلو في الأفق ، ثم هبط كالصاعقة ، نصله ينهال للأسفل.
تلاشى آرثر في لحظتها. وفي اللحظة التي لمست فيها قدما ماليكيث الأرض ، غرز "الشفرة السوداء " في باطنها ، فتفتت نصف أرضية المعبد تحت وطأة "الموت المحتوم ".
راقب آرثر المشهد بهدوء ؛ فحتى بعد فك الختم ، ما زال ماليكيث مولعاً بتحطيم الصخور. فبعض العادات لا تموت.
التفت ماليكيث ملوّحاً بنصله ، لتتشكل عشرات ، بل مئات ، من الأقواس الحمراء السوداء ، ملتفةً في إعصارٍ حلزونيٍّ يمزق كل ما في طريقه نحو آرثر. لم يجزع آرثر ؛ بل اختفى مجدداً قبل أن يبتلع الإعصار المساحة التي كانت يشغلها.
لم تكن المعركة قد بدأت بعد.