**الفصل التسعون: مبارزةٌ جديرةٌ بالذكر**
«هوو...» زفر "غونغسون سو " بعمق ، محاولاً تهدئة روعه وهو يرتقي درجات منصة المبارزة. ولكن بذل قصارى جهده ليتصنع الهدوء أمام أقرانه في «قصر التنين الأبيض» إلا أن ارتباكاً مريباً كان يغزو أحشاءه.
«هو هو ، يا له من حشد!»
كانت الساحة مكتظة عن آخرها ؛ أدرك "غونغسون " أن معظم الحاضرين لم يلحظوا وجوده حتى ، لكن نظراتهم العابرة كانت تثقل كاهله ، لا سيما تحت حدقات الحكام الصارمة.
جزَّ "غونغسون " على نواجذه ، وأجبر ساقيه على صعود الدرجات ، حين تناهت إلى مسامعه همسات المتفرجين:
«أليس هذا هو الشيخ الذي نازل "تشو ماشينغ " قبل بضعة أيام ؟»
«أجل ، هو ذاته الذي ألحق به الهزيمة ، ثم غدر به ذلك الخاسر البائس.»
«أيها الشيخ! حظاً موفقاً!»
«أنت مذهل بالنسبة لسنك ، تذكرني بوالدي تماماً...»
«أرِ هؤلاء الصغار كيف يكون القتال ، أيها الشيخ!»
«جدي! أتمنى لك الفوز!»
دهش "غونغسون " من كثرة من يعرفونه ، بل إن بعضهم بادر بتحيته بحرارة. حيث كان المتفرجون من متوسطي العمر والشيوخ يهتفون له ، وكأنهم يرون في تجربته صدىً لحياتهم ، بينما كان الأطفال يلوحون له بحماس وهم متمسكون بأيدي ذويهم.
«هو هو...» ابتسم "غونغسون " وهو يشعر بتلاشي توتره. وبينما كان يمسح بصرُه الحشود ، التقت عيناه بعيني "بايك سوريونغ " الذي غمز له مطمئناً.
«شكراً لك ، » همس "غونغسون " وقد تعززت روحه بهذا الدعم وهو يخطو فوق المنصة.
في تلك اللحظة ، ظهر خصمه من الجانب الآخر ، مما أثار صيحات الذهول والهمس بين الجمهور.
«يا إلهي... إنه لشرفٌ عظيم أن أواجه رئيس مجلس الطلبة ، » قال "غونغسون " محيياً.
كان "دوكغو جون " النابغة الشهير في «أكاديمية التنين الأزرق» ، يقف واثقاً في الطرف المقابل ، يفيض وقاره وانضباطه من كل حركاته. سأله: «هل ترى أنه سوء طالع أن تواجهني ؟»
ضحك "غونغسون " وأشهر سيفه بابتسامة: «على العكس تماماً ، بل أعده ضرباً من الحظ السعيد ، فقد دعوت الاله أن أحظى بفرصة لمبارزتك ، » ثم اتخذ وضعية القتال.
كان صادقاً في كل كلمة ؛ فإذا كان لا بد من خوض قتال ، فقد أراد أن يكون ضد الأفضل ، كي لا يترك في نفسه حسرةً.
نظر إليه "دوكغو جون " ملياً ثم قال: «أعتذر منك أيها الشيخ ، لكني لا أظن أن مكانك هو أكاديمية التنين الأزرق.»
«أوه ؟»
لم تكن في نبرة "دوكغو " أي غطرسة أو استخفاف ؛ بل كانت عيناه صادقتين ولهجته محترمة ، مما أثار فضول "غونغسون ".
«هل هذا رأيك الشخصي ؟» سأله "غونغسون ".
«لا يا سيدي.»
«إذن ، لِمَ تقول ذلك ؟»
«بصراحةٍ متناهية ، تفتقر إلى الإمكانات التي تؤهلك للنمو كممارس الفنون القتالية.»
تجمد "نامغونغ جاهك " و "نوه غونسانغ " اللذان كانا يتوليان التحكيم ، من هول التصريح المفاجئ.
أما "غونغسون " فظل وجهه ساكناً دون انفعال: «أهذا ما تظنه ؟»
«هناك الكثير من الشباب الموهوبين ذوي المستقبل المشرق ، وهم الأحق بمقاعد الأكاديمية.»
«أتقصد أنني غير مؤهل بسبب تقدمي في السن ؟ وأن عليَّ إفساح الطريق للجيل الصاعد ؟»
«أعرف أمر دروسك الخاصة مع السيد "بايك سوريونغ ".»
«بالفعل ، » أكد "غونغسون " وقد باغته ذكر معلمه.
«أيها الشيخ ، ربما تكون ميسور الحال ومكتفياً في جوانب أخرى من حياتك ، فجئت إلى الفنون القتالية كمغامرة جديدة ؛ لكن بالنسبة لك ، هذا الاختبار مجرد تسلية أو هواية ، أما بالنسبة لهؤلاء الصغار ، فهو هدف حياتهم.»
«تتحدث وكأنك تعرفني جيداً.»
«لا أعرفك ، لكني أعرف من الأكثر يأساً بينك وبين هؤلاء الشباب المأمولين.» رفع "دوكغو جون " سيفه: «عليك مواصلة تدريبك مع معلم خاص ؛ فأكاديمية التنين الأزرق ليست مكاناً للهواة.»
«......»
«انسحب من الاختبار بعد هذه المبارزة.»
«ماذا ؟» ضيق "غونغسون " عينيه. فلم يكن يخطط للالتحاق بالأكاديمية بسبب استدعاء إمبراطوري مرتقب ، لكن هذا الاختبار كان تحدياً شخصياً لا يستهان به.
«...من قال إن اليأس يضمحل مع تقدم السن ؟» رد عليه وهو يشد قبضته على سيفه ويخطو للأمام: «أرفض عرضك. سأجتاز هذا الاختبار وأنتزع مكاني في أكاديمية التنين الأزرق.»
«......»
مع طول الحديث تملَّك المللُ الجمهور.
«بووو!»
«متى سيبدآن القتال ؟»
«أسرعا بالبدء!»
انتهى وقت الكلام ، فأنزل "دوكغو جون " سيفه وقال بنبرةٍ حاسمة: «سأمنحك ثلاث ضربات مجانية ؛ هذا هو الكرم الوحيد الذي يمكنني تقديمه.»
وعلى الرغم من أن كلماته كانت صدىً لما قاله "تشو ماشينغ " قبل أيام إلا أنها حملت وزناً مختلفاً على لسان "دوكغو جون ". لم تترك وضعية وقوفه أي ثغرة ، ولم يبحث "غونغسون " عن ثغرات ، بل اندفع مغلقاً المسافة وضرب بسيفه بسرعة ، بيد أن "دوكغو " صدها برفع سيفه دون أدنى مجهود.
*دفاعه صلبٌ كجدارٍ لا يُخترق* ، فكر "غونغسون " حين تلاقى السيفان.
«بقيت ضربتان ، » أعلن "دوكغو جون " وهو يرفع سيفه بدقة هادئة ، دون أن يظهر في عينيه غرور ، بل ثقةٌ مطلقة.
«هوو...» التقط "غونغسون " أنفاسه ، ثم تراجع بضع خطوات قبل أن يندفع ثانية.
*في الفنون الداخلية ، أنا صاحب اليد العليا ، لكن رغم ثقته ، فهو لن يتفادى ضرباتي* ، تأمل "غونغسون ". كانت الهجمة الأولى مجرد محاولة لتقييم قوة خصمه ، أما الآن فقد بدأ القتال الفعلي. طن سيف "غونغسون " مشحوناً بالطاقة ، يشق الهواء كشعاعٍ من نور.
وكما توقع لم يتفادى "دوكغو جون " الضربة ، بل تلقاها بسيفه محولاً مسارها ، وصدح رنين المعدن حين دار كلاهما مبتعدين ، مستخدمين الحركة لتخفيف قوة الضربة. حيث تموجت ثياب القتال ، وتصاعد الغبار من الأرض.
«بقيت ضربة واحدة ، » علق "دوكغو جون ".
«تلقَّ هذه أيضاً!» صرخ "غونغسون " مسرّعاً ضربته بتدوير خصره ومهاجماً "دوكغو " بقوة متجددة ؛ كانت أقوى هجماته على الإطلاق.
*طنين! طنين! طنين!*
تطاير الشرر مع تلاحم السيوف المتكرر ، مما أثار عاصفة صغيرة.
ثم بصوتٍ خفيض ، قفز "دوكغو جون " من الأرض معلناً: «تلك ثلاث ضربات. انتهى الأمر.»
راقب "غونغسون " صعوده ، ملاحظاً عدم وجود قطرة عرق واحدة على جبينه.
«احذر!» نادى "دوكغو جون " بتهذيب ، وسيفه ينقض في ضربة مستقيمة.
رفع "غونغسون " سيفه بكلتا يديه ليصد الضربة.
«آه!»
كان الوزن هائلاً ، وكأن "دوكغو جون " يستخدم مطرقة لا سيفاً. دفع "غونغسون " بكل قوته ، وارتجفت ساقاه وهو يتراجع خطوة للوراء.
«...مثير للإعجاب ، » أقر "دوكغو جون " وقد بدا عليه الذهول ، فقد توقع أن تنهي ضربته قدرة خصمه على المقاومة ، لكن الشيخ ظل صامداً.
بوجهٍ شاحبٍ لكن بابتسامة باهتة ، رد "غونغسون ": «لقد تدربت وكأن حياتي تعتمد على هذا. أليس هذا مبالغاً فيه بالنسبة لهواية ، ألا توافقني الرأي ؟»
دون سابق إنذار ، قلص "دوكغو جون " المسافة بطعنة قوية أرسلت "غونغسون " منزلقاً إلى حافة المنصة ؛ لو زاد قليلاً لسقط.
*سيفه ، مثل شخصيته ، مستقيم. لا خداع ولا حيل ، فقط قوة ومهارة* ، لاحظ "غونغسون ".
«مجدداً ؟» ارتجف حاجبا "دوكغو جون ". بما أنه لم يكبح جماح قوته ، فقد توقع دفع "غونغسون " خارج الحلبة ، ومع ذلك ولكن كان ينزف ، فقد ظل خصمه ثابتاً.
«هاه... مثير للإعجاب ، » قال "غونغسون " وهو يمسح الدم عن يده على الأرض ويشد قبضته على سيفه. حيث كان الألم حاداً ، لكنه تجاهله وابتسم لـ "دوكغو جون ": «الآن ، بدأ الأمر يصبح ممتعاً.»
«......»
«هذه المرة ، سأبدأ أنا بالهجوم ، » أعلن "غونغسون ".
ومع ذلك لم يتغير مجرى المعركة ؛ هاجم "غونغسون " فصد "دوكغو " وتعثر "غونغسون " للخلف محاولاً الحفاظ على قبضته على سيفه. وكلما كاد يسقط كان ينهض بقوة الإرادة ويهاجم مجدداً.
«لماذا لا تستسلم ؟» سأل "دوكغو جون " بحيرة. حيث كان يستخدم "سيوف "دوكغو " التسعة " وهي تقنية تشتهر بسحق الخصوم ، لكن "غونغسون " لم يظهر أي خوف رغم حالته المزرية.
«لأنني ، أنا أيضاً ، يائس ، » أعلن "غونغسون ".
توقف "دوكغو جون " منذهلاً. حيث كان يظن أن الفنون القتالية مجرد تسلية له ، لكن رؤية كفاح الشيخ المحموم جعلته يدرك مدى خطئه. «أتراجع عما قلته سابقاً ، » أقر أخيراً.
«همم ؟» رفع "غونغسون " حاجبه.
انحنى "دوكغو جون " المعروف بعناده ، وأردف: «أعتذر. ولأكفر عن خطئي ، سأريك أفضل تقنياتي.»
ضحك "غونغسون " رغم أن العرق كان يتصبب من جبينه ويداه ترتجفان: «لا تبدو هذه أخباراً سارة لي ، ولكن تفضل ، سأواجهك بكل ما أملك.»
أومأ "دوكغو جون " ولوح بسيفه ؛ للحظة ، شعر "غونغسون " وكأن الشفرة الضخم يملأ رؤيته بالكامل.
*مثير للإعجاب* ، أعجب بذلك حتى وهو يلوح بسيفه بكل قوته. تلاقى سيفه مع سيف "دوكغو " لكنه سرعان ما غُلِب. ببطء ، وكأن المشهد في تصوير بطيء ، انشطر سيف "غونغسون " إلى نصفين.
*صدع!*
نظر "غونغسون " إلى النصف المتبقي من سيفه بابتسامة حلوة-مرة ، ثم انحنى قليلاً وقال: «هو هو ، لقد خسرت.»
انفجر الجمهور بالتصفيق والهتاف ، لكن "غونغسون " بالكاد كان يسمعهم ؛ فقد استحضرت مخيلته صور المحاربين الشباب الذين طالما أعجب بهم.
«كانت مبارزة جيدة ، » أقر "دوكغو جون " وهو يرد التحية.
«كانت كذلك بالفعل. لن أنسى ما حدث اليوم أبداً ، » رد "غونغسون " وهو ينظر إلى السماء.
تجمعت غيوم داكنة تنبئ بمطرٍ وشيك ، وبدا العالم من حوله يغدو ضبابياً.
وهكذا انتهت مغامرة قصيرة لمقاتلٍ مبتدئ في الخامسة والستين من عمره.
[استعد.]
في تلك اللحظة ، تحرك القتلة في آنٍ واحد.