الفصل العشرون: الموت وعرشٌ لا مفرَّ منه
ارتطم ليون بالأرض بقوة ، وسرت موجاتٌ من الألم في جسده ، مزلزلةً عظامه وطاردةً أنفاسه من رئتيه. انبعثت منه أناةٌ مكتومة وهو يتقلب على جانبه ، يسعلُ مرةً قبل أن يُجبر نفسه على النهوض مرتكزاً على ركبتيه. حيث كان كل جزءٍ في جسده يعاني ، وكل مفصلٍ فيه يصرخ احتجاجاً ، لكن الألم سرعان ما تراجع ليحلَّ محله شيءٌ أكثر سوءاً ؛ سكونٌ وصمتٌ غير طبيعي يضغطان عليه ككتلةٍ من الرصاص.
"آرغ!! "
ارتطام.
لم يتمالك نفسه ، فانطلقت صرخةٌ مفعمةٌ بالألم من فمه.
استقام ببطءٍ وأخذ يتلفتُ حوله ، مدركاً أن هذا المكان ليس جزءاً من الكهف أو القبو. ثمة خطبٌ ما ؛ فالأحجار تحت كفيه كانت ملساء وباردة ، مصقولةً ببراعةٍ تخرج عن نطاق الطبيعة. الجدران مستقيمة ، نظيفة ، ومتناظرة ؛ تكاد تكون عقيمة في تصميمها. حيث كانت مشاعل زرقاء تطفو في الهواء بلا دعامات ، مجمدةً في منتصف تذبذبها وكأن الزمن نفسه أبى أن يمضي في هذا المكان. و امتدت على الجدران ستائر سوداء ، نُقشت على كلٍ منها فنونٌ ورموزٌ ملتوية تبدو وكأنها تصرخ بلا صوت ، بتصاميم مشوهة ووجوهٍ غارقة في عذابٍ أبدي.
ثم رآه.
العرش.
ارتفع من الأرض كجرحٍ غائر ، مشكلاً من العظام والحديد الأسود وحجر السِّج ، وكل حافةٍ فيه صُممت لتثير الألم.
وعلى ذلك العرش ، جلس كيانٌ جعل ليون يحبس أنفاسه.
كان ثمة شيءٌ هناك ؛ بشريّ الهيئة ، لكنه بكل تأكيد ليس من البشر. حيث كانت وضعية جلوسه مسترخية ، ساقاه متقاطعتان ، وظهره مستندٌ إلى العرش بدلالٍ ورفاهية ، لكن حضوره جعل جلود ليون تقشعر. بدا جسده كأنه نُحت من السِّج والزجاج المكسور ، حيث كان الضوء يومض داخل شقوق بشرته. حيث كان الوجه متناظراً وجميلاً بأسلوبٍ مريب ؛ حادّاً أكثر من اللازم ، ومثالياً أكثر من اللازم ، وكان يبتسم. لم تكن ابتسامةً دافئة ، بل كان يراقب فقط ، وكأنه كان ينتظره.
تجمد ليون في مكانه ، عاجزاً عن النطق أو الحركة. و شعر بنظرات الكائن تستقر عليه ، ثقيلةً ودقيقة ، وكأنها تشرحه في عقلها. حيث كانت هناك مطرقةٌ ضخمة تستند إلى جانب العرش ، تضاهي ليون في طوله ، بحوافٍ ملتوية ومشرشرة كأنها شُكلت بنيران الغضب. حيث كانت تبث نبضاً خافتاً ، بطيئاً ومستقراً ، كأنه قلبٌ ثانٍ يخفق في الغرفة.
تُب.. تُب.
شعر ليون بذاك النبض يضغط على صدره ، ثقيلاً ومخنقاً ، كتحذيرٍ غريزيّ جعل أحاسيسه تصرخ. قبضت أصابعه على مقابض خناجره ، لكن حتى وهو يمسك بها ، بدت كأنها ألعابٌ طفولية لا نفع منها أمام كيانٍ كهذا.
لو كان يعلم ما الذي ينتظره في نهاية ذلك الممر الخفي ، لما أقدم على القفز قط. لم تكن هناك مخارج هنا ؛ لا أبواب ، لا أنفاق ، لا مفر. هو فقط ، والعرش ، والكائن الذي يراقبه في صمت.
ما زال يبتسم.
لم يتحرك. لم يتكلم. و لكن ليون كان يشعر بتركيز الكائن عليه كحدِّ سيفٍ يطبق على عنقه. لم تكن هذه غرفةً للقتال ، بل كانت غرفةً للموت. حيث كان كل عصبٍ في جسده يصرخ طالباً منه الهرب ، لكن لم يكن هناك مكانٌ يذهب إليه. وحتى لو كان لديه خيار لم يكن واثقاً من أن ساقيه ستطيعانه. فلم يكن هذا خوفاً يمكن نفضه ؛ بل كان خوفاً عميقاً وبارداً ومألوفاً. و من النوع الذي لم يشعر به منذ اليوم الذي مات فيه.
أدرك أنه لا يستطيع الانتصار ؛ فالحظوظ هنا لا تعني شيئاً.
لكن جسده تحرك رغم ذلك. خطوة ، ثم أخرى. حتى وقف منتصباً ، ركبتاه متصلبتان ، وخناجره مشهورة. فلم يكن بوسعه الهرب ، لذا سيقاتل. لا يهم مدى يأس الموقف ؛ عليه أن يحاول ، عليه أن ينجو. حتى لو عنى ذلك المراهنة بكل شيءٍ في خطوةٍ انتحارية كان لزاماً عليه أن يتحرك.
ثم دون صوتٍ أو إنذار ، تلاشى الكائن.
لم يرمش لم يتحرك - اختفى ببساطة. و في لحظةٍ كان هناك ، وفي اللحظة التالية لم يعد موجوداً. ظلت المطرقة تستند إلى العرش كما هي لم يلمسها أحد. و لكن الكائن ؛ رحل. لم يرفع ليون عينيه عنه ، ولم يرمش. لم يندفع بسرعةٍ ولم ينتقل آنياً. و لقد توقف عن الوجود أمام عينيه ببساطة.
ومع ذلك لم يتلاشَ الضغط في الغرفة. حيث كان ما زال هنا ، في مكانٍ ما ، يراقب ، مختبئاً في وضح النهار.
ولأول مرة في حياته ، أكثر من أي جوعٍ أو ألمٍ تحمله لم يرد ليون أن يُرى. ليس هكذا. ليس بواسطة هذا الشيء.
لكن الأوان كان قد فات. و لقد لاحظه الكائن.
وأياً كان ما سيحدث ، فقد بدأ بالفعل.
لم تأتِ الضربة الأولى مصحوبةً بصوت ، بل جاءت مصحوبةً بالألم.
تكسُّر!
اصطدم به شيءٌ من جانبه بقوة جبلٍ ينهار ، وتردد صدى تهشم أضلاعه في الغرفة. فرغت رئتاه في شهقةٍ منكسرة وهو يطير في الهواء ، مصطدماً بالجدار بقوةٍ شقت الصخر.
دويّ!
انفجر الدم من فمه بينما ارتطم ظهره بالسِّج ، وتهالك جسده كدميةٍ محطمة.
ارتطام.
لم يستطع التنفس. و شعر وكأن جانبه الأيمن لم يعد موجوداً. ليس مبتوراً ، بل محطماً. الأعصاب متداخلة ، والعظام مهشمة. ومع ذلك كان ما زال حياً.
لماذا ؟
لماذا لم يمت بعد ؟
عيناه اللتان غشاهما ضبابٌ أحمر ، التقطتا حركةً مجدداً ؛ لا انتقال آني ، بل سرعةٌ محضة. حيث كان الكائن جاثماً بجانبه ، يميل رأسه كأنه وجد في حاله ما يثير التسلية. حيث مد يده ، أمسكه من ساقه ، ورطم به الأرض.
تحطيم!
ثم مرةً أخرى.
تحطيم!
ومرةً ثالثة.
تحطيم!
مراراً وتكراراً.
فقد الألم معناه ، وتحول إلى موجةٍ لا تنتهي من العذاب. لم يستطع الصراخ ، فقد كانت رئتاه قد دمرتا.
ثم توقف.
تركه الكائن ، أسقطه بلا اكتراث ومشى بعيداً كأنما أصابه الضلال.
طقطقة... طقطقة...
كانت أطراف ليون تنتفض حيث استقرت ، مثنيةً في زوايا لا ينبغي أن تكون عليها. إحدى يديه رفضت الانقباض ، وكاحله كان ينبض في الاتجاه الخاطئ.
ولم ينتهِ الأمر بعد.
كان الألم فوق طاقة التحمل ، شعر بأنه قد يبكي في أي لحظة ، لكنه تجلد.
التفت الكائن وعاد إليه. لم يضربه بقوة ، بل قلبه بركلةٍ خفيفة.
ارتطام.
اصطدم بعمودٍ قريب ، سعل المزيد من الدم ، وفقد بعضاً من أسنانه في هذه العملية.
رنين...
جثم الكائن مجدداً ، نظر إليه ، ودون أن يفتح فمه ، أطلق هديراً خافتاً ، لكنه شعر وكأن عقله قد استقبل كلمةً تشكلت لتضرب مثل المطرقة.
"مثيرٌ للشفقة. "
تباطأ نبض قلبه ، وغامت رؤيته. حيث كان يحتضر.
والكائن لم يكترث.
راح يطوف حوله كطفلٍ يلهو بلعبةٍ محطمة ، يؤلمه بما يكفي ليبقيه واعياً ، بما يكفي ليجعله يشعر بكل لحظة. لم تكن الضربات عشوائية ؛ بل كانت متعمدة ، منهجية ، وقاسية. فلم يكن يحاول قتله ، بل كان يحاول محوه ، قطعةً تلو الأخرى.
تدلت ذراعٌ كأنها ميتة ، والأخرى كانت مهشمة. ساقاه لم تعودا تستجيبان ، ورأسه بات ثقيلاً جداً. وحدها عيناه كانتا تعملان.
واستقرتا على العرش.
كان الكائن قد عاد إليه ، ساقاه مطويتان ، ووضعيته أنيقةٌ كما كانت ، وكأن شيئاً لم يحدث. اتكأ إلى الخلف ، وامتزج شكله ببروز العرش ، بينما ألقت النيران الزرقاء ظلالاً حادة على هيئته. ثم ابتسم مجدداً ، هادئاً وبعيداً ، وعيناه مسمرتان على ليون كمتفرجٍ يشاهد اللحظات الأخيرة لعرضٍ يحتضر.
أمعن ليون النظر إليه.
بلا صراخ. بلا كلمات.
فقط أنفاسٌ متقطعة.
هشش... هشش... هشش...
وفكرةٌ واحدة ارتفعت فوق الألم:
إنه لا يريد أن يموت هكذا.
لا كلعبة. لا كضحية.
لقد جاء ليعيش.
لا ليتلاشى.