الفصل 187: الضربة القاضية
عاد "ليون " إلى داخل البعد الزمكاني ، ليجد الدمار يحيط به من كل جانب. حيث كان كل شبر ضمن نطاق مائة كيلومتر قد تحول إلى حطام ؛ فالأرض لا تزال تلفظ حرارتها ، والصدوع تملأ الأرجاء. و لقد كان مشهداً للخراب التام. و شعر بضربة حظ لكونه ما زال على قيد الحياة.
وعلى الرغم من هول الدمار ، ارتسمت ابتسامة على وجهه حين رأى النقوش الذهبية القديمة تتشكل حوله ، وقد تضاعف عددها عما كان عليه من قبل. حيث كانت الحروف الذهبية تطفو في الأجواء كأنها سماء تضج بفراشات سماوية ، في مشهد يخطف الأنفاس. و لكن ما زاد من غبطته هو إدراكه أنه سيصبح أقوى من ذي قبل.
هذه المرة لم يكن هناك برق يندفع ليتلاشى في جسده ؛ بل انطلقت مئات الحروف القديمة لتغرس نفسها مباشرة في كيانه. حيث كانت تبدو وكأنها رماح من ضياء الشمس تنغرس في عضلاته ، تحرق جلده حتى كاد يصرخ من شدة الوهج. لم يدرِ "ليون " ما الذي يحدث في أحشائه ، لكن ألماً سعيراً اجتاح كيانه بأكمله. حتى هو الذي ظن أنه اعتاد على الألم ، وجد هذا العذاب غير محتمل. تسللت آلام مبرحة عبر عموده الفقري ، وتغلغلت في جمجمته حتى تهاوت كل أفكاره تحت هذا الضغط.
"آآآرغ! "
كزَّ على أسنانه ، ولم يكن أمامه سوى الصمود بينما كانت الحروف القديمة تندمج مع مسامه. حيث كانت عضلاته تتلوى تحت جلده ، وعظامه وأنسجته وخلاياه ؛ كل شيء كان يتحول إلى جوهر آخر تماماً. حيث كان هذا التحول في مستوى يفوق ما سبقه ؛ فقد صار جسده محمراً ، وتصاعد منه البخار من شدة الحرارة.
لقد صمد حتى النهاية. استمر الأمر لخمس دقائق كاملة ، وبعد أن انقضت ، شعر أنه في أفضل حالٍ على الإطلاق. حيث كانت القوة التي تفيض في عروقه طاغية ؛ وأدرك أنه بلغ مستوى مغايراً تماماً.
*بوسعي الآن قتال التنين وجهاً لوجه بقوتي الجسديه الحالية.*
وهذا يعني أنه صار أقوى بمئات المرات ، فهو الذي لم يكن قادراً من قبل على حتى الانتقال الآني قبل أن يسحقه التنين كأنه كومة من القمامة.
وبينما كان يرمق سحابة الرعد الرمادية الضخمة ، تجهم وجه "ليون " وجعله أزيز البرق يدرك أن عليه الاستعداد للضربة التالية.
لقد نجا "ليون " من الضربة الثالثة عشرة والرابعة عشرة حتى حين تلقاهما ، إذ لم يكن الثقب الأسود قادراً على ابتلاع تلك الكمية الهائلة من الطاقة. و لقد استمر الأمر لبرهة قصيرة ، وهي فترة لم يكن يملك أي سيطرة عليها.
الآن لم يعد يرى نهاية للسحابة الرمادية المشؤومة في السماء. حيث كان التفاوت في الحجم بينها وبين التنين مذهلاً. فلم يكن الأمر يبدو كأنها الضربة الخامسة عشرة ، بل كأنها الخمسون.
*أيُّ وحشٍ كاسرٍ هذا الذي سيخرج من هذه السحابة الجحيمية ؟*
استعد "ليون " بتزويد مخزونه بعشرين إكسيراً إضافياً وجرعات طاقة. حيث كان ينوي الاكتفاء بعشر ، لكنه حين رأى حجم السحابة ، اشترى عشرين أخذاً بالحيطة. حيث تمنى لو يتسنى له الوقت لتصفح المزيد من الأغراض ، لكن الوقت كان يداهمه ؛ فلم يكن يعلم متى ستأتي الضربة ، ولم يكن ليملك فرصة لرمشة عين قبل أن يلقى حتفه. ومع ذلك كان "سيف الحدة الميسرة " في يده ؛ فقد علمته المعركة السابقة أنه ليس عليه الدفاع فحسب ، بل يمكنه الهجوم للبقاء حياً.
حبس البعد الزمكاني أنفاسه بأسره.
——
حتى تلك الجميلة ذات الشعر الأبيض التي بدت كبشرية بملامح مميزة كانت تحبس أنفاسها أيضاً. وما أدهشها أكثر هو حقيقة نجاته من التنين. حيث كانت تدور في خلدها هواجس كثيرة عما يواجهه ، لكنها كانت تعلم يقيناً أنه حتى لو قررت تفجير قلب طاقتها والهرب ، فلن تملك شيئاً لتعينه به. فلم يكن بوسعها سوى الدعاء لنجاته من هذه المعركة غير المتكافئة.
لم تكن هذه الظاهرة تشبه أي محن اضطروا لتحملها عند بلوغ رتب عليا في الزراعة الروحية ، بل كانت أقرب إلى حكم بالإعدام. لم تستطع حتى تخيل أي شخص آخر غيره نجا إلى هذا الحد في هذا الكون الذي رأته.
*اصمد يا سيدي. لا يمكنك الموت هنا. أمامك الكثير لتحققه بفضل موهبتك. قدرك لا يمكن أن ينتهي هنا.*
——
حدق "ليون " في السحابة بتركيز شديد ، لكنه لم يرَ وحشاً عملاقاً آخر يتكثف لمواجهته ، ولا سلاحاً ضخماً يسعى لمحو وجوده. وللحظة ، ظن أن السحابة قد تتلاشى ، إذ كان الوقت يمضي - فقد تجاوز الأربع ثوانٍ المعتادة للهجوم.
وفجأة ، تضيق عيناه الغامضتان ، ولمح في السماء كياناً ذهبياً صغيراً.
*ما هذا ؟ لا يمكنني الرؤية بوضوح من هنا.*
لكن "ليون " لم ينتظر طويلاً ليرى بوضوح. و في اللحظة التالية ، تلاشى الكيان الذهبي من السماء ، وفجأة ، صرخت غرائزه محذرة. وفي أقل من جزء من الثانية ، تراجع "ليون " للوراء. حيث كان في أقوى هيئاته ، قابضاً على "سيف الحدة الميسرة " مستعداً لإطلاق غضبه على أي شيء يخرج من السحابة.
دون تفكير إضافي ، انطلقت هالاته الثلاث وغلفت الشفرة. غنى الجليد ، وفرقع البرق ، وصرخت الرياح - ثلاثة أصوات تجتمعت في تناغم مميت.
ثبَّت عيناه على الكيان البشري ذي الدروع الذهبية الذي يبلغ طوله اثني عشر قدماً ، والذي وقف على بُعد خمسين متراً منه. فلم يكن يتحرك لسبب ما ، بل كان يواجهه واقفاً بصمت. و لكن "ليون " لم ينخدع بذلك ؛ فلم يكن بوسعه محاولة الحديث معه بينما صرخت غرائزه بخطر الكيان - وخاصة نية القتل التي كانت تضغط على ذهبه.
إذا لم يكن هذا الشيء حليفاً أو مكافأة ، فهو أشبه بإله دمار يتمتع بكبرياء التنين الذي سبقه.
*أعطني الفرصة وسأحولك إلى خردة ذهبية كما تستحق.*
دون تحفظ ، وبقوته الجديدة العميقة ، استخدم "ليون " مهارته الأسطورية "قاطع السماء ". كانت ضربة خاطفة بالسيف. و لقد توقع هجوماً مدمراً يمحو كل ما في طريقه. ومع ذلك كان الدمار حاضراً ، وبدا الهجوم مختلفاً تماماً.
رأى "ليون " ذلك الشق الأسود الضخم يمزق الفراغ ذاته في مساره ، شقٌ مزق الواقع بصوت يشبه تمزيق الحرير تحت وقع الرعد. ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه "ليون ". شعر أن هذه ستكون نهاية ذلك العملاق البشري الذهبي الذي لم يُرَ وجهه ، بل طمرته الدروع الذهبية البراقة.
*لطالما حاولت استخدام عنصر الفضاء لتشكيل هجوم يمزق الفراغ وكل ما في طريقه ، لكنني لم أنجح قط ، ولم أشعر يوماً أنني أقترب من ذلك.*
لكن ، وبشكل غير متوقع ، حقق ذلك دون قصد خلال هذه المعركة ، بفضل قوته الجسديه الجديدة مقترنة بأقوى هيئاته وضرباته. حيث كانت النتيجة حتمية في نظره - أن ذلك المعدن الذهبي سيقطع إرباً. لم يحاول ذلك "الأحمق " حتى التحرك. و لكن الأمر لا يهم ، فالهجمة كانت أسرع من أن تُصد.
كان "ليون " يفكر بالفعل في مدى قوته حين تأتي المكافأة التالية بعد هذا النصر ، بابتسامة واسعة على وجهه. ولكن بعد ذلك ومن العدم ، صدر صوت غريب من العملاق الذهبي الذي يفوقه حجماً بمرتين لم يكن ليون يفهم منه شيئاً. تغلغل الضجيج إلى جمجمته كإبر جليدية ، وكل مقطع لفظي مبهم كان يضغط بعمق حتى غامت رؤيته.
أحس بضبابية في عينيه للحظة ، وطنين في عقله ، وشعر بسخونة في أذنيه.
*ما الذي يحدث ؟*
حتى مع رؤيته الضبابية ، شهد مشهداً مستحيلاً - مشهداً لم يرد حتى تصديقه.
*كيف يمكن لشيء كهذا أن يكون ممكناً ؟*
تجاهل الدم النازف من أذنيه ، والذي أصدر أزيزاً على الأرض المحترقة. وحين ثبتت عيناه على العملاق بذعر ، تلاشت أقوى ضرباته في الهواء كأنها لم تكن موجودة قط ، ممسوحة بصوت غريب أصدره العملاق.
*لا! هذا مستحيل... ما الذي يحدث... هذا لا يمت للمنطق بصلة.*
لم يستطع "ليون " التفكير حتى فيما يجب فعله. حيث كانت هذه ضربته القاضية ، وقد اختفت للتو - والعملاق لم يتحرك قيد أنملة. كيف له أن يتقبل واقع أنه يجب أن يقاتل هذا الوحش ؟ بدا كل شيء يائساً الآن. لم يعتقد أنه قادر على الإفلات من الوحش الذي ظهر أمامه من العدم.
*ماذا عن مغادرة البعد الزمكاني...*
لكن بعد لحظة تفكير ، أدرك أن ذلك لن يجدي نفعاً ، فذلك الحضور المشؤوم كان يتبعه كـ "الطاعون ". والموت الذي أمامه كان نتيجة ذلك الطاعون - وسيتبعه أينما ذهب.
*النظام! أجل!! أجل! النظام بالتأكيد سيملك شيئاً يعينني. لا يهم كم سأخسر من "السببية " - عليّ فقط قتل هذا الشيء أو محاصرته بطريقة ما.*
في عقله ، نادى "المتجر الكوني ". لم يكن العملاق يتحرك من مكانه ، بل وقف هناك يراقبه ، وسيفه العملاق في غمده عند خصره. لم يدرِ "ليون " إن كان ذلك كبرياءً أو غروراً من العملاق ، لكنه كان سيستغل كل ما في وسعه.
انفتحت واجهة المتجر أمامه ، وكان على وشك البحث عن أغلى الأسلحة والكنوز الدفاعية. ولكن قبل أن يفعل شيئاً ، هاجمه صوت غريب آخر. تشوشت رؤيته مجدداً ، وشهد واجهة "المتجر الكوني " أمامه تتناثر كأنها زجاج مهشم. ذابت كل قطعة في ضجيج ساكن ، وتلاشت آخر شرارة أمل مع صوت فحيح خافت.
أظلمت تعابير وجهه - وضاع آخر بصيص أمل كان باقياً في عينيه الغامضتين.
*حتى النظام قد اختفى... أنا أقف هنا ولا أملك شيئاً... هل هذه هي النهاية...*