الفصل 185: تنين الدمار - 2
ظنَّ ليون أنَّ التنين في أعالي السماء قد تجاهل استفزازاته ، لكن ظنَّه لم يكن في محلِّه ؛ بل كان أبعد ما يكون عن الحقيقة.
بعد أن تثاءب التنين ، حدَّق بعينيه مباشرةً نحو ليون. و تدفقت طاقته الهائلة ، لكن بالنسبة لهذا المخلوق البائس القابع أمامه كان ليون أضعف من أن يستحق عناء هبوطه شخصياً ؛ لذا قرر التنين القضاء عليه وهو ما زال يطفو في كبد السماء. فتح التنين فاه ، وبدأت كمية فلكية من البرق الذهبي تتجمع أمامه ، مشكِّلةً كرةً تزداد حجماً بمرور اللحظات.
ارتعدت فرائص ليون حين تجاوز مستوى الطاقة ذلك الذي كان للسيف السابق ، فحدّث نفسه "لقد واجهت الموت من قبل ، لكنني لم أرَ قطُّ ما يبدو يقيناً كهذا. حتى ذاك السيف لم يبعث فيَّ شعوراً بالنهاية كهذا الذي أشعر به الآن ". سارع ليون للعمل على خلق ثقب أسود لصدِّ الهجوم ؛ فقد كان ذلك رهانه الوحيد.
"آآآرغ! " دفع بنفسه إلى أقصى حدوده ، فذلك الهجوم الوحشي قد يباغته في أي لحظة.
انطلق شعاع هائل من الطاقة المحضة مخترقاً الأجواء بصوتٍ مدوٍّ كالرعد ، بسرعةٍ فاقت التصور. وفي اللحظة الأخيرة قبل أن يمحوه الهجوم ، اكتمل الثقب الأسود. وعلى عكس ما حدث مع السيف ، وبفضل تحكُّمه الاستثنائي تم امتصاص الهجوم بالكامل داخل الثقب. لم يُصَب ليون سوى بحروقٍ طفيفة قبل أن يلوذ بالفرار إلى مسافة آمنة ، تلك الحروق لم تكن إلا أثراً للطاقة الهائلة التي احتواها الهجوم. وبخلاف ذلك كان بخير تماماً ، بفضل التوافق بين ثقبه الأسود وذلك الهجوم.
اختلجت حاجبا التنين الذهبيان للحظة ، لكنه لم يغضب ولم يندفع للهجوم. و بدلاً من ذلك أصدر نخرةً من أنفه المتخيَّل ، وبدأ في توليد زفيرٍ مدمِّرٍ آخر. بيد أن تراكم الطاقة هذه المرة كان أسرع بكثير.
ارتجف جسد ليون كاملاً من الذعر ، فقد أيقن أنَّ نهايته قد حانت ، فكر في نفسه "لا يمكنني خلق الثقب الأسود بهذه السرعة. سأموت. حيث يجب أن أجبره بطريقة ما على مهاجمتي عن قُرب ، وإلا فقد انتهى أمري. حيث يبدو أن استفزازي السابق قد أتى بثماره ؛ يجب أن أُثير غضبه بما يكفي ليهبط إلى هنا حتى أتمكن من جعل المصدر لكل شيء -التنين نفسه- يختفي ".
أخذ نفساً عميقاً ، ودعا في سره أن تنجح خطته.
"أيها السحلية الطائرة الملعونة! هل أنت خائفٌ حقاً من مواجهتي وجهاً لوجه ؟ "
"لا أرى أمامي سوى سحلية جبانة ذات أجنحة! "
"اجمع شجاعتك وقاتلني نِداً للند ، أيتها السحلية الجبانة! "
وعندما سمع التنين تلك الكلمات من كائنٍ أضعف منه بكثير ، أغلق فاه فجأةً ، متوقفاً عن الهجوم. تبدَّلت الهالة المحيطة به تماماً ، وكأنه سمع ما لا يمكن التغاضي عنه أبداً.
"زوووووووووئير!!! "
أجبر هذا الزئير المزلزل ليون على التقهقر خطوتين للخلف بفعل ضغطه الهائل وحده. "تصرخ كل غريزة في داخلي بأن أركع... لكنني أفضِّل الموت واقفاً ". وعلى الرغم من خوفه ، تفتَّح شعورٌ بالحماس بداخله ، فهذه كانت فرصته للتعامل مع ذلك الوحش.
رفرف التنين بجناحيه. حيث كان ليون قد اتخذ بالفعل أقوى أشكاله ، لذا لن يلقى حتفه من ضربةٍ واحدة ؛ وعلى أقل تقدير كان بوسعه المراوغة. وبينما شرع في تشكيل الثقب الأسود ، رفرف التنين بجناحيه مرةً واحدةً باتجاهه. ثبَّت ليون عينيه الحادتين عليه ، مستعداً للتحرُّك.
ورغم ضخامة حجمه ، تلاشى التنين من السماء. و شعر ليون بحضورٍ هائلٍ ضمن نطاقه ، بفضل إدراكه المكاني.
"تباً ، لقد وقعت في الفخ ".
اقترب الشكل الضخم من جسده الصغير. بالكاد تمكن من الانتقال آنياً إلى مسافة بعيدة بينما كان يغطي جسده بيديه لصدِّ الهجوم. لم يبتعد بما يكفي ؛ إذ لامس مخلب التنين جسده.
"تـشـقـق! " تكسرت أضلاعه كزجاج هش تحت وطأة الضربة ، وضاع الصوت وسط زئير التنين المتواصل. "تلقيت ضربات من قبل ، لكن ليس كهذه. و هذا ليس مجرد ألم ، إنه من النوع الذي يسعى لمسح وجودك تماماً ".
عندما ظهر مرة أخرى على مسافة بعيدة ، قُذف جسده كحجرٍ يتخطى سطح الماء ، حيث كان كل اصطدام يحفر فوهةً جديدة في الأرض حتى ارتطم بصخرة نصف مدفونة تهشَّمت تحت وطأة القوة. تهرَّست عظام يده تماماً ، وتهشم صدره بفعل قوة ضربة التنين.
ترك خلفه مساراً من الدمار يمتدُّ لمئات الأمتار قبل أن يتوقف ، والدم يسيل من فمه. بالكاد تعافى بفضل التأثير المتبقي للإكسير ، فقط ليجد المخلوق فوقه مجدداً.
أصابته ضربة أخرى في جانبه ، بالكاد تمكن من صدِّها ، وقذف به ذلك الهجوم من جديد عبر الأرض ، وكل اصطدام يحفر فوهة جديدة في التراب حتى ارتطم بصخرة تهشَّمت تحت القوة.
"زوووووووئير! "
بدلاً من أن يشعر التنين بالرضا عن التلاعب بمن أهانه ، ازداد غضباً لأن هذا الكائن الضعيف لم يمت بعد. استمر الهجوم العنيف ؛ فكل ضربة كانت تديره في الهواء كأنه ورقة شجر في إعصار ، حيث غدا العالم مزيجاً ضبابياً من السماء والتراب والوميض الذهبي قبل أن تباغته الضربة التالية. وفي كل مرة يرتطم فيها بالأرض ، تنشق الصخور وتنفجر الأتربة نحو الأعلى ، تاركةً ساحة المعركة مليئة بالندوب الأخاديد العميقة والصخور المحطمة.
كان تأثير الإكسير يتلاشى ، واضطر لاستخدام عنصر الحياة الخاص به لشفاء نفسه فقط ليجنب الموت من الضربة الثانية. "هذا غير عادل بالمرة... كيف لي أن أنتصر على هذا الوحش ؟ ". ومضت هذه الفكرة في ذهنه ، لكنه تجاهلها "لا يمكنني قبول ذلك. لن أموت هنا ، ليس بهذه الطريقة. سأنجو ".
لم يسعه الوقت حتى لتجرع الإكسير ، لكن إرادته أبت الاستسلام ، فدفع عقله جسده إلى أقصى طاقته. تجسَّد إكسيرٌ من حقيبته ، وحاول استخدام عنصره المكاني للتلاعب به. ومع ذلك قُذف مجدداً إلى الجانب ، وأضلاعه تصرخ ألماً والدم يملأ فمه. و سقط كومةً هامدة ، وذاق طعم النحاس الحاد في فمه ، بينما خنق الغبار رئتيه.
وقف بالكاد ، مستخدماً عنصره ومنفقاً المانا كأنها ماء. تكررت الدورة نفسها خمس مرات متتالية. وفي المحاولة الخامسة ، ولم يتبقَّ له سوى ربع المانا ، نجحت الخطة.
شعر ليون بالسائل المر والدافئ ينسكب مباشرةً في فمه ، وغمرت رائحة الأعشاب حواسه. تجرَّعه بالكامل ، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة "أخيراً... الآن لنرَ إن كنت سأجعلك تندم على تركي حياً ".
هذه المرة لم يكن ليُقذف بلا حول ولا قوة ؛ فبين ضربات التنين تمكن من استجماع وقفته. التئمت جراحه ، وشرب جرعة المانا ليعيد ملء مخزونه. للحظة ، ذُهل التنين ؛ فالبشر ما زالون واقفين بعد ضرباته. ومع ذلك علم ليون أنه لا يملك الوقت الكافي لخلق هجوم يفتك بالتنين مباشرةً.
بدأت خطة تتبلور في ذهنه ، واتسع نطاق إدراكه المكاني ليصل إلى كيلومتر حوله. حيث كانت المانا تستنزف منه باستمرار ، ولكن لكي تنجح الخطة تماماً كان بحاجة إلى ذلك الإدراك المكاني.
هاجمه المخلوق الضخم وجهاً لوجه مجدداً بضراوة. قُذف ليون للخلف مرة أخرى ، لكنه هذه المرة لم يشرب الجرعة في الهواء ، بل انتظر حتى اصطدم جسده بالأرض ، موهِماً التنين بأنه يستخدم طاقة حياته للشفاء.
في الواقع كانت المانا الخاصة به تُستخدَم في مكان آخر تماماً.
نخر التنين ، ظاناً أن التعافي السابق كان محض صدفة. وبينما كان ليون يتحمَّل ضربات التنين الوحشية لم يشغل باله سوى فكرة واحدة "بمجرد أن تنجح خطتي ، سيدرك هذا التنين أي خطأ فادح ارتكبه بمواجهتي وجهاً لوجه... وبحلول ذلك الوقت ، سيكون قد فات الأوان على هذا المخلوق المغرور لكي يندم ".