الفصل الرابع عشر "البوابة والعيون التي تترقب "
توقفت العربة ببطء خارج نطاق منطقة البوابة بقليل. حيث كان ليون الذي ما زال قابعاً في الداخل ، يُزيح الستار بجانبه ليتطلع عبر الزجاج.
وهناك كانت تقف ، ضخمة ، ومضطربة ، ونابضة بالحياة بشكلٍ يتجاوز المنطق.
بوابةٌ ذات ضوء أزرق سماوي عميق تُحلّق في الأفق ، بارتفاع يقارب ثلاثة طوابق ، وسطحها يتموج كأنه ماءٌ اعتراه اضطراب. حيث كانت التيارات السحرية تتسرب من قلبها في أمواجٍ متلألئة ، جاعلةً الهواء المحيط بها يهتز كأنه سراب. وفى الجوار اصطفت الخيام ، ورايات الحرب ، ومنصات حجرية نُقشت عليها رموز سحرية ، وعشرات الأشخاص يتحركون في فوضى منظمة.
لمح ليون جنوداً مدرعين ، وسحرةً متلفعين بأردية غامضة ، وكتبةً يحملون حُزماً من الأوراق المسحورة ، وبالطبع ، المتنافسين الطامحين ؛ كل واحد منهم كان شاباً ، متأهباً ، ويحاول جاهداً ألا يُظهر ما يعتريه من توتر.
وما إن فُتح باب العربة بصوتٍ صرير حتى تبدلت الأجواء تماماً.
نقر.. طقطقة.. خطوات.
خرجت القائدة سيخارجين فايل أولاً ، حيث كانت أحذيتها المصفحة بالفضة ترتطم بالطريق المُرصوف بلياقةٍ متمرسة. اصطدم ضوء الصباح بها بشكلٍ مثالي ، متسللاً عبر خصلات شعرها البنفسجي الذي كان ينسدل كأمواجٍ ناعمة على ظهرها.
ساد صمتٌ مطبق على الحشد القريب.
"تلك... تلك القائدة سيخارجين فايل ، أليس كذلك ؟ " همس مجندٌ متوتر بصوتٍ خافت.
"ومن غيرها يملك شعراً كهذا ، ويسير مشيةً توحي بأنه يمتلك الشمس ذاتها ؟ " همس آخر.
انحنى بعض المسؤولين بالقرب من المقدمة برؤوسهم بسرعة ، بينما اعتدل العديد من الفرسان في وقفتهم على الفور ظهورهما مشدودة ، وأبصارهم شاخصة للأمام ، كما لو أن جنرالاً قد مرّ لتوّه في جولة تفتيشية.
"إنها تبدو مرعبة في الواقع أكثر من الصور... " تمتم أحدهم برهبة.
لكن الهمس ازداد حين ترجل ليون بجانبها.
رفرفت عباءته قليلاً مع الريح ، لكن ذلك لم يخفِ درعه الداكن الأنيق تحته ؛ درع خفيف ، مُصمم بطبقات لتوفير الحركة ، ومُفصل خصيصاً له. وعند خصره لمع زوجٌ من الخناجر المصنوعة ببراعة فائقة ، لا تمت بصلة للفولاذ العادي الذي يرتديه معظم المجندين. حيث كانت كل تقبيله فيه ، بدءاً من شعره الأبيض الفضي ، وبشرته الشاحبة ، وصولاً إلى عينيه الهادئتين الثاقبتين ، تبرز كتباين صارخ مع تعابير التوتر أو الطموح المفرط لمن حولهم.
"من هذا الصبي ؟ "
"انتظر... لا تقل لي إنه تلميذها ؟ "
"يبدو صغيراً جداً... "
"أجل ، ووسيم بشكلٍ مستفز. "
"ظننتها ليست من النوع الذي يتخذ تلاميذ... "
"كنت أظنها من النوع الذي يتخذ سيافين. "
لم يبدُ على ليون أي رد فعل تجاه كل هذا. سار نصف خطوة خلفها ، بتعابير وجه لا يمكن قراءة ما خلفها ، لكن نظراته كانت تمسح الميدان بحدة وفحصٍ دقيق.
لم يكونوا يعرفون من هو. ليس تماماً.
لكن حضوره ، وطريقة وقاره ، خاصةً بجانب شخصيةٍ مثلها كانا يرويان قصة مختلفة.
إذا كانت سيخارجين سيفاً جردته المملكة ، فإن ليون بدا كالخنجر الذي تخفيه في غمدها.
"أتعتقد أنه من النبلاء المتنكرين ؟ "
"ربما. أو يتيمٌ تبنته. لا يمكنك أبداً التنبؤ بمن تفعل هي. "
"ومع ذلك... السير بجانبها ؟ هذا وحده يكفي لقول الكثير. "
استمر الهمس بينما كانا يعبران منطقة البوابة ، والناس يفسحون لهما الطريق غريزياً. انحنى البعض قليلاً لسيخارجين ، بينما اكتفى آخرون بالتحديق -فيهما معاً- بفضول ، أو رهبة ، أو انزعاج خفي.
لم تلقِ عليهم أي تحية ، ولم تقدم أي تفسير.
فقط ذلك الصمت البارد والآمر.
وماذا عن ليون ؟
لم يكترث لما يقولون.
ليتركهم يتساءلون. ليتركهم يهمسون.
فهو لم يأتِ ليبهر أحداً.
بل جاء ليوقظ قواه.
وبينما واصلا سيرهما الهادئ نحو منطقة التجمع ، تعالت ضوضاء الحشود في الأرجاء ، لكنها أصبحت الآن مشوبة بالحيرة.
"لا بد أنه هنا للمشاهدة فقط ، أليس كذلك ؟ "
"أجل ، أعني ، لا سبيل لدخول ذلك الصبي إلى القبو. "
"ربما هو تلميذها أو شيء من هذا القبيل. هي فقط تدعه يرى كيف تبدو المنافسات الكبرى. "
"ربما ابن شقيقها ؟ "
"تلميذها ، على الأرجح. تدربه سراً ، وتجعله يلوح بسيف خشبي أمام التفاح أو ما شابه... "
التقط ليون كل كلمة.
لم يطرف له جفن.
لم يلتفت للخلف.
لكن فكرة جافة ومضت في عقله بينما تاهت عيناه نحو ضوء البوابة الأزرق.
’يظنون أنني هنا في رحلة مدرسية.‘
لم يلمهم على ذلك.
فمعظم المتجمهرين قرب الميدان بدوا... أكبر سناً. ذلك النوع من الكبر الذي يأتي مع بشرة لفحتها الشمس ، وفكوك محددة ، وظلال خافتة من الخبرة في أعينهم.
كان بعض المرشحين بوضوح في أواخر مراهقتهم ؛ ستة عشر ، سبعة عشر ، أو ربما أكبر. حتى إن البعض كانت لديهم ملامح لحى خشنة ، وأذرع أثخن من ساقيه ، وتلك الحركة البطيئة المتعمدة التي تأتي من تجربة قتالية حقيقية.
كان ليون في العاشرة.
جسدياً ، على الأقل.
لكنه مسح وجوههم ، ووقفاتهم ، وتوترهم ، بجزءٍ من الحذر... وجزأين من الملل.
’إنهم أكبر ، وأضخم ، وأقوى. و لكنهم ليسوا أشد ذكاءً.‘
لقد مات وهو في السادسة عشرة. هناك على كوكب الأرض.
وقضى ثلاث سنوات إضافية يتدرب هنا تحت حذاء سيخارجين وعناقها الدافئ الخانق.
وبحسابه الخاص ؟
هو في التاسعة عشر الآن.
تسعة عشر عاماً في جسد فتى ما قبل المراهقة ذي ملامح طفولية وتفاصيل أقرب إلى الأثير.
’عقلياً أكبر من معظمهم ، وعاطفياً أكثر ضجراً منهم جميعاً ، وبالتأكيد أفضل هنداماً‘ ، هكذا حدث نفسه وهو يعدل عباءته بلامبالاة.
ليتركهم يستهينون به. لا بأس بذلك.
لطالما أحب ليون أن يبدأ من وضع غير مؤاتٍ.
فهذا يجعل طعم الانتصارات أكثر تميزاً وشخصية.
وقريباً ؟
سيُحبسون جميعاً في قبوٍ واحد.
والقبو لا يكترث لمدى صغر عمرك أو ضخامة جسدك.
بل يهتم فقط بمدى قدرتك على النجاة.
انطلق صوت حاد بالقرب من البوابة ، قاطعاً الحشود كأنه سوط.
"على جميع الداخلين تشكيل صف! مرشحو الاختبار فقط -يجب إظهار تصاريح الدخول للمضي قدماً! "
التفتت عشرات الرؤوس.
تقدم عدة حراس مدرعين ، يحمل كل منهم شعار السلطة المركزية ، بخطوات منضبطة ومتمرسة. رفع أحدهم لفافة ورقية وبسطها استعراضياً.
"أي شخص يحاول تجاوز البروتوكول دون تصريح اختبار رسمي سيتم اعتقاله وسجنه. لا استثناءات ، لا رشاوي ، ولا توسلات. "
تغيرت الأجواء فوراً.
خفت الهمس وبدأ المرشحون في التحرك ، حيث كانت أحذيتهم تطحن الحجارة والعشب بينما تشكل صفٌ أمام البوابة الزرقاء المتموجة. بدا البعض متوتراً ، بينما حاول آخرون إظهار الثقة ، فقبضوا على أيديهم ، وأرخوا أكتافهم ، وتمتموا بشعارات غير مكتملة تحت أنفاسهم.
واحداً تلو الآخر ، فحص الحراس الرموز المحفورة التي قدمها كل مرشح -مختومة بالشعار ، ومحملة بالطاقة- ثم أشاروا لهم بالعبور.
لم يتحرك ليون.
ظل واقفاً بجانب سيخارجين ، عاقداً ذراعيه بارتياح ، وعيناه الفضيتان تراقب الصف بمتعة هادئة.
لم تأمره بالذهاب بعد.
وعلاوة على ذلك كان هناك شيء يدور في خلده منذ فترة.
أمال رأسه نحوها وسأل عرضاً "إذن... ما هي فئتك القتالية ، على أي حال ؟ "
التفتت سيخارجين إليه ببطء ، وعيناها الأرجوانيتان لا تكشفان شيئاً.
لم تجب في البداية ، بل اكتفت بالنظر إليه بتعبير هادئ ، لكن الأفكار كانت تتلألأ بوضوح خلف نظراتها.
كان فضولياً وصادقاً ، وهي لم تلمه.
فمن حقه تماماً أن يسأل.
ولكن بعد توقف قصير ، ابتسمت له ابتسامة خافتة ، تكاد تكون لعوبة.
"لن أخبرك. "
رفع ليون حاجبه. "هل هي بهذا السوء ؟ "
ابتسمت بتهكم ناعم. "بل بهذا العلو. "
رمش بعينيه. "إذن ، ماذا ؟ المراكز العشرة الأولى ؟ "
"في المملكة ؟ " تردد صدى سؤاله. "هناك قلة في رتبتي. ولا أحد فوقها. "
جعل ذلك ليون يتوقف لحظة.
’إذن هي في أعلى رتبة... ومع ذلك تتصرف كأختٍ كبرى محبة للعناق ولديها مشاكل في السيطرة.‘
ومع ذلك لم يسأل مجدداً.
لأن نبرة سيخارجين تغيرت -قليلاً فقط- ، ليس بدافع السرية ، بل بدافع الغاية.
"أنا لا أخفي ذلك " أضافت وهي تنظر نحو البوابة. "فقط لا أريدك أن تلهث خلفها ، أو خلفي. "
حول ليون نظره إليها بالكامل الآن.
"لأنكِ تظنين أنني سأفشل ؟ "
نظرت إليه حينها ، وكان الدفء في صوتها صارخاً في مواجهة الأوامر العسكرية السائدة في الجو.
قالت "لا. لأنني أظن أنك ستذهب إلى أبعد من ذلك. "
تجمد ليون.
لخفقات قلب لم تأتِ أي دعابة على شفتيه.
فقط وميض هادئ من المفاجأة في عينيه.
ثم ابتسم بخفة. "لقد بدأتِ تصبحين عاطفية مجدداً. "
"أنا معلمتك ، ومن حقي أن أكون كذلك. "
نظر كلاهما نحو صف المرشحين الذي بدأ يتقلص.
نبضت البوابة.
وضعت سيخارجين يدها بخفة على كتفه.
قالت "لا تستعجل. القبو لن يذهب إلى أي مكان. أما أنت... فسوف تذهب إلى أبعد من أيٍّ منهم. "
لم يجب ليون.
لم يكن بحاجة لذلك.
فأنفاسه المستقرة ، والالتواءة الخفيفة على شفتيه ، والتركيز في عينيه قالوا ما يكفي.
لم يأتِ ليطارد ظل أحد.
بل جاء ليصنع ظله الخاص.