الفصل 407: النسر الأبيض (1)
انفتحت الغابة على تضاريس صخرية ، حيث برزت صخور ضخمة من الأرض كأنها أنياب ، مشكّلة أعمدةً تشرئب نحو السماء. حيث كان الهواء هنا مختلفاً ؛ أكثر خفةً ونقاءً ، محملاً بتياراتٍ تُنبئ عن كائناتٍ تسود السماء لا الأرض.
فتحت "روانا " خريطتها وقالت "تعشش النسور البيضاء ثلاثية العيون في واجهات الجروف أمامنا ". رفعت عينيها الذهبيتين لتفحص المكان ، ثم أضافت "رينهارد ، أكنت ترغب في الحصول على قدرة (تفرّس نقاط الضعف) لختم الوحش الخاص بك ؟ ".
أومأ "رينهارد " برأسه قبل أن ترتفع عيناه الزرقاوان الفاتحتان لتتتبعا النتوءات الصخرية بحثاً عن أي علامة للحركة.
"سأرافقه " أعلنت "سكاث " على الفور وكانت عيناها بلون النبيذ تلمعان بحماسٍ بالكاد تستطيع كبحه ، بينما تمايل شعرها الأرجواني مع التفاتتها لمواجهة المجموعة. وتابعت "اثنان منا سيكونان أكثر من كافيين ".
فتحت "ماري " فمها لتقترح على الأرجح أنها ستذهب بدلاً منها ، لكن يد "جوزيف " التي وضعهما على كتفها أوقفتها ، وهز رأسه قليلاً. حيث كانت الرسالة واضحة: دعي "سكاث " تنل هذه الفرصة فهي بحاجة إلى القتال.
قالت "برونهيلد " بنعومة "كونا حذرين " رغم أن ابتسامتها اللطيفة أوحت بأن لديها ثقةً كاملة في قدراتهما.
تحرك "رينهارد " و "سكاث " كفريقٍ واحد ، تاركين الآخرين خلفهما. تطلبت التضاريس الصخرية أسلوباً مختلفاً في الحركة ، فكانا حذرين من تجنب الحجارة السائبة ، مع المسح المستمر بحثاً عن أي تهديدات جوية.
اخترقت صرخةٌ حادةٌ سكون الهواء.
تصلب رأس "رينهارد " ونظر إلى الأعلى.
هناك ، جاثماً على صخرةٍ تعلوهما بثلاثين قدماً كان يجلس نسر أبيض ثلاثي العيون. حيث كان الوحش مهيباً بريش أبيض ناصع يتوهج ، وباع جناحيّن لا يقل عن خمسة عشر قدماً عند بسطهما بالكامل.
لكن أكثر ما كان لافتاً هي عيونه الثلاث المرتبة في نمط مثلث على وجهه ؛ اثنتان في المكان المعتاد للعينين ، وثالثة تتموضع مباشرة فوقهما على جبهته.
انفتحت تلك العين الثالثة.
شعر "رينهارد " بنظراتها تحط عليه ، لكنها كانت مختلفة ؛ بدا الأمر كوجودٍ يمسح جسده كماسح ضوئي غير مرئي. حيث كان الإحساس غازياً ، تحليلياً ، ومزعجاً للغاية بينما توهجت عين النسر الثالثة بخفوت.
ثم جاء الرد على الصرخة الأولى بأربع صرخاتٍ أخرى ، وظهرت نسورٌ إضافية من أعشاشٍ مخفية.
اثنان من واجهة الجرف على اليسار ، واثنان آخران من النتوء الصخري على اليمين. حيث كان المجموع خمسة ، وجميعهم يركزون نظراتهم على المتسللين الاثنين.
قالت "سكاث " وصوتها يكاد يهتز فرحاً "خمسة ضد اثنين.. احتمالات مثالية ".
تجلى رمحها القرمزي الأرجواني في يديها ، وتوهج قليلاً قبل أن تديره مرة واحدة ، في حركاتٍ انسيابية وسريعة.
ظهرت نقوشٌ ذهبية سوداء على ذراعي "رينهارد " بينما غمرت قوة "فينرير " جسده. تحولت عيناه الزرقاوان الفاتحتان إلى ذهبٍ متوقد بداخل كل منهما ثلاث حدقاتٍ ماسية مرتبة في نمط مثلث ، يلتف فى الجوار سوادٌ أبدي.
هاجمت النسور في وقتٍ واحد.
انطلقت الخمسة جميعاً من مجاثمها ، باسطة أجنحتها لتصل إلى مداها الكامل والمثير للإعجاب. انقضت بتنسيق دقيق ، مستخدمةً قدرة "تفرّس نقاط الضعف " لتحديد أفضل نقاط الهجوم.
هبطت مخالبها جميعاً نحوهما.
لكنها لم تكن تنقض فحسب ؛ بل بدأت أجسادها تألق ، ثم بدأ الضوء ينحني حول هيئة كل نسر ، خالقاً صوراً متراكبة لاحقة. أصبح من المستحيل تحديد أي صورة هي الطائر الحقيقي وأيها خداع بصري.
صاح "رينهارد " بينما اخترقت حواسه المعززة ذلك الخداع "مهارات الوهم لديهم ، الحقيقيون يجب أن يكونوا... "
قاطعته "سكاث " "أراهم! " حيث حددت غرائزها القتالية الحقيقة من خلال أنماط الحركة وإزاحة الهواء.
تحركت هي أولاً ، طاعنةً برمحها نحو النسر الموجود في أقصى اليسار. مر السلاح عبر صورتين وهميتين قبل أن يصيب جسداً حقيقياً. حيث صرخ النسر قبل أن ينحرف مبتعداً ويعدل زاوية انقضاضه.
كان رد فعل "رينهارد " مختلفاً ؛ إذ رفع يده وتجمعت طاقة ذهبية في راحة كفه. و بدأت الكرة السوداء الملتفة على الفور بجذب كل شيء في الجوار. انحرفت مسارات طيران النسور لا إرادياً نحو ذلك الجذب التثاقلي.
تعامل اثنان من النسور مع الأمر ، حيث قاومت خفقات أجنحتهما القوية قوة الشفط ، لكن الثالث كان قريباً جداً.
أمسك "قرص الالتهام " بجناحه.
بدأ جناحه يلتوي بفعل الكرة الملتفة ، مع سماع صوت تكسّر العظام. حيث صرخ النسر ، وانهار انقضاضه في تهاوٍ غير مسيطر عليه ، ثم ارتطم بصخرةٍ بارتطامٍ قوي ، متناثراً ريشه الأبيض في الأرجاء.
أعادت النسور الجوية تنظيم صفوفها فوراً ، وعيونها الثلاث تركز بكثافة متجددة. و انطلقت ثلاثة أشعة من الضوء المركز من عيون جبهاتها ، مستهدفةً نقاط الضعف التي حددتها مسبقاً.
كانت الأشعة تتحرك بسرعة الضوء.
لكن حواس "فينرير " لدى "رينهارد " أدركت الهجوم بسرعة قبل أن يكتمل. تحرك جسده وهو يوجه قبضة يده التي اخترقت الهواء واصطدمت بالشعاع. وصل شعاع الضوء لحظياً واصطدم بقبضته.
تشتت الضوء ، مما أدى لظهور حروق طفيفة على قبضته قبل أن تبدأ في الشفاء سريعاً.
أما "سكاث " فقد ابتسمت ببساطة حين أصاب الشعاع ركبتها. حيث كانت "درع التبعات " الخاصة بها نشطة بالفعل ، تلك الدرع المصنوعة من اللحاء الأسود وجلد التنين الذي تمتص الضوء وتعيد توجيه الهجمات ببراعة. انحنى الشعاع مبتعداً في اللحظة الأخيرة ، ليصيب ساقها بدلاً من مفصل الركبة. امتصت الصدمة وواصلت التحرك دون مبالاة.
تضاعف رمح "سكاث " وأصبح الواحد ستة ، جميعها حافظت على اللون القرمزي الأرجواني ، وكلها بنفس الصلابة والحقيقة. ألقت الستة جميعاً في آنٍ واحد ، وبينما كانت تطير في الهواء ، تفعّل ختم الوحش الخاص بها.
"موجين ".
انقسم كل رمح في منتصف الرحلة إلى عشرات النسخ ، مما خلق عاصفةً من المقذوفات التي ملأت السماء. تشتت النسور ، تخفق بأجنحتها بجنون. و لكن كان هناك عدد كبير جداً من الرماح يغطي مساحة واسعة. تلقت نسوران عدة إصابات ، حيث اخترقت الأسلحة القرمزية الأرجوانية أجنحتهما وأجسادهما ، دافعةً إياهما نحو الأرض.
ارتطما بقوة ، وقد تلطخ ريشهما الأبيض بالدماء.
بقي نسران في الجو.
فعّلت النسور الجوية قدرتها الثالثة الجديدة ؛ إذ فتح كلاهما منقاره وأطلق صرخاتٍ تناغمت بشكل مثالي. أصبحت الموجات الصوتية مرئية ، مما أدى إلى تشوهات متموجة في الهواء تحمل قوةً تصادمية.
انتشرت الموجات للخارج في دوائر متوسعة ، مستهدفةً كل ما في الأسفل.
اصطدمت الموجات الصوتية بحواجز "رينهارد " و "سكاث " غير المرئية. دفعت القوة كلاً من المقاتلين بضع خطواتٍ للخلف ، حيث احتكت أحذيتهما بالصخر.
لكنهم صمدا بإصاباتٍ طفيفة.
ظهرت عشرات البوابات الزرقاء الصغيرة حول النسرين الطائرين ، قطر كل بوابة ست بوصات ، متموضعة بزوايا استراتيجية. حددت قدرة "تفرّس نقاط الضعف " لدى النسور التهديد على الفور لكن التحديد والتجنب تحديان مختلفان.
انطلقت أشعة زرقاء من كل البوابات في وقتٍ واحد.
حاولت النسور المراوغة ، تضم أجنحتها وتبسطها ، وتلوي أجسادها عبر زوايا مستحيلة. و لكن "رينهارد " كان قد توقع مسارات هروبها ؛ فلم تكن الأشعة موجهة حيث تتواجد النسور ، بل حيث ستكون بعد المراوغة.
اتصل الشعاعان بالهدفين.
بمجرد اصطدام الأشعة بجسدي النسرين ، بدأ الجليد ينتشر فوراً عبر ريشهما الأبيض. حول الجليد ريشهما الناصع إلى تماثيل مغطاة بالصقيع في منتصف طيرانهما.
سقط النسران كالحجارة ، متجمدين تماماً ، وارتطما بالأرض مع أصوات تحطم الجليد.