استُقبلت صرخات «تيان» المدوية إعلاناً عن وصوله المظفر للمستوى السادس بكلمة «أوه» باهتة من إخوة معبد البلدة الغربية. حيث كان الأمر مخيباً للآمال ، لكنه اعتاد على مثل هذه الاستجابات في هذه المرحلة. ربت الأخ «سو» على كتفه بلمسة تشجيعية واحدة ، وكان على «تيان» أن يكتفي بذلك.
لم يكن نوبته في المشفى استثنائية ؛ فقد صارت أهوال المكان وبؤسه جزءاً من بيئة العمل. حيث تماماً كالمكب ؛ ليس مكاناً محبباً ، لكن ثمة راحة متبلدة في الألفة مع تفاصيله.
بذل «تيان» قصارى جهده ، ولطالما فعل ذلك بطبيعة الحال لكن الأمر اتسم الآن بشيء من الوعي والتعمد. فعندما كان يضطر لنقل مريض بين الأسرة كان يحمله بحذر شديد ليخفف من ألمه ، كما ركز على نبرة صوته محاولاً جعلها هادئة وموثوقة. فلم يكن أداؤه مثالياً ، لكنه كان أفضل ما في وسعه. تحرك بسرعة لجمع الأدوية للأطباء دون إحداث جلبة في الأروقة ، ونظف المكان بعناية ، ولم يغفل حتى الزوايا التي يصعب الوصول إليها ، ولم يمانع عندما كانت الطريقة الفضلى لتنظيف تلك الزوايا هي الانكباب على يديه وركبتيه ممسكاً بقطعة قماش.
شعر بأهمية أن يبذل قصارى جهده اليوم ؛ فما دام قادراً على تقديم المزيد مقارنة بالأمس ، فعليه أن يفعل. لم يجد كلمات تصف شعوره سوى أن «هذا هو الصواب». ولسبب ما كان فعله هذا يثير استياء ذلك العضو في فرقة الانضباط ، مما جعل الأمر يستحق العناء أيضاً.
في نهاية نوبته ، التقى «تيان» بالأخ «وونغ» في غرفة الاستراحة.
«أخا وونغ ، نعتني أحدهم بالمزارع (الزاهد) في وقت سابق اليوم ، ما معنى ذلك ؟»
«إنه مثال على سوء استخدام الصفات».
رمقه «تيان» بنظرة حيرة ، فأشفق عليه زميله الأكبر وأفاض في الشرح:
«الناسك (الزاهد) هو شخص يعيش وفق انضباط صارم وزهد تام. وبشكل عفوي ، أقول: لا ثراء بأي شكل ، لا طعام يتجاوز الحد الأدنى للبقاء ، وبالتأكيد لا خمر أو لحوم ، وربما لا شيء من مشتقات الحيوان ، لا علاقات جنسية قطعاً ، وغالباً لا احتكاك بالجنس الآخر نهائياً ، مع جداول صارمة للصلاة والتأمل ، وتعذيب ذاتي طقسي يتمثل في الجلد أو الصوم أو حمل الأثقال.. والقائمة لا تنتهي. لذا بينما قد تكون أقل المزارعين (المتدربون) في المستودع سعياً وراء المادة ، فإن وصفك بالناسك هو... ؟»
«مثال على سوء استخدام الصفات يا أخا وونغ».
«بالضبط. أنت أشبه بالأخ فو من معظمنا ؛ مقتصد ، لست ناسكاً».
عقد «تيان» حاجبيه كانت كلمة «مقتصد» تداعب ذاكرته لكنه لم يستطع استحضارها.
«وماذا يعني مقتصد إذن ؟»
«همم ، أنا واثق أنك سمعت أحدهم يذكر هذا في محاضرة: كنوز الداو الثلاثة هي: الرحمة ، والاقتصاد ، والتواضع».
«أجل! هذا هو! تلك العبارة بعينها». كان الجد «جون» هو من أخبره بذلك لكن «تيان» اعتاد على إسقاط مثل هذه التفاصيل.
«صحيح ، وأول تلك الفضائل هو الرحمة».
«إذن... ما هي الرحمة ؟» بدأ «تيان» يشعر بالتيه.
«الرحمة هي إدراك أننا جميعاً نشترك في أصل واحد ، وأن كل شيء في الكون مترابط. و معاناتك هي معاناتي ، وانتصارك هو انتصاري. و إذا أكلت جيداً ، فبطني ممتلئ. ورغم أنك تدرك كيف يمكن لهذا أن يصبح سخيفاً إذا أُخذ إلى أقصى حدوده ؛ فأن أجوع لأطعمك يُعتبر رحمة ، وهو يتماشى تماماً مع فضيلة بر الوالدين ، لكنه سيؤدي في النهاية إلى جوعك لأنني جعت ، ولن نكون في حال أفضل مما كنا عليه».
«أو أن يرفض أحدهم إطعام غيره لنفس السبب ؛ أنت لا تحتاج للطعام ، فأنا آكل نيابة عنا جميعاً».
«صحيح ، رغم أن ذلك سيقودنا للفضيلتين الثانية والثالثة: الاقتصاد والتواضع».
«حسناً ، ما زلت لا أعرف معنى الاقتصاد الحقيقي». حك «تيان» مؤخرة عنقه.
«الاقتصاد يعني ألا تأخذ إلا ما تحتاجه ، وألا تفرط في شيء. قد يكون ذلك مالياً ، أو بأشكال أخرى. فمثلاً ، أن تأكل ما يكفي لملء بطنك دون تخمة ، فهذا يترك ما يكفي للآخرين. أو أن ترتدي ثياباً متينة تدوم طويلاً من قماش بسيط بدلاً من الحرير الجميل الباهظ القابل للتلف ، فهذا يضمن أن يرتدي الجميع ملابس لائقة».
«أو استخدام سلاح صنعه المعبد بدلاً من البحث عن سيوف الخطاف الأسطورية للملك مينغ».
«نوعاً ما ، نعم. ومع ذلك فكل شيء في حدود المعقول ؛ فإذا كانت تلك السيوف هي ما تحتاجه بالضبط لا أكثر ، فسيكون من المنطقي أن تحصل عليها ، لكن السؤال هو: هل حقاً لا توجد بدائل ؟» بدت ابتسامة «وونغ» الماكرة موجهة للبلاط الداخلي بأكمله.
«صحيح ، وهذا يمتد إلى التواضع أيضاً على ما أظن».
«نعم. وصفها القدماء بأنها (ألا تحتاج لتكون الأول تحت السماء) ، أو ما شابه ذلك. أنت لست أفضل من أحد ، ولست أسوأ منه. وهذا يصب في الاقتصاد ؛ فأنت لا تحتاج أكثر مما يحتاجه غيرك ، لذا تأخذ ما يكفيك وتترك الباقي للجميع ، ليس لأصدقائك فحسب ، بل للجميع. وهذا يعود ليصب في الرحمة ؛ فالكل يستحق رعايتك وتعاطفك تماماً كما تستحق أنت تعاطفهم».
تحدث «وونغ» بصوت هادئ ، لكنهما سمعا نبرة التحذير المبطنة في كلماته. حيث كانا في مستشفى ، ولم يأتِ أحد قط إلى هنا للولادة ؛ فكل مريض هنا كان قد أُصيب في ميدان المعركة.
«الجميع يا أخا وونغ ؟»
«نعم. حتى الملحدون. و يمكنك أن تقول إننا داويون سيئون ، أو منافقون ، أو يمكنك تجميل الأمر بقول إن (اللطف مع العدو قسوة على أنفسنا) ، لكن الحقيقة المرة هي أنني أكره الديانة الملحدة. أكرههم بكل ذرة في كياني ، وأعلم أنك تشاركني ذلك. لا يوجد طبيب في هذا المبنى قد يبالي بإنقاذ مهرطق حتى لو كانت رئتاه تحترقان. لا أحد منا يخاطر لإنقاذ تلك الحياة. ومع ذلك فالرحمة هي حقاً أولى فضائل الداو. ونحن جميعاً نعاني معها. كل مزارع (المتدرب) يعاني معها ، كما نعاني مع الاقتصاد والتواضع».
فتح «تيان» فمه ؛ كان لديه بالتأكيد آراء حول هذا ، لكنه أغلقه مجدداً. و وجد أفكاره تتخبط ؛ فالتعاطف مع العدو ، ورؤية المهرطق كأخ لا كعدو ، سيؤدي بلا شك إلى هلاك البشر في الممالك المجاورة. فمن يزرع (كولتيفاتي) عن طريق التضحيات البشرية لا يمكنه أن يكون رحيماً بالآخرين. هل تكون الرحمة بالديانة الملحدة قسوة على البشر الذين يتطلعون لجبل الكركي العتيق لحمايتهم ؟
لكن في مواجهة خلود وشمولية الداو ، هل كانت حياة واحدة تستحق أكثر من أخرى ؟ شعر غريزياً بأن بعض الأرواح أثمن من غيرها ، لكنه كان يعود دائماً للوقوف أمام الداو ؛ فشيء بهذا الحجم والشمول لا يمكن الهروب منه.
«في البداية كان الفوضى البدائية التي أفرزت الين واليانغ ، ومنهما نشأت العناصر الخمسة التي خلقت كل الأشياء ، » تمتم «تيان» ، محاولاً استيعاب مشاعره بشيء يدركه عقله. «ويوماً ما ، سيعود كل شيء للوراء ؛ ليلتئم الكل في الفوضى البدائية والداو».
«يوماً ما. أما اليوم ، فقد قضيت أربع ساعات أحاول منع مركب حمضي ملعون من تدمير المزيد من أعضاء أخت طيبة. وبفضل أدوية نادرة وقوية وزراعة (تدريب) دقيقة ، قد تستعيد على مدى عقود القدرة على الأكل والإخراج دون أدوات خاصة. أما إنجاب الأطفال فسيكون أمراً مستبعداً ، وإن لم يكن مستحيلاً تماماً ، ولا يتطلب الأمر سوى معجزة متوسطة الحجم لتستعيد استخدام ساقيها وذراعها اليمنى. و لقد استقرت حالتها ، ومع رعاية طبية مستمرة ، قد تعيش طويلاً. و لكني أظن أنها ستنتحر قبل الفجر».
«أنا... آسف للغاية يا أخا وونغ».
«بسببي أم بسببها ؟»
«بسببكما معاً. و لكن... حقاً...» أشاح «تيان» بوجهه.
«بسببي أنا في الغالب ؛ لأن ألمي حقيقي بالنسبة لك ، أما ألمها فهو مجرد كلمات. كلمات يمكنك ربطها بما رأيته في المشفى ، بمعاناتك الخاصة ، لكنها ليست حقيقية بالنسبة لك ؛ فأنت لا تعرفها. لذا فأنت تهتم بمن تعرفه أكثر». كان صوت الأخ «وونغ» وادعاً ، لكن لهجة الحديث تركت آثار سياط على ظهر «تيان».
«أجل. أشعر بالخجل ، ولا أدري لماذا ، لأنني لا أظن أن هناك خطأ في أن أهتم بك أكثر من غريب».
«الزراعة (تدريب) جحيم حقيقي ، أليس كذلك ؟ الرحمة والكراهية والترابط بين كل شيء. يا له من فوضى عارمة».
استحال عليه المذاكرة في ذلك المساء. جلس «تيان» على التراب خلف المستشفى كانت كتبه مفرودة أمامه ، لكنه لم يستطع قراءة كلمة واحدة رغم ضوء الشمس. حيث كان نصف الوقت يحدق في الفراغ.
«كنوز الداو الثلاثة: الرحمة والاقتصاد والتواضع. أي من هذه الأشياء تصف المزارع (المتدرب) يا جدي جون ؟»
«كلها. ولا شيء منها. هناك كلمتان إضافيتان يجب عليك التفكير فيهما: الحقيقية والهرطقة. و يمكن تعريف الحقيقية بطرق عدة ، لكن (التقليديه) ، أو (المعتادة) ، أو بالأخص (ما أُسس رسمياً ليكون حقاً وصواباً) يكفينا الآن. أما الهرطقة ، فيمكن تعريفها بأنها اعتقاد يعارض ، أو ببساطة لا يتماشى مع ، الحقيقية. فالمهرطق هو ببساطة شخص يعارض أو يرفض أو لا يتوافق مع الحقيقية».
«لا أظن أنني أستطيع تقبل وصفها بـ(ببساطة) أي شيء. ليس بعد كل ما فعلوه ، وليس بعد ما أراه كل يوم».
«يبدو الأمر بسيطاً جداً بالنسبة لي. حيث فكر في الأمر ملياً».
حاول «تيان» ، لكنه كان يعود دائماً لتلك الغارة التجارية الكارثية. أين كانت الرحمة هناك ؟ أين كانت الرحمة لإخوته وأخواته في عالم الأرض ؟ ربما كان جلوسه مع الأخ «لونغ» في ليلته الأخيرة رحمة ، لكن ماذا بعد ؟ ألم يكن ميتاً على أية حال ؟ كل أولئك الذين قدم لهم الإسعافات الأولية و كل الأرواح التي أنقذها ، ألم يموتوا جميعاً ؟ ومع ذلك نجا هو و«هونغ» -اللذان اختبآ- وحصدا المكافآت. وكان أكثرهم نيلاً للمكافآت هو من قضى حياته بأسهل الطرق ؛ البطل العظيم «كو».
شخص حقق مكاسب عظيمة للمعبد ، روض وحشاً جباراً ، وأردى شريراً عظيماً بينما أضعف -بشكل طفيف جداً- قوة «ممر الحديد الأسود» عبر قطاع طرق برعاية المعبد.
رحيم جداً. رحيم ومقتصد ومتواضع لدرجة جعلت «تيان» يتقيأ. و لكن بطريقة ما كانوا الملحدون أسوأ. بدا الأمر مستحيلاً ، لكنهم كانوا كذلك.
كان الملحدون يحولون البشر إلى حوامل للأوبئة ، وقنابل سامة ، ومزارع للديدان. حيث كانوا يعذبون ويقتلون من أجل الفن ، والرياضة ، والداو الخاص بهم. لم يصنعوا شيئاً ، ولم يزرعوا شيئاً ، ولم يعتزوا بشيء لا يغذي تدريبهم (تدريب). وبحسب ما رآه كان طريق المهرطق هو التسلق إلى السماوات على جبل من الجثث.
لم يكترثوا بالرحمة والاقتصاد والتواضع إلا بالقدر الذي يمكنهم فيه استغلالها في الآخرين. و بالنسبة للمهرطقين كانت الفضائل الثلاث أسلحة للاستخدام ، لا أهدافاً للسعي إليها.
علق عقل «تيان» بهذه الفكرة ؛ بدت وكأنها اصطدام أصبع قدمه بصخرة كانت دائماً موجودة لكنه فشل في رؤيتها. و لقد كان الأمر بهذه البساطة حقاً ، أليس كذلك ؟
كان المزارعون الأرثوذكس -بمن فيهم دير الكركي العتيق- يؤمنون حقاً بالفضائل الثلاث السامية. اعتبروها جوهر الأخلاق ، سمات يجب تنميتها. و نظروا إلى حالة العالم الفوضوية ، وأدركوا أن الرحمة بشخص قد تكون قسوة على آخر ، فقاموا... ببذل قصارى جهدهم.
دفن «تيان» وجهه بين كفيه ، ولم يدرِ أكان يضحك أم يبكي.