كانت جبهة القتال على بُعد ثمانمائة ميل فحسب ، وهي مسافة لا تستغرق سوى بضع ساعات من السفر -في أقصى التقديرات- لمزارع من «رتبة الشخص السماوي» يمتلك أداة طيران. حيث كان البلاط الداخلي غارقاً في الدماء حتى مرفقيه ، بينما كان الملحدون يرسلون موجات لا تنتهي من الشياطين لملاقاتهم ؛ فأرسلوا أسراباً من الحشرات حجبت ضوء الشمس ، وأطلقوا لعنات خبيثة قادرة على تجميد العظام وتحويل الدماء إلى رصاص منصهر. سرت شائعات بوجود مسمم من «رتبة الشخص السماوي» من المستوى السادس في الميدان ، لدرجة أن البلاط الداخلي كان يستهلك الترياقات كما يستهلك الشتاءُ السجلَ.
لم تكن تلك سوى شائعات ، فالبلاط الخارجي لا يُخطر بشيء ، بناءً على مبدأ: «ما لا تعلمه ، لا يمكن إجبارك على البوح به». كان الملحدون سادةً في فنون التعذيب ؛ إذ عده بعضهم أسمى أشكال الفنون. راودت "تيان " شكوك حين سمع ذلك ثم عثر أثناء دورية له على قطعة مكسورة من عظم الكتف ، نُقشت عليها كلمة "ندم " مراراً وتكراراً ؛ كانت الخطوط أحياناً مضطربة أو مشوهة ، وكأن تلك "الورقة " العظمية كانت تنتفض تحت أيديهم.
مضى شهران قبل أن يرى "تيان " أول مزارع مهرطق. حيث كان "تيان " فرداً في فرقة طوارئ شُكّلت من بضع بلدات ، وأُرسلت لدورية قريبة نسبياً من القاعدة. والسبب بسيط: أغلب أفراد الفرقة كانوا من الصغار ، ويُقصد بالصغار هنا "من هم دون المستوى التاسع ولم يتجاوزوا الخمسين من العمر ".
كان هناك مزارعان من المستوى التاسع يتوليان الإشراف ؛ وهما كل ما أمكن توفيره. حيث كان معبد "بلدة الغرب " حاله أفضل من غيره ، لكن "تيان " رأى بالفعل أربعة من إخوته يُسحبون عائدين وهم أقرب إلى الموتى منهم إلى الأحياء ؛ ثلاثة منهم ما زالون في المشفى ، إذ كانت الجروح المتعفنة فنّاً رفيعاً آخر يتقنه الملحدون.
كانت المهام لا تنتهي ، ولم تكن هناك أجساد يكفى لتلقي بها في أتون الحرب.
كانت الدورية تمشط امتداداً من صحراء الرمال السوداء التي حفرت فيها قنوات عميقة. وفي قاع هذه القنوات كانت تجري جداول ضئيلة من مياه مرة ومالحة. قياساً بمعايير هذه الأرض القاحلة كان المكان جنة صغيرة ؛ حيث ينمو الأشن بكثافة على جوانب الشقوق ، وتتغذى مليارات العث المتكاثر عليه ، وتزيحها القواقع أحياناً أو تلتهمها.
ثم تأتي المفترسات الأكبر ، وتليها المفترسات التي تقتات عليها. نادراً ما كانت القنوات التي تجري فيها المياه أو الشقوق أعلاها أوسع من كف اليد أو أعمق من مفصلين ، ومع ذلك لم يكن هناك نقص في المفترسات الضخمة التي تأتي لتتغذى. حيث كانت السلسلة الغذائية هنا أشبه بكومة رأسية منها بكونها شبكة.
لكنها لم تكن كومة عالية جداً ؛ فنادراً ما يوجد شيء يتجاوز منتصف رتبة "أرضي ". وهو أمر مثالي للصغار.
لم يكن "تيان " يعرف المزارعين الآخرين حق المعرفة. واحد فقط كان في مثل عمره ، والبقية كانوا أكبر سناً بكثير. ذاك الواحد كان "هونغ ليرين " ولم يسبق لهما تبادل الحديث قبل القدوم إلى الأرض القاحلة ، ولم يتغير الحال منذ ذلك الحين ؛ فقد كانت علاقتهما قائمة بالكامل على المشاحنات ، على الرغم من خوضهما بضع مهام معاً. حيث كان الأمر يحبط "تيان ": كيف يمكنه مساعدة شخص يرفض إدراك أنه مصاب بضرر في عقله ؟ ومع ذلك ظل ملازماً لها ؛ فهو يثق بأخته أكثر من بقية الأشخاص الذين أُرسلوا معهم.
رأى "تيان " كيف ينظر إليهما المزارعون الآخرون. قد يناديهم بـ "إخوة وأخوات " كما تقتضي الآداب ، لكنه لم يثق بهم. بدوا كمن يلقون الحجارة إلا أنهم لن يلقوا حجارة ، بل سيلقون به وبـ "هونغ " في وجه الوحوش ويهربون. لم تدرك "هونغ " ذلك ؛ كانت تحدق في الرمال السوداء والصخور ، رمحها في يدها ، وقد تركت ظهرها مكشوفاً لـ "رفاقها ".
«اتصال من جهة اليسار!» صرخ أحدهم وانطلق للأمام بضربة من سيفه. حيث كانت ضربة بديعة قطعت تماماً جمجمة حيوان تتطاير في الريح. «لا تهتموا.. إنذار كاذب..»
انفجر رجل من الرمال السوداء ، وومضت يده طاعنةً وممزقةً ثقوباً في ظهر المزارع الشاب.
«أيُّها الحقير!» زأرت إحدى المزارعات من المستوى التاسع ، وانطلق سيفها الطائر ليقطف رأس المكمن. اندفع رجلان آخران من الرمال على جانبيها وانقضا عليها ، يطعنانها بنصالهم القاتمة ؛ مرة تلو الأخرى ، عشرات المرات في ثوانٍ معدودة. ماتت قبل أن يصل سيفها إلى هدفه.
«كمين! كمين!» لم يعرف "تيان " من كان يصرخ. حيث كان يدوّر حبل "السهام " الخاص به ، خالقاً منطقة قاتلة حوله. رأى "هونغ " تطعن برمحها ، فاستقر في حنجرة أحدهم ومزقها كصاعقة من السماء. رأى الرمال تتحرك خلفها ، حركة بسيطة و ربما منحه الأدرينالين تلك الأجزاء من الثانية كأفضلية.
أرجح "تيان " الحبل للأعلى ثم دار به وأنزله صافراً ، مباغتاً المكمن تماماً في اللحظة التي بدأ فيها هجومه. انفجر رأس المهرطق ؛ وتناثر العظم الأبيض والعقل الرمادي بوضوح على الرمال السوداء. تطاير بعضها على ظهر رداء "هونغ " الواقي ، لكنها لم تلاحظ كانت قد انتقلت للمهرطق التالي.
يبدو أنها كانت محقة في نقطه انجاز رفاقها على ظهرها ، أو على الأقل أحدهم. لم يشاركها "تيان " هذا الإيمان ؛ خفف من وزنه وانطلق ركضاً ، مرجحاً حبل السهام حوله. رمى السهام باتجاه عدو وقفز خلفها ، تاركاً قوة الدفع تسحبه. انحرفت السهام ، فعاد "تيان " لوزنه الطبيعي ، وتناثرت الرمال السوداء وهو يثبت قدميه ويرد الحبل ليضرب من جديد ؛ تعثر ذراع المهرطق وانجذب عن مكانه ، فسحقته الأخت التي كانت يقاتلها بهراوة حديدية. لم ينتظر "تيان " ليشاهد الجسد يسقط.
«لا يمكنهم نصب كمين لك إذا كنت تتحرك بسرعة تعجز ردود أفعالهم عن مجاراتها» ؛ كان هذا أمله على الأقل. و علاوة على ذلك كان هناك شخص آخر يحتاج لمساعدته ، وهو هو نفسه. لم يعرف من كان ، لكن شخصاً ما كان يطلق عليه الإبر. حيث كانت لديهم أعين سريعة جداً ؛ فدقتهم كانت تواكب حركاته المباغتة.
توقف "تيان " فجأة خلف مزارع مهرطق. ركل الرجلُ أخاً في بطنه والتفت نحو "تيان " بسكين طويل يتحرك بسرعة كافية ليُحدث صوتاً تمزيقياً وهو يتجه نحو عنقه. انبطح "تيان " أرضاً تقريباً وركل كاحلي المهرطق ليجعله يتعثر ، ثم بضغط من أطرافه الأربعة قفز للأعلى مباشرة وألقى السهام في عين الرجل الضخم. حيث اخترقت العين بسهولة. أيقن "تيان " أنها لم تصل للعقل ، فقد شعر بها تتوقف عند العظم.
استعاد "تيان " السهام وانخفض مجدداً بينما كان الرجل الضخم يغطي عينه ويزأر. حيث كان سكين المهرطق يلوح بعنف في الهواء وهو يندفع نحو "تيان ". تراجع "تيان " للخلف ؛ كان يرى الجلد الأسود يتعفن عن جسد الرجل ، والإبر الطويلة مغروزة فيه. و لقد وضعه "تيان " في النموذج المثالي ليكون درعه.
لم يكن من الصعب معرفة متى وصل السم إلى العقل ؛ إذ توقف الرجل الضخم فجأة.
«لا يمكنني السماح لنفسي بالتعرض للضرب. لا يمكنني التعرض للضرب» ؛ لم يكن "تيان " متأكداً مما إذا كان يتحدث بصوت عالٍ أم لا. حيث كان يحاول يائساً رؤية أي من هؤلاء الأوغاد يطلق الإبر لكنه لم يجد أي مشتبه به. ركل المهرطق المحتضر للأعلى والخارج ، ودفعت عضلاته المدربة الرجل لعشر أقدام في الهواء. اندفع "تيان " خلفه ، وأطلق السهام على مهرطق على اليسار ، ممزقاً فخذه. ثم تفادى لليمين ، معثراً حاملاً للمخالب قبل أن يمزق ظهر إحدى الأخوات.
التقط الحركة حينها ؛ إزاحة صغيرة في التراب. حيث كان الحثالة المهرطق ما زال مختبئاً تحت الرمال! هجم "تيان " وهو يزمجر ، مستعيداً السهام ومحطماً إياها حيث رأى الحركة. برز مهرطق من الرمال ، ممسكاً السهام بيده وموجهاً إنبوباً نحو "تيان " بيده الأخرى. حيث كان وجهه مغطى ، لكن بطريقة ما ، عرف "تيان " أن المهرطق كان يسخر منه.
انطلق "تيان " للأمام جهة اليمين وداس على الحبل ؛ فجذب المهرطق جانبياً ، وتناثرت إبره هباءً. ثم انطلق "تيان " كالطيف بأقصى سرعته وضرب براحة يده صدر الرجل ؛ شعر بقلب متعفن ينفجر. وشعر بأشياء أخرى تتعفن وتموت أيضاً ، أشياء لا مكان لها في صدر بشري.
«ليست مشكلتي ، على أمل ذلك». سحب سهامه وركض.
استمرت المعركة أقل من ثلاث دقائق. و من بين المزارعين الأرثوذكس العشرة ، نجا أربعة فقط ، اثنان منهم بإصابات طفيفة ؛ وهما الأصغر سناً "هونغ " و "تيان ". لم ينجُ أي من المزارعين من المستوى التاسع. أما المزارعان المصابان بجروح خطيرة فقد يلفظان أنفاسهما في أي لحظة. و لكن جميع المكمنين ماتوا.
«ستة ، وربما يصبحون ثمانية من الإخوة والأخوات ماتوا للقضاء على خمسة عشر مهرطقاً. وليتني أُلعن إن كان أحدهم يتجاوز المستوى السابع». بصقت "هونغ " على الرمال السوداء. «مهمة سهلة وجميلة للصغار».
حافظ "تيان " على حركته وحركة يديه. واتباعاً للبروتوكول ، جمع خواتم التخزين من المزارعين القتلى في خيط ووضع الجثث والأسلحة في حلقته الخاصة. «هل يمكنك مداواة هذين الاثنين ؟»
«لا ، هل أبدو لك طبيبة ؟» سخرت "هونغ ".
«أنا أيضاً لست طبيباً ، لكنني سأكون من يداوي جروحهما. أظن أن هذا يجعلك الشخص الذي يفتش الديانة الملحدة».
«لدي بعض الترياقات الاحتياطية ، ومرهم باهظ الثمن يمكنني استخدامه». كانت قد بدأت تتحرك بالفعل نحو المصابين. و أدرك "تيان " أن ذلك ما سيحدث ؛ فهو أيضاً لم يرغب في لمس الديانة الملحدة.
«من الأفضل ترك الأمر لذوي الكفاءة» حثّها قائلاً.
«لا ، لا. الدواء الجيد أفضل من المهارات الربع-كفؤة. لا مجال للمقارنة. حظاً سعيداً واستمتع».
شتم "تيان ". لم تكن مخطئة ؛ فقد تعلم كيف يجد الأعشاب ويحصدها ، القليل من حفظ الأعشاب ، ومقدار أقل من تركيب الأدوية. حيث كان وصفه بـ "الربع-كفؤ " سخياً منها.
نظر إلى الجثث ؛ لم يكن سريع التأثر ، لكنه كان يخشى أن تكون الجثث مفخخة. ومن باب الحيطة الزائدة ، ألقى سهامه لتغرز في أحشاء مهرطق ميت. لم يحدث شيء.
زمجر واقترب قليلاً. حيث كانوا يرتدون معدات لا تختلف كثيراً عما يرتديه المزارعون الأرثوذكس. و في بعض الحالات كان يراهن على أنهم يرتدون معدات مسروقة. تنهد "تيان " وأخرج سيفاً من حلقته وبدأ بقطع الأيدي ؛ فقد كان على يقين بأنه لن يزيل المعدات الواقية بعناية فقط ليعرف أين يخفون مخازنهم.
أحد المصابين لم يصمد. نادت "هونغ " على "تيان " في النهاية ، لكنه لم يستطع إنقاذها أيضاً. أمسك الصغيران ، اللذان لم يتجاوزا الثالثة عشرة من العمر ، بيدي امرأة في منتصف العمر وهي تختنق حتى الموت. حيث كان هناك شيء ما سد حنجرتها وأوقف رئتيها ؛ ربما سم أو تقنية شريرة. لم يستطيعا معرفة السبب في الوقت المناسب. نزع "تيان " خاتم تخزينها وجمع جسدها.
كانت المرأة الأخرى التي لا تتجاوز العشرين على الأرجح ، حية لكن بالكاد واعية ولم تكن قادرة على المشي. و بعد بعض التشاور ، صنعا نقالة من رمحين وبعض الأردية الزائدة ، وربطاها بها ، ثم تناوبا على سحبها خلفهما ؛ واحد للحراسة والآخر للجر. توجها مباشرة نحو القاعدة ، واستغرق الأمر ساعتين للوصول.
حدثت لحظة مرعبة حين انفجرت العقارب خارجة من الرمال. و نظر "هونغ " و "تيان " إلى بعضهما ، وعلق قرار رهيب بينهما. ثم التقط "تيان " النقالة من المنتصف ، وفعل تقنية الجسد الخفيف وانطلق عدواً ، تاركاً "هونغ " لتقاتل في معركة خلفية. حيث تمكنت من فك الاشتباك ، لكنها كانت تبتلع ترياقاً خاصاً بها حين وجدت "تيان " راكعاً يلهث على الرمال السوداء. اضطرا لمداواة المرأة المصابة مجدداً ، فقد انفتحت جراحها.
لم يلقيا ترحيب الأبطال عند وصولهما ، بل واجها الأسئلة ، أسئلة لا تنتهي ، وابلاً من الأسئلة. حيث كانت هذه أسوأ خسارة فردية تكبدها "معسكر المخلب الأحمر " في الحرب الحالية ، وهما الاثنان اللذان عادا كانا أصغر وأضعف فردين ؟ عولجت المرأة المصابة ثم خضعت لتحقيق عميق خاص بها.
كان هناك شيء لا يستقيم. حيث كان هناك خائن في مكان ما. و قال المحقق إن "تيان " يبدو كجرذ ، وإنه قبيح بما يكفي ليكون مهرطقاً. المزارعون الشرفاء لا يملكون أيدٍ مشوهة ووجوهاً قبيحة ؛ فالخارج يعكس الداخل. «هل قطعت أصابعك بنفسك ؟ هل قضمتها ؟ هل ضحيت بها لشيطان بغيض ؟ هل أطعمتها لـ (جو) ؟». كانت لديهم طرق للمعرفة ، طرق لا تنتهي ، ووقت لا ينتهي أيضاً.
طلب "تيان " رؤية الأخ "فو " فقيل له إنه يمكنه الجلوس في زنزانة باردة والإجابة على الأسئلة بدلاً من ذلك. وما إذا كان سيرى أحداً من بلدة الغرب مجدداً كان سؤالاً مفتوحاً ، وما إذا كانت عيناه ستبقيان في رأسه بعد ساعة كان سؤالاً مفتوحاً أيضاً.
ثم أُطلق سراحه. تبين أنه كان محظوظاً فحسب ، وأنه نجا بفضل الجهود البطولية لـ "هونغ ليرين ". كانت "هونغ ليرين " بوضوح طائراً يحلق صعوداً. ستسمو عالياً ، طالما لم يسحبها للأسفل "خنزير " من زملاء الفريق مثل "تيان ".
توقف "تيان " عن الاستماع للمحقق. فهم سبب إطلاق سراحه ؛ كانت "هونغ " تتحدث إلى امرأة جميلة ترتدي زي البلاط الداخلي. حيث كانت التلميذة الحقيقية تشبه "هونغ " لدرجة أنهما كانتا تبدوان كأختين بينهما سبع سنوات من العمر.
لقد وصلت جدة "هونغ ".