سارت المراسيم من المعبد إلى الدير وفق قواعد صارمة. وما إن بدأ الأفق يتنفس بطلائع الفجر حتى أُرسل خادم من عامة الناس ليقرع الجرس ، وكان "تيان " يسمع رنينه وهو يتسرب إلى "البلدة الغربية ". كان للرنين إيقاع موزون ؛ ثلاث دقات ، ثم اثنتان ، ثم ثلاث ، فأربع ، ثم ثلاث ، ويتكرر النمط ذاته.
كان عليه أن يغتسل ، ويرتدي ثوباً نظيفاً وسروالاً طاهراً وحذاءً جديداً. أما شعره الأسود الطويل ، فقد رُتِّب بعناية ، وفُتل ، وثُبِّت بدبوس خشبي على هيئة تنين ، ودُسَّ سلاحه "رمح الحبل " (روبي دارت) بعد أن طواه في ثنايا ثوبه.
وقبيل الظهيرة ، اصطف الإخوة المبتدئون في موكب. وقف الأخ الأكبر "فو " في المقدمة ، و "تيان " في المؤخرة. وخارج المعبد ، اصطف العامة بملابسهم الحريرية المزركشة ودروعهم اللامعة ، وحمل رجال أشداء ندوبُ المعارك تزين أجسادهم رماحاً طويلة ذات شراريب حمراء ، وتشكلوا في موكب حين غادروا بوابة المعبد. سار رجل وامرأة بملامح صارمة أمام الإخوة المبتدئين ، يقرعان جرسيهما ؛ كان جرس الرجل عميقاً يتردد صداه ، بينما كان جرس المرأة حاداً رناناً ، وتناغم النغمان وتعارضا في آنٍ واحد أثناء مسيرهم ، بينما تولى صبية قارعو الطبول ضبط الإيقاع بضربات ثابتة على جلود الماعز الدافئة.
وحين خرج الموكب إلى "البلدة الغربية " خرج الأهالي وانبطحوا على الأرض. عائلات بأكملها ، من أكبرهم سناً وأكثرهم اعتلالاً ، إلى الرضع الذين كانوا يجب أن يكونوا في أحضان أمهاتهم ، ركعوا جميعاً على الحجارة والتراب ، ورؤوسهم ملتصقة بالأرض. أما من كانوا أكثر أناقة أو تسلحاً ، فاكتفوا بالركوع على ركبة واحدة وتشبيك أيديهم أمام وجوههم ، وعيونهم مسمرة في الأرض.
ظن "تيان " أنهم خائفون ، فقد كانت تفوح منهم رائحة الخوف والحسد وربما البغضاء أيضاً ، لكن الخوف كان يطغى على كل شيء. لمح أطفالاً في مثل عمره ، وتساءل: هل كانوا هم من قرعوا "جرس استدعاء التنين " معه ؟ لم يستطع الجزم ، ربما بعضهم ، ولكن ما الشأن في ذلك ؟ فهو لا يعرفهم ، ووجوههم بدأت تتلاشى من ذاكرته ، وبعد عام آخر ، سيُنسون تماماً ، وبعد ستين عاماً ، سيكونون طعاماً للديدان. أما "تيان " فسيبقى هنا.
ولأول مرة ، أدرك "تيان " بصدق عمق الهوة بين الفاني والخالد. فالخالدون ليسوا مجرد أقدم أو أقوى ، بل هم فوق العوام ؛ إنها الفجوة بين "إنسان الأرض " و "إنسان السماء " ؛ خاطرٌ واحد ، أو نَفَسٌ واحد ، أو نظرة من القدر ، ويرتفع أحدهم فوق الآخر. كلاهما متباعدان بُعد السماء عن الأرض.
لم يعد "تيان " شخصاً يضطر للاختباء ، ولن يجرؤ أي منهم الآن على رجمه بحجر ، بل لن يتمكنوا من إيذائه حتى لو فعلوا. و لقد صار شخصاً لا يجرؤ الأهالي حتى على النظر إليه. لم يجد كلمات تصف ذاك الشعور ؛ كأن صدره يتسع ويرتفع إلى السماء ، بل كأنما هو السماء ذاتها ، ينظر إلى كل شيء من عليائه.
ضغط جده برفق على كتفه وقال "تذكر أنت فانٍ. على الأقل في الوقت الراهن. لا تنظر إلى الأهالي ، بل انظر إلى إخوتك الأكبر. أولئك هم من يجب أن تقيس نفسك عليهم ".
شعر "تيان " بقلبه يهدأ ، ووطئت قدماه الأرض بثبات أكبر. و نظر إلى ظهور إخوته ؛ لم يبدُ عليهم اختلاف كبير ، ربما يقفون باستقامة أكثر ويخطون خطوات أوثق ، لكن لا شيء تغير كثيراً.
لابد أنهم فعلوا هذا أكثر من مئة مرة حتى وإن لم يفعلوه إلا مرة في العام. لا يستحق هذا الأمر أي فخر ، فجميعهم عند ذروة المستوى التاسع ، ما يسمى بـ "المستوى العاشر " ينتظرون تلك النَفْسة الأولى من الخلود ، محاولين استيعاب ما كان يتحدث عنه أسلافهم في كل تلك الكتيبات الزراعية حين كانوا يصفون حالهم كأنهم أشجار ، أو جبال ، أو محيطات.
قادتهم الطبول والأجراس عبر البلدة ، متجاوزين المزارع في الأطراف. فلم يكن هناك فلاحون في الأفق ، ولا دجاج أو بط أو جواميس. لا أحد يعمل في الحقول أو يركع بجانب أحواض الأرز. حيث كانت الأرض قفرٌ ساكنة ، لا يقطع صمتها سوى طنين الحشرات وطيور برية تهبط لتقتات على ثعابين الماء الصغيرة في البرك. تبخرت تلك البشرية المتنافرة بكل ما تحمل ، واصطحبوا ماشيتهم معهم. بدا الأمر وكأن القرويين لا يستحقون حتى أن تقع عليهم أعين الخالدين.
ساروا إلى تلة صغيرة تطل على النهر ، على بُعد ميل من البلدة. حيث كان الدير يشبه المعبد ؛ جدران مطلية بالجير الأبيض تحيط بساحات ذات أسقف من القرميد الأسود. حيث كانت الممرات مرصوفة بحجارة ملساء مثبتة في الحصى ، وكانوا يميلون لطلاء أعمدتهم باللون الأحمر أيضاً. وإذا كان هناك فارق ملحوظ ، فهو كثرة المقاعد ؛ فقد لاحظ "تيان " فوراً وجود مصاطب صغيرة ومجموعات من المقاعد تحت الأشجار وعلى جوانب الساحات.
انتهى الموكب في ساحة كبيرة مغطاة بحجارة رمادية ، حيث كانت "الأخوات المبتدئات " في انتظارهم. فكنَّ يرتدين الرداء نفسه والسراويل ذاتها التي يرتديها الإخوة ، لكن الفارق الرئيسي في نظر "تيان " كان الشعر. فالرجال يطيلون شعورهم ويفتلونها بدبابيس خشبية ، أما النساء فكنَّ يحلقن رؤوسهن ، مع حلاقة دقيقة لأنماط وأشكال على جماجمهن ؛ فواحدة قد رسمت زهرة تتفتح في مؤخرة رأسها ، وأخرى غطت فروة رأسها بنقوش هندسية متكررة ، وثالثة تظهر أمواجاً متلاطمة فوق صدغيها.
"لابد أنهن يساعدن بعضهن البعض " فكّر "تيان " "فلا سبيل لأن يقمن بذلك بمفردهن ". وتذكر الأخ الأكبر الذي أتاه في الصباح ليساعده في تثبيت شعره ، فظن حينها أن ذلك لمجرد كونه مستجداً.
- "أيها الأخ فو ، مرحباً بعودتك ".
- "أيتها الأخت باي ، من الجيد أن أعود ".
انحنى القائدان أمام الطرف الآخر.
- "القواعد المعتادة ؟ " سألت الأخت الكبرى "باي ".
- "بالطبع. وبما أن لدينا جميعاً صغاراً ظرفاء هذا العام... "
- "يبدو الأمر قدرياً ، أليس كذلك ؟ الصغيرة هونغ اجتازت المستوى الثالث للتو ، لكنها تستطيع كبح جماح قوتها أمام صغيركم ".
ضحك الأخ "فو " قائلاً "إنه القدر حقاً. صغيرنا تيان اجتاز المستوى الثالث أيضاً. صحيح أن القبضات والأقدام لا عين لها ، والإصابات أمر معتاد في النزالات ، لكن ربما يجدر بنا تأمين أسلحتهم قبل إطلاق سراحهم ".
بدأت الأخت "باي " في تدوير عينيها ، لكنها التقطت تلميحاً في وجه الأخ "فو " فرفعت حاجبها بنصف أومأ.
- "حسناً ، لا يوجد هنا مبتدئون سوى الأطفال. اصطفوا وتواجهوا ، ولا تجلبوا العار لدياركم ".
لوحت الأخت "باي " للحشد ، وفعل الأخ "فو " المثل.
- "غربوا عن وجوهنا جميعاً ".
لم يتحرك أحد من كلا الجانبين. تبادل الأخت "باي " والأخ "فو " نظرة يائسة.
- "أو يمكنكم البقاء لمشاهدة أطفال يصغرونكم بقرنين يتشاجرون بألعاب مللتم منها منذ عقود ".
منح الأخ "فو " الحاضرين "ابتسامة " حقيقية جداً. فجاءته في المقابل ابتسامات كثيرة ، فشمخ بأنفه والتفت نحو "تيان ":
- "تيان تشيهوا ، تقدم ".
خطا "تيان " إلى الأمام.
- "هونغ ليرين ، تقدمي ". نادت الأخت "باي " فخرجت فتاة من الصف المقابل.
كانت "هونغ ليرين " أطول من "تيان " برأس ، وكان شعرها مقصوصاً على هيئة بحر من النيران ، مما يتناسب مع خصلات الشعر الأحمر الممزوجة بالسواد. فلم يكن "تيان " يدرك تماماً ما الذي يُعد جميلاً ، لكنها على الأرجح كانت كذلك. والأهم من ذلك أنها بدت عدوانية ، وقبضتها كانت تطبق بقوة على رمحها ، وبدت متلهفة لاستخدامه.
انحنى "تيان " ؛ فقد أُخبر مراراً وتكراراً أنه يجب أن ينحني عند لقاء أي شخص ، وأن عدم فعل ذلك يعد قلة أدب فادحة. لم ترد "هونغ ليرين " الانحناء.
- "أيتها العمة ، هل يمكنني تعجيزه ؟ لقد انتهكت عينا كلبه حرمتي. إنه واحد من هؤلاء الضفادع الذين ذكرتِهم ، يتوقون للحم البجع ".
رمش "تيان " ونظر إلى الأخ "فو " الذي كان يجد السحب في السماء أمراً مثيراً للاهتمام للغاية.
- "أيها الأخ الأكبر ، هل يتوافق مع الفضائل القتالية ضرب مريضة عقلياً ؟ هل الفتاة التي يُفترض أن أقاتلها تختبئ خلف هذه الأحمقاء ؟ "
كانت السحب تبدو رائعة ومثيرة للدهشة اليوم لدرجة أن كتفي الأخ "فو " كانا يرتجفان من التأثر. وعلى ما يبدو ، رأت الأخت "باي " الأشياء نفسها التي رآها الأخ "فو " فلم ينطق أحدهما بكلمة.
نظر "تيان " إلى الفتاة كانت تمسك رمحها بكلتا يديها ، وإن لم توجهه نحوه. أخرج "تيان " سلاحه ، فغطت الفتاة فمها وضحكت.
- "رمح حبل ؟ هل تقصد مبارزتي بهذه اللعبة ؟ هل أنت بهلوان شوارع ؟ قرد يتراقص من أجل كسرة خبز وفاكهة عفنة ؟ "
- "لقد عشت على الخبز المتعفن والفاكهة الفاسدة " أومأ "تيان ". "الأرز والخضروات الطازجة أفضل ، لكني لم أرَ قرداً يتراقص من قبل. هل نقاتل فقط ، أم... ؟ "
- "تقاتل ؟ أتحسب نفسك أهلاً لقتالي ؟ "
فكر "تيان " في الأمر بجدية ، وحك ذقنه بإصبعه السليم. تراجعت "هونغ ليرين " بوضوح حين رأت يديه.
- "لا ، قطعاً لا. القرد المشوه ليس أهلاً لقتالي. اذهب إلى مزبلة واقتل نفسك ، فهذا هو جزاؤك. ارحل ، وإلا رجمتك حتى تفعل ". ثم بصقت.
- "ممنوع القتل! " صاح الأخ "فو ".
- "أوه ، اهدأ أيها العجوز.. كلا! "
رمى "تيان " الرمح المعدني نحو عين "هونغ ". رفعت الفتاة رمحها لتصد الهجمة بينما كانت تخطو جانباً ، وبدت وكأنها ترحب بلف الحبل حول رمحها ، فسحبته بقوة ، مجتذبة "تيان " الصغير نحو رأس رمحها الموجه.
سقط "تيان " للأمام ، لكنه في أثناء سقوطه شدَّ الحبل بقوة وخطا عليه ؛ فغرز رأس الرمح في الحجارة ، وكاد الارتداد يطير بالرمح من يدي "هونغ ". داس "تيان " على الرمح ، وبوثبة سدد ركلة من قدمه نحو رأس الفتاة الطويلة. انحنت "هونغ " لتفادي الركلة والتفتت جانباً حين هبط "تيان ". حطمت "هونغ " خاصرته بعصا رمحها ، مما أفقده نصف أنفاسه. أمسك "تيان " بالعصا بذراعه واندفع للأمام ، منزلقاً على طول الرمح ومسدداً ركلة أخرى بقفزة نحو رأسها.
لم تكن "هونغ " جامدة ؛ بل رمت الرمح ، وبسرعة صقر منقض ، قبضت على ساقه بيدها القوية. وبسرعة البرق ، جذبته لأعلى قبل أن تطرحه أرضاً نحو الحجارة.
لم يكن "تيان " أبطأ منها ؛ فقبل أن تلامس قدماه الأرض ، تقبض جسده والتوى كأفعى متلوية ، وسدد عقبه في صدغ "هونغ " مما جعل عيني الفتاة تفقدان التركيز للحظة. رقص الطرف الآخر من الرمح مع "تشي " الخاص به ، ملتفاً حول عنق "هونغ " بينما تحرر من قبضتها.
كانت "هونغ " لا تزال تهوي باتجاه الأرض ، لكن "تيان " استخدم ذراعها كنقطة ارتكاز وتأرجح إلى خلف ظهرها ، لافاً ساقيه حول خصرها. حيث طار الرمح عالياً ، وقد التف حوله الحبل كأفعى تعصر ماعزاً ، فاصطدمت العصا ببطن "هونغ " بينما شبك "تيان " كاحليه فوق الخشب الصلب. ثم ضغط بركبتيه على أسفل ظهرها ، وشد قبضته على الحبل حول عنق الفتاة ، وأرجع جسده للخلف بقوة.
استغرق قول هذا وقتاً ، لكنه حدث أسرع من شرارة تنطلق من حجر الصوان.
هرع الأخ "فو " وضرب يدي "تيان " ليبعدهما عن الحبل ، بينما سحبت الأخت "باي " الحبل عن عنق "هونغ " وسكبت جرعة دواء في حلقها.
- "إنها بخير. تعاني من كدمات شديدة وارتجاج ، لكنها ستعيش. أي نوع من الوحوش الضارية تربي يا "فو " الكلب المسعور ؟! "
- "مضحك أن تصفيه بالضاري ، فهو كذلك بالفعل. تلك الحركة ليست في أسلوب "عنق الأفعى وجسد الكرمة " ".
- "كلا ، أتصور أن المبجل "الأذرع الثمانية " لم يرَ ضرورة لخنق شخص ، وكسر رقبته ، وعموده الفقري في آنٍ واحد و كل ذلك بينما يتصرف كأن الأرض تحت قدميه تشتعل! " زمجرت الأخت الكبرى "باي " وهي تمرر أصابعها حول عنق "هونغ " وعلى طول ظهرها.
سار "تيان " ونظر إلى الفتاة كانت عيناها زجاجيتين زائغتين ، فحدق فيهما مباشرة "أنا أهلٌ لذلك. السؤال الأفضل هو: هل أنتِ أهلةٌ لقتالي ؟ "
رتب ملابسه ووضع رمحه جانباً.
- "أيها الأخ فو ؟ "
- "نعم يا تيان ؟ "
- "ماذا تعني كلمة "أهل " ؟ وأيضاً ، إذا كانت معتوهة لدرجة أنها ظنت نفسها بجعة تحارب ضفدعاً ، فهل يجدر السماح لها بالخروج من المنزل ؟ "