راقب «تيان» «لين» وهي تُعد الشاي ؛ كانت حركاتها بارعةً ومُتقنة ، لكنها خلت من أي حماس. و لقد رفضت ضيافته بفظاظة ، لكنها أدركت أن هذا الحديث بات حتمياً. لاحظ «تيان» سمةً متكررة في جميع التلاميذ المتوارثين: إذا أمرهم أحد الشيوخ بشيءٍ ، وجب تنفيذه. حيث كان «تيان» مُطيعاً للشيوخ ، لكن طاعته -مع استثناءات قليلة- كانت وليدة الخوف والواقعية ، أما بالنسبة للتلاميذ المتوارثين ، فكان الأمر أشبه بالخضوع لقانون الجاذبية.
لقد أمرهم كبارهم بالعمل معاً ، ولم يكن «تيان» يعلم طبيعة الصلة التي تربط الشيخ «ديب ووكر» بعشيرة «لين» ، لكنها كانت بلا شك صلةً جوهرية. لذا وعلى الرغم من كل استيائها ، انضمت إليه في الغرفة المشتركة ، مستعدةً لحوارٍ لم يرغب أيٌّ منهما في خوضه.
- «لقد كنتُ أُطعم سمو الأميرة كما أمرتَ ، وأجعلها تألف وجودي وطاقتي الحيوية».
- «جيد. إن ترسيخ نفسك كمصدرٍ للغذاء والأمان أمرٌ ضروري ؛ فهذا ما يدور في خلدها الآن: الجوع والخطر ، وكل ما عدا ذلك ثانوي».
- «هل حان الوقت للانتقال للخطوات التالية ؟». ارتشَف «تيان» الشاي ، ثم تجمدت يده في الهواء ، فأخذ رشفةً ثانية قبل أن يضع الكوب. «شايٌ طيب ، طيبٌ جداً. لا أظن أنني أعرف هذا النوع».
- «نعم ، ولن تعرفه ، فهو ليس من مملكة "السماء العريضة "».
- «لديكِ شايٌ من خارج المملكة ؟». اتسعت عينا «تيان» دهشةً.
- «نعم». لم تُسهب في الشرح ، ولم تكن مضطرةً لذلك. فكّر «تيان» في أنها كانت ستنسجم مع الأخ «لونغ» ، أو على الأقل كان بإمكانهما التواصل بشكلٍ جيد.
عاد «تيان» إلى أساليبه القديمة ، وغرق في الصمت. وفي نهاية المطاف ، تحدثت «لين» مجدداً:
«هناك تقنيات ، بل هي فنون في الواقع ، لكنها تتطلب أكثر من مجرد التلاعب بطاقتك الحيوية. و في المستوى الأساسي ، تكتسب شعوراً تجاه رفيقك ؛ أشبه بحدسٍ يخبرك بأنه جائع أو ناعس أو نحو ذلك لكنه شعورٌ أكثر يقيناً. و هذا الحدس ينمو ليتحول إلى نوع من التعاطف ، ثم التخاطر في نهاية المطاف ؛ تواصلٌ بلا كلمات ، وبلا كلماتك أنت أيضاً. لا يمكنك التفكير في جملة "لنذهب لتناول الطعام " فهي لن تفهم ذلك ؛ بل عليك التفكير في الأكل ، أو استحضار ذكرى الشعور بالجوع ، أو مشاركة إحساس الجوع ، ثم فكرة الصيد ، أو ذكرى لكما تأكلان معاً».
أومأ «تيان» موافقاً ؛ كان هذا أطول حديث يسمعه من تلك الفتاة واسعة العينين. حيث كانت كلماتها تشبه طريقتها في إعداد الشاي: بارعة ، ومتقنة ، وخالية من الحماس ؛ شيءٌ تعلمته تحت إصرار أحد الشيوخ. تساءل إن كانت قد وصلت إلى «كهف المنعطفات الستة» بالطريقة نفسها التي وصلت بها هو: بنزوةٍ من شيخٍ أراد تعزيز فصيله.
أخرجت كتيباً وقالت: «ابدأ بقراءة هذا ، وتدرب على نمط دوران الطاقة. هو لا يفعل شيئاً بمفرده ، لكنه سيضعك في حالة استرخاء وتنشيط واستقبال ، وهي مفيدة لتدريبك مع الكركي. يحتوي الجزء الخلفي من الكتيب على تمارين إضافية للعمل على التنسيق والتعاطف المتبادل. وعندما تصل إلى نهاية الكتيب ، ستتبع الطرق الموضحة فيه لمحاولة التخاطر. و لكن لا يمكنك القفز إلى النهاية ؛ إنها عمليةٌ تدريجية».
- «شكراً لكِ. ما المقابل الذي أدين به لكِ ؟».
ترددت «لين» ثم صكت على أسنانها وقالت: «لا شيء. إنه جزءٌ من الترتيب مع الدير». لم يعتقد أنها تكذب ، بل بدا الأمر أقرب إلى الأسف على ضياع فرصةٍ للنيل منه. و لكن هذا اللقاء كان يحدث تحت الإشراف الصامت للشيخ «فينغ».
أومأ «تيان» وأنهى كوب الشاي ، ونظر إلى الإبريق بلهفة ، فصبت له كوباً آخر.
- «شكراً لكِ. إنه ممتازٌ حقاً. ماذا يُسمى ؟».
- «هذا الشاي ؟ شاي "كانغ " الذهبي المعتق لعشر سنوات».
- «هل هذا هو اسم هذا النوع من الشاي ؟».
- «لا ، هذا اسم هذا النوع بالتحديد. أما اسم الصنف فهو شاي "قرية الوئام "».
كان لدى «تيان» الكثير والكثير من الأسئلة ، لكن وجه «لين» صدّها. حيث كانت ستتحدث عما أُمرت بالتحدث عنه ، وفقط. حيث كان ينوي قبول الأمر برحابة صدر ، وتقبّل هذا التطور الطفيف في علاقتهما ، لكن شيئاً ما في تلك الفكرة ظل يؤرقه. استمتع بالشاي وهو يفكر ؛ كان حلواً بلمسة خفيفة ، مع نكهة خشبية وجوزية غامرة. نقر شفتيه برفق ؛ كانت الحلاوة تظهر في المذاق اللاحق ، كإيحاءٍ طفيف بفاكهة البرقوق. حيث كان أمراً غريباً بالنظر إلى غنى الشاي ونكهته الخشبية ، لكنه كان لذيذاً.
من الواضح أن «لين» أحبته أيضاً فقد صبت لنفسها كوباً ثانياً.
- «هل تستائين مني لأنني اخترقت الكهف ، أم لأنني أهنتكِ عندما وصلت إلى القصر ؟». سأل «تيان».
سكبت «لين» الشاي ، وحدقت فيه بغضبٍ عارم.
- «أيها اللقيط!».
- «قد أكون كذلك بالفعل ، على حد علمي». أومأ «تيان». «لكنني أعلم أنكِ تقصدينها كإهانة. ما زلت غير متأكد مما يعنيه "نكروفيلي " فليس في كتبي ما يشرح ذلك».
لم يهدئ هذا من روعها.
- «كنت مستعداً ، مستعداً تماماً ، لقتلي بسبب إهانة لم تكن تفهمها حتى ؟».
- «أدركت أنكِ تهينينني ، والأهم من ذلك تهينين الأخت «هونغ» ، والأخت «سو» ، والأخ «وانغ»».
- «القتل بسبب إهانة ؟ سأصمت عما قلته أنت المختل عقلياً!».
هز «تيان» رأسه: «حسناً ، فليكن ، أنا المجنون. و لكن السؤال ما زال مهماً. هل تستائين مني لأنني نجحت في الاختبار ، أم لأنني أهنتكِ ؟ لأن شيوخنا يريدون منا العمل معاً بكياسة على الأقل. و إذا كان السبب هو الإهانة ، فيمكنني الاعتذار عن ذلك».
كان اعتذاراً أجوف ، فهو ليس آسفاً على الإطلاق. و لكن الأخ «فو» أخبره قبل سنوات أنك أحياناً تضطر للاعتذار حتى وإن لم ترتكب خطأً ، وبدا أن هذا الوقت هو أحد تلك الأوقات.
- «وإن لم يكن هذا هو السبب ؟».
- «حينها سأضطر للتفكير أكثر ، لأن مَن وصل إلى الغرفة السادسة كان بقرارٍ من "القديسة " التي شرحت لي بالتفصيل كيف كانت تلتهمنا جميعاً. أنتِ ، وأنا ، والجميع. ليس فقط من ماتوا ، بل الجميع. لا أستطيع القول إنني فهمت كل شيء ، لكنني خرجت بانطباع أن موتنا لم يكن هو وحده ما يغذيها ، بل كانت الإمكانات الضائعة». حدق «تيان» في عيني «لين» ، ثم أخذ رشفة أخرى من الشاي.
«يجعلك الأمر تتساءلين حقاً. و قالت القديسة إنها تشك في أن شيوخنا فهموا ما وافقوا عليه عندما أبرموا اتفاقهم معها. لم أعد متأكداً من أنها على خطأ. إن إرسال أطفال واعدين ليدمروا مستقبلهم على أمل العثور على سلاحٍ قوي أو اثنين لاستخدامهما يبدو متماشياً تماماً مع طباعهم».
شعر «تيان» بأن «التشي» في الهواء تضطرب للحظة.
- «قالت ذلك ؟».
- «قالت و ربما كانت تقول ذلك كطريقة لزرع عدم الثقة ، بالطبع».
- «لكنك تصدقها». ضيقت «لين» عينيها الواسعتين.
- «حول هذا ؟ نعم».
- «لماذا ؟».
- «لأنني لا أعتقد أنها متصالحة مع وضعها. أؤمن حقاً بأنها تتمنى لو كان بإمكانها أن تكون رحيمة».
أثار كلامه نظرة استغراب منها. هز «تيان» كتفيه: «كانت كل غرفة مميتة ، لكن كل غرفة كانت تعلمك كيفية اجتيازها. قد لا تكون عادلة ، وقد تحتوي على بعض الفخاخ ، لكن كل من نجا تعلم الكثير. إنها تريدنا أن نتعلم. أظن أننا نحمل "التاو " الخاص بها بطريقة ما. نحن لسنا مجرد طعام أو ناجين ، نحن تلاميذ».
نعم ، لقد شعر باضطرابٍ واضح في تلك اللحظة.
- «هذا... يبدو جنوناً».
- «أيتها الأخت لين ، إنها شبحٌ قديم يطارد العظام الخالدة التي زرعتها منذ زمنٍ لا يعلمه إلا الاله ، حين كانت قديسةً لطائفة كان يمكنها سحق "جبل الكركي القديم " بإصبعٍ واحد. تقضي كل وقتها وحيدةً في الظلام ، تنتظر فرصتها القادمة لالتهام الأطفال. أخبريني أنتِ ، أي جزءٍ من هذا يبدو "عاقلاً " ؟».
انهارت «لين» على ظهر الكرسي ، متجاهلةً النقوش الدقيقة على الخشب ، واللوحات التي تصور الخالدين المحلقين على الجدار ، والأضواء الخافتة ، والسحب الجميلة التي تنجرف خلف النافذة. علم «تيان» أنها تاهت في ذكرياتها. هل كانت تقاتل الطائر القرمزي ؟ هل كانت تتصارع مع السلحفاة القبيحة ؟
لقد بدت متفاجئة عندما لم يقاتل في طريقه عبر الكهوف ، بينما كان هو متفاجئاً من أنها فعلت ذلك. حيث كان يمكن الاعتماد على الأخت «ليرين» لتشق طريقها بالطعن عبر أي معضلة ، أما «لين» فبدت أكثر هشاشةً. جرب «تيان» نهجاً مختلفاً:
- «أيتها الأخت لين ، كيف أُرسلتِ إلى الكهوف ؟».
- «أنت... أحد نخبة الساحة الخارجية لجبل الكركي القديم». كان صوتها بعيداً. «قلتَ إنني أهتم بعائلتي أكثر من الطائفة. ما لا تفهمه هو أن الفرق بينهما أقل مما تظن. و أنا عضو أصيل في الطائفة ، وعضو أصيل في عشيرتي أيضاً. عشيرة ائتمنتها الكركي القديمة نفسها على رعاية صغارها ، في الأيام التي كانت تبشر فيها بالتاو عبر أرجاء المملكة. هل لديك أدنى فكرة منذ كم جيلٍ كان ذلك ؟ كم يمكن لعائلة أن تتسع وتنمو في ذلك الوقت ؟ هناك احتمال كبير أن نكون أقرباء من بعيد».
هز «تيان» رأسه لم يستطع تخيل ذلك. لأمرٍ واحد لم يكن بينهما أي شبه.
- «ويمكنني قول ذلك لأنني ، من الناحية الرياضية ، قريبة من معظم سكان المملكة. الزمن ، والعائلات الكبيرة ، وأطفالنا الذين ينجون عادةً لفترة تكفى لإنجاب أطفالهم الخاصين». تابعت «لين»: «نحن لسنا عائلة مترابطة أو دافئة ، كيف لنا أن نكون كذلك ؟ بعد نقطة معينة ، هل تظن أنك ما زلت جزءاً من العائلة حقاً ؟».
- «أتخيل أن الأمر يختلف بمجرد أن تدق جرس "استدعاء التنين "».
- «بالفعل. تنتقل من كونك واحداً من آلاف إلى واحد من أكثر من مئة موزع على جميع فروع العائلة. و أنا نخبة حقيقية في محكمتين خارجيتين. وعندما لم أخترق "كهف العدم " حُكم عليّ بحياةٍ من الدرجة الثانية في الطائفة وفي عائلتي. الأفضل بين الدرجة الثانية. و لكنها تظل درجة ثانية. غير قادرة على الوصول إلى القمة. تلميذة جوهر جيدة ، في يومٍ ما. وماذا يريد شيوخنا ؟».
أخفض «تيان» رأسه. أراد الشيوخ ذلك الفرد أو الاثنين من الصغار الذين يمكنهم تغيير كل شيء. حيث كانت الجماهير موجودة فقط لدعم النخبة القليلة جداً. حتى الأسماء تجعل الأمر واضحاً ؛ «التلاميذ المباشرون» ، أولئك الذين يرثون الطائفة حقاً. حيث كانت «لين» مقدراً لها أن تكون خادمةً لبقية حياتها. خادمةً قوية ومقدرة ، لكنها خادمة. ما لم تقطع علاقاتها تماماً مع الطائفة وعائلتها ؛ وهو أمرٌ أسهل قوله من فعله.
وها هو ذا ، أحد أسيادها المستقبليين. جرذ غابة مشوه ، غش في طريقه عبر الاختبار. أو شيئاً من هذا القبيل. لا عجب أن القديسة لم تسمح لها بالوصول إلى الكهف الأخير. لم يستطع سوى تخيل الوجبة التي قدمها مستقبلها المقطوع. لا بد أنها ظنت أن هو والأخت «ليرين» خياران أفضل لمواصلة «التاو» الخاص بها. عشاءٌ وتلاميذ. ما الذي يمكن أن يكون أفضل من ذلك ؟
- «أتساءل إن كان طعمي جيداً و ربما تحب النكهات المرة». تلاشى صوت «لين» من البعيد إلى الأجوف. و لقد اكتشفت الأمر هي الأخرى.
لم يكن الأمر أنها ليست جيدة بما يكفي أو ذكية بما يكفي ؛ كانت مجرد فريسة. حيث كان بإمكانها الصراخ طلباً للعدالة كما تشاء ، لكن... هل يدين النمر للغزال باعتذار ؟ وأي نوع من العدالة يمكن لشيوخها أن يتكبدوا عناء منحها إياه ؟ إنها لن تصل إلى القمة و ربما سيعوضها شيوخها بقرص دواء ووظيفة جيدة في مكان ما. و يمكنها حقاً تقديم مساهمة بهذه الطريقة.
- «كلما تحدثت أكثر إلى الأخ وانغ ، زاد اقتناعي بأنه يطرح نقاطاً جيدة». تمتم «تيان».
- «نعم ، وأنا أيضاً».
غرقا في الصمت مجدداً. تساءل «تيان» عما يعتقده الشيخ «فينغ» بشأن كل هذا. و على الأرجح أنه مستعد لصفعه حتى الموت. وما إذا كان سيفعل ذلك قبل أو بعد صفع الكثيرين غيره حتى الموت ، ظل أمراً مجهولاً.
بدأت «لين» تضحك ؛ كان صوتاً قبيحاً ومكسوراً. انحنت على ركبتيها ، وقبضت على ذراعيها بقوة. وقف «تيان» وحاول التربيت على ظهرها.
- «لا تلمسني!». صفعت يده بقوةٍ جعلته يشعر بالتنميل من رسغه إلى أسفله.
- «آسف». تنهد «تيان». «آسف. ليس ذنبي ، لكنني آسف. لا أعرف كيف نصلح هذا ، حقاً لا أعرف». جلس مرة أخرى في كرسيه وأغمض عينيه. حاول أن يرى الفتاة التي يمقتها ، لا كضحية ، بل كطفلة مكسورة أخرى ، تسحقها وطأة جبلين.
أصبح من الصعب أكثر فأكثر رؤية الوحش الشرير. و لقد طرد المصباح اللعين في قلبه الظلال المريحة. الشفقة يمكن أن تكون قاسيةً بهذا الشكل.