داخل منزل "أدوم"، حدق كين ورفاقه في الرجل السمين الذي وقف أمامهم؛ كان رجلاً في منتصف العمر، وعلى الرغم من امتلاء جسده الملحوظ، إلا أن ملابسه كانت في غاية الأناقة، وكان يفيض بهيبة وكبرياء يمتزجان بوقار واضح. ومع ذلك، كان يبدو ودوداً للغاية، بملامح جذابة توحي بسهولة المراس والتعامل.
تقدم الرجل السمين بخطوات واثقة وصافح كين بحرارة قائلاً: "مرحباً أيها القائد كين، أنا رئيس (رابطة التمساح الأكبر التجارية)، واسمي كورو كروكودايل، وإذا سمحت لي، يمكنك مناداتي بـ (كروكودايل) فحسب".
رد عليه كين بتهذيب: "أهلاً بك يا رئيس كورو كروكودايل".
في هذه اللحظة، تدخل أدوم موضحاً: "لقد علم الرئيس أنني أبحث عن قطعة أرض لتكون مقراً لـ (الكتيبة الحربية)، فجاء إلى هنا رغبةً منه في التحدث إليك شخصياً".
تعتبر ما تُسمى بـ "الكتيبة الحربية" نقابةً من المستوى الذهبي؛ وبما أن النقابات تضع حداً أقصى لعدد الأعضاء، فلا يمكن تسميتها "نقابة" بشكل علني في المحافل الرسمية، لكن هذا المسمى لا يشكل فرقاً في التعاملات الداخلية، إذ يمكن للقائد داخلياً أن يطلق على قواته مسمى "دولة" دون أدنى مشكلة. لذا، بمجرد وصول كين ورفاقه إلى المستوى الذهبي وتأسيس قوتهم الرسمية، سيكون الاسم المسجل في "مجلس الضباب" هو (كتيبة حرب الفوانيس)، وليس مجرد نقابة عادية.
أومأ كين برأسه متفهماً، ثم وجه نظره نحو كورو كروكودايل وقال: "تفضل يا سيد كروكودايل، كلي آذان صاغية".
أومأ كورو برأسه وجلس على الأريكة المقابلة لهم، ثم قال: "الأمر ببساطة يا رئيس كين، إذا كنتم بحاجة إلى أرض لبناء مقر لنقابتكم، فيمكنني توفيرها لكم دون مقابل".
سأل كين بنبرة جادة وباردة: "وما هو الثمن إذن؟ فلا يوجد شيء بلا مقابل".
عند سماع ذلك، لوّح كورو كروكودايل بيده بسرعة نافياً: "لا، لا، الأمر لا يتعلق بالمال أو التكلفة بتاتاً، كل ما أتمناه هو أن يتمكن ابني من الانضمام إلى كتيبتكم الحربية".
ساد الصمت الغرفة، ولم يكن كين وحده من غمره الذهول، بل كل الحاضرين؛ فهم كانوا على دراية مسبقة بمكانة (رابطة التمساح الأكبر التجارية) منذ أن كانوا في "مدينة الأسد". وعلى الرغم من أنها ليست رابطة تجارية عابرة للقارات، إلا أنها تتربع على القمة في منطقة "مدينة الحدود"، حيث تسيطر على معظم العقارات والأراضي هناك، وتتبعها شركات بناء مرموقة، وتتمتع بسمعة ناصعة سواء في تملك الأراضي أو في جودة المباني التي تشيدها.
إنها إمبراطورية تجارية ذات نفوذ مالي ضخم وسمعة طيبة، ولم يكن كين يقلل من شأن نقابته، لكن الحقيقة هي أن نقابتهم لم تُؤسس رسمياً بعد ككتيبة حربية، ولم يُعتمد اسمها لدى "مجلس الضباب"، فكل ما يملكونه حالياً هو صيتهم كفريق صغير متميز.
برز تساؤل منطقي: هناك عدد لا يحصى من مؤسسي النقابات الأكثر شهرة وخبرة، فلماذا يصر هذا الرجل على تسليم طفله لكتيبتهم الناشئة بالذات؟ بدا الأمر غير منطقي بالمرة.
فسأل كين بحيرة: "لماذا نحن؟ لماذا تختار كتيبتنا ونحن لم نضع حجر الأساس لها بعد، ولم نتشكل رسمياً؟".
أجاب كورو كروكودايل بصراحة تامة، دون مواربة أو اختلاق أعذار: "بسبب نبوءة".
رد الجميع في صوت واحد مستغربين: "نبوءة؟".
أومأ كورو برأسه وأوضح: "نعم، ذات مرة بذلت الغالي والنفيس للعثور على (مستكشف) من المستوى الذهبي ليجري لي نبوءة، وكان سؤالي: كيف يمكن لابني أن يصبح مستكشفاً من الطراز الأول؟ كان ذلك قبل خمس سنوات حين وُلد ابني واكتُشف أن لديه إمكانات مذهلة. وكانت فحوى النبوءة أن طريقه يبدأ بعمل يتسم بالكرم والحكمة".
وتابع بحماس: "والآن، أجد أن هذه المواصفات تنطبق عليك تماماً؛ فأنت تسعى لتأسيس قوة حقيقية، وجميع الأعضاء المؤسسين عباقرة فطررين. لقد أخبرتني والدتي عن زيارتك قبل عامين، مباشرة بعد انضمامك للمستكشفين، والآن أنت على أعتاب تأسيس كتيبة حربية! لم أسمع في حياتي بتقدم سريع كهذا، إنها الفرصة المثالية. وحتى لو أخطأت النبوءة، فإن الاستثمار في مواهبكم هو (صفقة رابحة) في كل الأحوال، ومنحكم الأرض مجاناً لن يكون خسارة لي أبداً".
شرح كورو مخاوفه وتطلعاته بوضوح، وبالرغم من غرابة السبب، إلا أنه بدا منطقياً لمن يؤمن بالقدر والفرص.
"إنه يقول الحقيقة". همست "ليلولو" بهدوء في أذن كين.
نهض كين من مقعده واتجه نحو كورو الذي هبّ واقفاً في الحال، وتصافح الاثنان بقوة.
"اتفقنا، يسعدني التعاون معك!".
رد كورو بابتسامة عريضة ملأت وجهه: "وأنا كذلك، يسعدني جداً العمل معكم!".
في تلك الأثناء، سألت "كريا" بفضول: "ابنك في الخامسة من عمره فقط، أليس كذلك؟".
أومأ كورو مبتسماً: "نعم، هذا صحيح".
بدا واضحاً للجميع مدى حرصه الشديد على مستقبل طفله.
قال كورو بحسم: "إذن، تفضلوا معي جميعاً. فمدينة الأسد ليست شاسعة جداً، وقطعة الأرض ليست بعيدة من هنا".
قاد كورو المجموعة خارج المنزل نحو الضواحي، فالمساحة التي يحتاجها كين ضخمة، ومن الطبيعي ألا تتوفر في قلب الزحام، ومع ذلك لم تكن الأرض في أطراف المدينة الموحشة، بل في موقع استراتيجي ممتاز.
وقف الجميع يتأملون الأرض الشاسعة الممتدة أمامهم، فسأل كورو: "أيها القائد كين، ما رأيك في هذه البقعة؟ هل تنال رضاك؟".
نظر كين حوله وأومأ بارتياح كبير، فقد كان الموقع والمساحة يتجاوزان توقعاته بمراحل: "إنها ممتازة، أنا راضٍ جداً عنها".
ما إن رأى كورو رضا كين، حتى أخرج صك الملكية وعقداً جاهزاً من "معدات التخزين الفضائية" الخاصة به وسلمهما لكين. كان العقد موقعاً ومختوماً من جانب شركتهم، ولا ينقصه سوى توقيع كين ليصبح كل شيء رسمياً.
"مبارك عليك، الأرض أصبحت ملكك الآن".
أعجب كين كثيراً بصراحة كورو وموقفه الحاسم، فاستلم العقود وقال: "غداً يمكنك إحضار ابنك إلى المقر. وقبل أن يبلغ سن الرشد، سيتولى أعضاء النقابة تدريبه وإعداده، وبمجرد أن يصبح مستكشفاً، سينضم رسمياً كعضو في الكتيبة".
وبعد قول ذلك، رفع كين يديه، وانطلقت منهما طاقة سحرية هائلة بشكل جنوني. صمت كورو كروكودايل الذي كان يهم بالحديث، وتراجع خطوات للخلف وهو يراقب ما يحدث بذهول.
مع تدفق السحر، استدعى كين حفارات ميكانيكية ضخمة واحدة تلو الأخرى، بدأت بالدوران والعمل بسرعة فائقة، وفي وقت قياسي، تم حفر أساسات عميقة وشاملة لقطعة الأرض بأكملها. ثم ظهر في المركز مخطط لمبنى بدأ يرتفع ويتشكل نحو الأعلى.
ومع تقدم البناء، نزل كين إلى الأساسات وتبعته كريا والآخرون. كانت هذه المرة الأولى التي يشهد فيها "أدوم" مشهداً كهذا، فمشى خلفهم مبهوراً، وكذلك فعل كورو كروكودايل الذي تملكه الفضول وهو يرى المبنى يرتفع أمام عينيه.
في وسط الأساسات، ارتفعت أعمدة ضخمة، وشُيد فوقها مبنى كبير مزدوج الطبقات يتخذ شكل "فانوس" مهيب. ورغم ضخامة المبنى، إلا أن مساحة الأرض كانت تسمح بالمزيد.
التفت كين لرفاقه وسأل: "هل لديكم أي طلبات خاصة للتصميم؟".
نظرت كريا والرفاق للمكان، وأدركوا أنه رغم اتساعه، يجب تنظيمه بذكاء. اقترحت كريا: "ما رأيك ببناء نزل كبير على طراز دائري يحيط بالمبنى الرئيسي؟ ستحتاج نقابتنا إلى غرف كثيرة للأعضاء".
فكر كين في الاقتراح ووجده صائباً، وبعد أن خرج الجميع من منطقة الأساسات، بدأ كين يسير على الحافة، ويشيد المباني المحيطة واحداً تلو الآخر، ويثبتها بقوة سحرية مكثفة. لم يمضِ وقت طويل حتى اكتمل المقر: مبنى ضخم على شكل فانوس في المركز، يحيط به هيكل دائري نصف كروي مكون من 9 طوابق، يحتوي على غرف مصممة لتناسب مختلف الأجناس والأحجام، لتكون مساكن للمنضمين الجدد.
في النهاية، أعاد كين توزيع التربة المحفورة حول القواعد لتدعيم المبنى وتثبيته تماماً. استغرقت العملية برمتها أقل من نصف ساعة، ليقف مقر النقابة العملاق شامخاً في مكانه، مقسماً من الداخل بالكامل، بانتظار الأثاث والتجهيزات.
قال كورو كروكودايل بإعجاب شديد: "لا عجب أنك قلت إنه سيكون جاهزاً غداً! يا رئيس كين، لو قررت يوماً الانضمام لرابطتنا التجارية، فسأدفع لك أعلى أجر ممكن، هاه هاه!".
ورغم مزاحه، كان كورو يشعر بسعادة غامرة في أعماقه، مدركاً أنه "وضع رهانه في المكان الصحيح". فالثقة والقوة التي أظهرها كين، وإقراره المباشر بالنبوءة دون تواضع مصطنع، أكدت لكورو أنه أمام شخصية استثنائية.
"إذن، سأستأذن الآن يا رئيس كين".
أومأ كين برأسه مودعاً، بينما كان الحشد من المستكشفين والسكان قد بدأ يتجمهر حول المكان، مذهولين من هذا الصرح الذي نبت من الأرض في نصف ساعة.
كان من بين الحضور مراسلون صحفيون وصلوا بسرعة البرق فور سماع الأنباء، لكنهم التزموا الحذر ولم يجرؤوا على التصوير دون إذن، خوفاً من استفزاز صاحب هذه القوة الهائلة. وحين رأى مراسل من صحيفة تابعة لـ "مجلس الضباب" أن كين قد فرغ من حديثه، استجمع شجاعته واقترب.
"معذرة، هل أنت القائد كين؟".
التفت كين للمراسل، ثم لمح الحشد الكبير، وتذكر فجأة أن هذا المكان هو مدينة عامة وليس "دهليزاً" معزولاً، وتساءل في نفسه إن كان بناء صرح كهذا بهذه السرعة ودون إخطار مسبق سيسبب له مشاكل قانونية.
نظر بسرعة نحو "أدوم" القلق، لكن أدوم طمأنه فوراً وكأنه قرأ أفكاره: "لا تقلق يا رئيس، لا يوجد أي خرق للقوانين هنا". تنفس كين الصعداء وقال للمراسل: "تفضل، ما لديك؟".
"هل تسمح لي بإجراء مقابلة قصيرة معك؟".
وافق كين، معتبراً أن الكتيبة الناشئة تحتاج لبعض الدعاية في هذه المرحلة. سأل المراسل بحماس: "أيها القائد كين، ما الهدف من تشييد هذا المبنى الضخم بهذا الأسلوب الصاعق؟".
أجاب كين بثبات: "لقد ارتقيت أنا وزملائي إلى رتبة مستكشفين من المستوى الذهبي، ونحن بصدد تأسيس كتيبة حربية رسمية، وهذا المبنى سيكون مقراً لنقابتنا".
صعق المراسل وسأل بذهول: "المستوى الذهبي؟!". كان يعرف إنجازات كين السابقة، لكن القفز للرتبة الذهبية كان خبراً مدوياً.
أجاب كين بيقين: "بالطبع".
استمر كين في الحديث عن طموحاته والترويج للنقابة، وبعد رحيل الصحفيين وتفرق الحشد الذي اكتفى بمشاهدة المعجزة المعمارية، التفت كين لرفاقه قائلاً: "والآن، لنبدأ بالتصميم الداخلي. أخبروني بمتطلباتكم وسأتولى أنا التنفيذ".
ثم قادهم جميعاً إلى داخل المقر الجديد لبدء العمل على التفاصيل النهائية.