كان الجسر الذهبي الممتد في كبد السماء مغطىً بالتشققات، وبدأت شظايا صغيرة تتساقط منه تباعاً، وما لبثت هذه القطع المتساقطة أن استحالت قطرات مطرٍ تروي الأرض من تحته.
كان الجسر الذهبي كياناً ذا طاقة هائلة، وبعد زواله، بقيت طاقته حبيسة هذا العالم، وفي تلك اللحظة، كانت قطرات المطر المتهاطلة من السماء هي المظهر الخارجي لاندثاره وتلاشيه.
إن تلك الطاقة التي استُمِدَّت سابقاً عبر التهام العوالم والأرواح، كانت تُستخدم للتشبث بالحياة فحسب، أما الآن، فستتحول بقايا موته المحطمة إلى غِذاءٍ لهذا العالم، مما يعيد تجديد كل شيء فيه من جديد.
في هذه اللحظة، قام كين، الذي كان يقود "هيئة الخلق"، بإرخاء يده التي تحمل "درع السماء"، تاركاً إياه معلقاً بجانبه، وبينما كان يراقب قطرات المطر الذهبية وهي تتساقط على جسد "هيئة الخلق"، صاح بصوت جهوري في اتجاه "ميزيكي"، وكأنه يذكره بأمرٍ ما:
"ميزيكي!"
عند سماع صرخة كين، مد ميزيكي يده إلى "خزانة التحالف" وأخرج شيئاً ما، فظهرت قارورة ضخمة أمامهم، ثم ألقى بها باتجاه كين، فاستخدمت "هيئة الخلق" كلتا يديها لتلقفها وحملها.
هذا ما كان ميزيكي يعكف على صنعه خلال الأيام القليلة الماضية؛ مزيجٌ يعجز الوصف عن اعتباره مجرد جرعة سحرية عادية، فقد تم تركيب هذه الجرعات بمساعدة "صولجان التناغم" الخاص بميزيكي، والذي يتميز بخصائص دمجٍ مثالية، مكنته من العمل كأداة دمجٍ متطورة للغاية. كان هذا أول ابتكار لميزيكي في صنع المستحضرات باستخدام "صولجان التناغم"، وقد استوفى بالفعل كافة المتطلبات المنشودة.
وبعد ذلك، التف الجميع حوله، واستخدم كل واحد منهم، بمن فيهم كين، صولجاناتهم لضخ الطاقة في السائل القابع داخل القارورة العملاقة، ومع تدفق الطاقة، تألق السائل في الداخل بإشعاع خماسي الألوان. وبفضل الخصائص المتناغمة للجرعة، اندمجت طاقات الصولجانات المتباينة بسلام، وانصهرت لتصبح طاقة واحدة في جوف القارورة.
ثم احتضن كين قارورة الجرعة الضخمة التي كانت تنبعث منها هالة قوية بخمسة ألوان، وقذف بها بكل قوته نحو طبقات السحب في السماء. انكسرت القارورة بين السحب، مطلقةً كمية هائلة من سائل الطاقة، الذي تحول، تحت سيطرة كين، إلى ضباب كثيف انتشر عبر رقعة شاسعة.
بدأت هذه الكتلة الهائلة من الضباب، التي تشبه الغيوم المثقلة، بالهطول، واختلطت قطراتها بقطرات المطر الذهبية المتساقطة من الجسر الذهبي المحطم. ورغم أن السائل كان محدود الكمية ولم يكن بوسعه سوى إضاءة العاصمة والمنطقة المحيطة بها، إلا أن تلك المساحة كانت كافية وزيادة.
في اللحظة التي تحطم فيها الجسر الذهبي، دبت الحياة في أوصال العالم بأسره، وكأن الشروخ السابقة قد التأمت، والفراغات الماضية قد امتلأت، وبدا العالم وكأنه يعود إلى فطرته الأولى. شعر المواطنون في الأسفل بقطرات المطر تتساقط عليهم، فابتهجت أجسادهم، وارتجفت أرواحهم من فرط الإثارة؛ إذ إن قطرات المطر التي تلقوها، والممزوجة بسائل الطاقة، كانت كفيلة بتعويض العناصر الناقصة في أجسادهم على أكمل وجه.
وتحت هذا الغيث، عادت الأرض الشاسعة المحيطة بهم إلى حالتها الأصلية، وعلى الرغم من أن بقية أرجاء الأرض تعافت قليلاً تحت رذاذ المطر الذهبي، إلا أن ذلك الأثر سيتلاشى تدريجياً، حيث ستعود هذه الطاقة في نهاية المطاف إلى مركز العالم، ثم تنساب ببطء إلى المناطق الأخرى.
لقد ركزت الجرعات التي استخدمها كين والآخرون الطاقة في منطقة واحدة، لضمان إنشاء رقعة من الأرض المستعادة بالكامل على الأقل. وفي نهاية المطاف، كان ذلك السائل الهائل يتكون من طاقات صولجانات مختلطة، ولم تعد الأرض الحالية قادرة على إنتاج مثل هذا الصولجان لأنها مجرد جزء من عالم محطم. إن الطاقة المنبعثة من الصولجان ستعيد ترميم هذه المنطقة بشكل مثالي، مما يسمح للطاقة بالاندماج دون أن تتبدد هباءً.
كانت هذه الأرض وبيئتها التي تجددت حديثاً قادرة تماماً على إعالة ما يقارب عشرة آلاف شخص ممن نجوا وبقوا في القارة. وبعد إتمام كل هذا، حلق كين في السماء، يرقب المواطنين في الأسفل وهم ينعمون بالمطر، وقال: "أيها الجميع، تقبلوا نعمة النصر هذه!"
وبعد أن أتم حديثه، هبط جسد كين بـ"هيئة الخلق" ببطء حتى استقرت قدماه على الأرض. وعندما نظر إلى "درع السماء" في يده، وجد أن الحقد الذي كان يختزنه قد تحول إلى قوة كافية لتقويض "الجسر الذهبي". ورغم أنه ما زال يحتفظ بطوله الذي يتجاوز العشرين متراً، إلا أنه فقد طاقته الآن وأصبح على وشك الانهيار.
رفعت "هيئة الخلق" يدها قليلاً، مشيدةً منصة حجرية دائرية، قبل أن يقوم كين بتثبيت "درع السماء" في وسط الساحة. ظل تمثال "حماية السماء" مائلاً على المنصة الحجرية؛ فقد كانت مهمته الأصلية هي تحطيم الجسر الذهبي، وفي النهاية، وبمساعدة قوى العالم، أنجز المهمة وحطم الجسر. والآن سيبقى هذا الرمح الطويل هنا، ليكون أول أسطورة تُخلد في هذا العالم الجديد بعد أن أدى أمانته.
وبعد ذلك، تلاشى جسد "هيئة الخلق" العملاق.
"يحيا الملك!"
"يحيا الملك!"
"يحيا الملك!"
مع صيحات "هايدلين" وأوائل الجنود الذين أعلنوا ولاءهم لكين، بدأ الجميع بالهتاف معهم، وعلت الأصوات تمجد كين وهو يقف أمامهم بمهابة. وسط هذه الهتافات، أخرج كين من "المخزن المكاني" أثمن ما كان بحوزتهم؛ ونظر إلى الحجر الكريستالي المتوهج في يده، والذي كان يرمز إلى قدرتم على تحويل هذا "الدهليز" إلى ملكية خاصة دائمة لهم.
بسط كفه وأطلق الحجر الكريستالي المتوهج ليطفو في السماء، فصعد الحجر ببطء، ومع كل ذراع يرتفعها، كان ضوؤه يزداد سطوعاً وقوة حتى غدا في النهاية كأنه شمسٌ رابعة. وبعد بلوغه ارتفاعاً معيناً، استحال إلى حلقة من الموجات الصدمية التي امتدت بسرعة البرق إلى حواف العالم، مغلفةً إياه بغشاء غير مرئي. وهكذا، صار هذا العالم فعلياً تحت سيطرة كين ورفاقه، وتحول إلى "دهليز خاص" دائم.
[يُكتب فصل جديد]
[اكتملت الكتابة]
[تتوفر لديك فصول جديدة للقراءة]
أتمنى لك مغامرة ممتعة.
ظهر فصل جديد أمام كين، ورغم أن هذا الفصل أثار حماسه وفضوله إلى أقصى حد، إلا أنه لم يجد متسعاً من الوقت الآن للاطلاع عليه. تحولت هتافات المواطنين المتحمسة إلى خلفية لوابل غزير من المطر الذهبي الذي أغرق الأرض، بينما أصبح الجسر الذهبي الممتد فوق السماء أكثر تفتتاً وخفوتاً، إلى أن اختفى تماماً في النهاية، وانقشعت الغيوم لتظهر الشمس التي كانت محجوبة ومستنزفة مرة أخرى في كبد السماء.
كانت كرة ذهبية معلقة على حافة الأفق، ترسل ضياءها اللطيف على الأرض بأكملها. وبعد آلاف السنين، أشرقت هذه الشمس الحمراء النارية أخيراً على هذه الأرض، وبثّت نورها من جديد. شعر المواطنون بالذهول من ضوء الشمس الدافئ الذي، رغم أنه لم يمنحهم قوىً سحرية أو بركات، إلا أنه أعاد لهم الحياة. واحتضنت أشجار الخشب العملاقة ضوء الشمس المفقود منذ أمد بعيد بسعادة، وهي التي تجرعت مرارة الانتظار والمشقة لآلاف السنين من أجل هذه اللحظة تحديداً.
في تلك اللحظة، ما الذي شعر به كين ورفاقه؟ بالنظر نحو الأفق، كان الضباب الأبيض هناك يموج ويضطرب، ثم اندفع الضباب من حافة العالم، كما لو كان أحد تلك العوالم التي قُدِّر لها أن تُبتلع بالكامل، لكن هذه المرة لم يكتسح الضباب المكان كإعصار مدمر يغمر العالم، بل تجمع بسرعة فوق رأس كين.
غطت كتلة ضخمة من السحب البيضاء السماء، مع ضباب كثيف يدور ببطء فوق رأس كين، وواحداً تلو الآخر، هبطت الملائكة بأجنحتها المنبسطة، تنبعث منها هالة من الضباب الأبيض الخفيف. ومن بينهم، رأى كين الملاك الذي أرشدهم سابقاً وقد وصل معهم. وبمجرد نزولهم، اصطفوا على الجانبين برشاقة، وشبكوا أيديهم في خشوع وكأنهم في حضرة أمر جلل.
اندلع دويٌّ عظيم من وسط الضباب الأبيض فوق كين، وبدا كأن جسماً هائلاً على وشك الانبثاق من بين الغيوم. امتد زوج من الأذرع المرمرية الشبيهة باليشم من الضباب الكثيف في الأعلى؛ كانت أذرع امرأة، تفيض بالرقة والأنوثة، وتشع منها هيبة الأمومة والدلالة الإلهية، فاتنة بجمالها ومصونة بجلالها في آن واحد.
راقبت "كريا" والآخرون تلك الأذرع بأعين شاخصة، وشعروا بألفة طاغية، كانت تشبه حنان الأم، بروابط ضاربة في أعماق دمائهم وأرواحهم، مما أكد لهم بلا شك كنه هذا الوجود القادم من الضباب. ورغم رغبتهم في إطالة النظر، لم يسعهم إلا أن ينكسوا رؤوسهم إجلالاً.
شعر كين أيضاً بتلك الرابطة القوية في سلالته وبالحركة الخافتة في روحه، وراقب الأيدي اليشمية الضخمة وهي تمسك برفق بـ"الصولجان البلاتيني" العائم بين راحتيها، حيث انبعث ضوء ساطع من بين أصابعها. لم يجرؤ أحد على الاعتراض، ولا حتى كين نفسه، فمن خلال صلته الخاصة بالصولجان البلاتيني، استشعر التغيرات الجوهرية التي طرأت عليه.
عندما انفتحت الأيدي مرة أخرى، كشفت عن تاج مرصع بخمسة أحجار كريمة مستقر في راحة اليدين. حملت الأيدي الضخمة التاج الصغير برفق، ثم انحنت ومدته باتجاه رأس كين. فهم كين المقصد، فاستحضر عرشاً ميكانيكياً مهيباً يجمع بين الجمال والعظمة، وأشرقت عيناه ببريق بلاتيني، محافظاً على وقاره ككائن إلهي، وجلس على عرشه ناظراً إلى الأفق بمهابة.
انفتحت الأيدي في السماء ببطء، وهبط التاج برفق، بينما شرعت الملائكة في إنشاد ترنيمة أثيرية عذبة يتردد صداها في الأرجاء، وشعر كل من استمع إليها كأن روحه تُغسل من كل درن. هبط التاج في هالة من الضوء الناعم ليستقر على رأس كين، وبعد إتمام ذلك، انكمشت الأذرع اليشمية الضخمة عائدة نحو السماء، وتوقفت الملائكة عن الترنيم ورفرفت بأجنحتها لتبدأ رحلة العودة في جوف الضباب.
عندما رأت "ليلولو" تلك الأيدي تستعد للرحيل، تملّكها القلق، فغمرتها ومضات ضوئية وهي تنطلق عالياً في السماء، ترفرف بجناحيها بأقصى سرعتها نحو الأعلى. وعندما لاحظت الأيدي اقتراب ليلولو، توقفت في انتظارها، ولما وصلت إليها، احتضنتها في قوسٍ حانٍ قبل أن تتراجع نهائياً.
وبعد ذلك، تبددت الغيوم سريعاً وانزاحت نحو حدود العالم، ومع انحسار الضباب، عاد الضياء الذهبي ليشرق من الأفق مجدداً، ملقياً بظلاله على العالم المسترد. وبتاجه المتلألئ وعينيه اللتين تفيضان بالبريق البلاتيني، خاطب كين الرعية قائلاً: "الآن، اقطفوا ثمار النصر، وانغمسوا في أفراح هذا الاحتفال الذي استحققتموه بصبركم!"
"أوه... أوه... أوه!"
"ليحيى ملك البلاتين!"