تتكرر هذه المشاهد بصورة أسبوعية تقريباً.
"إن كان البابا يستعجل الأمر، فليأتِ ويحثني بنفسه. وبصراحة، لم تكن معرفتي بكِ إلا عبر 'كنيسة الجسر الذهبي'، وأنا لا أضع ثقتي في أتباعك بسهولة."
قال كين ذلك وهو يمني النفس بأن يأتي هذا البابا المزعوم ليحثه شخصياً، كي يتمكن من الإطاحة به والقبض عليه في الحال.
بيد أن هذا البابا كان يتسم بحذر شديد؛ فلم يكشف عن وجهه قط، وظل يتواصل مع كين دوماً عبر الوسيطة صوفينا.
عند سماعها كلمات كين، هزت صوفينا كتفيها ببرود قائلة: "البابا رجل رعديد، وأنت تعلم يقيناً أنه لن يجرؤ على مقابلتك وجهاً لوجه. وبما أن جلالتكم تبدون في غاية الانشغال، فسأنصرف الآن كي لا أهدر المزيد من وقتكم."
وبعد أن أنهت حديثها، انحنت صوفينا لكين باحترام قبل أن تواري عن الأنظار.
في واقع الأمر، كانت المنطقة التي يقيم فيها الأمير "تشنغ" قد سقطت في قبضة كين ورجاله سراً منذ أمد بعيد، لكنهم آثروا التكتم على الأمر ولم يعلنوه للملأ، فقد أصبحت المنطقة تحت سيطرتهم الفعلية منذ زمن.
أما بالنسبة للأمير "تشنغ" نفسه، فلا أحد يعلم وجهته التي ولى إليها هارباً، وربما كان يتوارى في جحر ما.
لقد جاءت أنباء مصرع الملوك الأربعة ودمج أراضيهم في كيان واحد لتؤكد صحة الشائعات التي طرقت مسامع الأمير "تشنغ". وكما كان متوقعاً، انسل الأمير هارباً بجلده.
حين حثهم البابا في بادئ الأمر، تملص كين من طلبه بأعذار واهية مشابهة، والآن لم يتبقَ سوى أتباع "كنيسة الجسر الذهبي" يقتفون أثر الأمير "تشنغ".
أما رجال كين فقد كفوا عن البحث منذ فترة طويلة، ولم يكلفوا أنفسهم عناء التملق أو مجاملة الكنيسة. ولو لم تكن "كنيسة الجسر الذهبي" لا تزال ذات نفع، لكان كين قد تتبع الخيوط وهدم أركانها على رؤوس من فيها.
أما عن مكان تواري الأمير، فقد كان كين يمسك بزمام الأمور منذ البداية؛ فبفضل "مغازل القدر"، لا يملك الأمير "تشنغ" سبيلاً للفرار، فأينما ولى وجهه، سيجده كين بانتظاره. غير أن كين لم يهتدِ بعد إلى وسيلة لتدمير "الجسر الذهبي"، لذا فقد آثر ترك الأمير على قيد الحياة في الوقت الراهن.
علاوة على ذلك، فبعد أن تفقد كين أراضي الأمير "تشنغ"، لم يجد في نفسه ضغينة حقيقية تجاهه، بل يمكن اعتباره الملك الأكثر اتزاناً وعقلانية بينهم.
فوفقاً لشهادات المدنيين والقادة العسكريين في منطقته، نادراً ما يظهر الأمير "تشنغ" علانية، لدرجة أن السواد الأعظم منهم لا يدركون حتى طبيعة سلطته. حتى أن أراضيه تُعدُّ ثاني أفضل الأراضي صيانةً وازدهاراً بين الممالك كافة.
وبطبيعة الحال، تظل أراضي "الملك الأحمر" -الذي يمتلك سلطة الخلق- هي الأفضل على الإطلاق.
وعلى الرغم من أن أراضي الأمير "تشنغ" تعاني هي الأخرى من نقص في الكثافة السكانية، إلا أنها على الأقل تضاهي عدد سكان أراضي الملك الأحمر. ورغم أن الأمير "تشنغ" لا يرى في هؤلاء المدنيين بشراً مكرمين، إلا أن تجاهله لهم يتجلى في عدم اكتراثه بشؤونهم.
هو يعامل الرعايا كالنمل الذي يدب في مملكته، لكنه يستخدمهم أيضاً كبيادق يمكن التضحية بها لصد أطماع الغزاة. ومع ذلك، وبالمقارنة مع بقية الملوك، فإن سلوكه يعد طبيعياً ومقبولاً نسبياً.
إن المسألة هنا تكمن في المفاضلة بين الأسوأ، لذا يُعتبر "الملك الأحمر" والأمير "تشنغ" الأكثر طبيعية بين أقرانهم. وفي مرحلة ما، أضحى مجرد الكف عن إيذاء المدنيين -وإن لم يُعتبروا بشراً- شكلاً من أشكال الفضل الذي يُثنى عليه.
في ظل هذه المعطيات، لم يمانع كين في تركه حياً لفترة أطول قليلاً.
في تلك اللحظة، دنت كريا من خلفه وقالت: "ماذا دهاك يا كين؟ كل شيء جاهز، هيا بنا."
أومأ كين برأسه موافقاً فور سماع كلمات كريا، ثم انضم إلى البقية وهم يتأهبون للمغادرة.
كان موقع الأطلال قد حُدد بدقة على الخريطة ورُصد ضمن نظام "يويو" الملاحي. وعندما غادرت المجموعة حدود المدينة ووطأت أقدامهم أرض البرية، توقف كين ورفاقه فجأة. ورغم الحيرة التي اعتلت وجوه رفيقيهما "ووفاس" و"مو يي"، إلا أنهما حذوا حذوهم وتوقفا أيضاً.
فجأة، تراءت مركبة أمامهم، ظهرت بسرعة خاطفة وكأنها انشقت عن الأرض، دون أدنى إشارة لعملية بنائها. فمع إضافة "سلطة الخلق"، بلغت مهارات كين الأصلية مستوى من القوة المفرطة داخل هذا "الميدان المحصن".
ظل تصميمها كما هو، يشبه تلك "المقطورة السكنية" التي هجروها منذ زمن، لكنها أصبحت الآن أكثر اتساعاً لاستيعاب العضوين الجديدين.
"لقد مضى زمن طويل منذ أن استقليتُ مثلها، إنه مشهد يبعث على الحنين حقاً،" قال لونغبي وهو يربت على هيكل العربة المتنقلة مسترجعاً ذكريات الماضي.
ثم دلف أعضاء المجموعة إلى الداخل الواحد تلو الآخر، يتبعهم "ووفاس" و"مو يي" وهما في حالة من الذهول التام، يتفحصان المركبة بفضول بالغ من الداخل والخارج.
"يرجى الانتباه، نظام 'يويو' يتأهب للإقلاع."
ومع انطلاق صوت "يويو"، اندفعت العربة المتنقلة بسرعة فائقة، مما جعل "مو يي" يصرخ فزعاً: "آه، إنها تتحرك!"، وهو ما أثار ضحكات الجميع.
كانت "أطلال والدري" هي وجهتهم الأولى، وتقع على حافة القارة، في نقطة قريبة نسبياً من موقعهم الحالي. وبعد يوم كامل من القيادة بأقصى سرعة، وصل كين وفريقه أخيراً إلى الموقع المنشود.
وما إن ترجلوا من العربة السكنية، حتى انداحت أمامهم المناظر الطبيعية الخلابة. كانوا يقفون على مشارف القارة، وخلفهم يمتد بحر شاسع لا يحده بصر، غير أن هذا الامتداد كان له نهاية؛ إذ كان بالإمكان رؤية جدار شاهق من الضباب الأبيض يرتفع عند حافة الأفق.
شكل هذا الجدار الضبابي حدود "الميدان المحصن"، حيث يحيط به من كل جانب، ولم يكن الضباب يمارس قوته للتأثير على ما بداخله، بل كان الغرض منه ببساطة هو حصر هذا النطاق ومنعه من الانجراف بعيداً.
وبحسب ما ذكره "هايدلين" والآخرون، فقبل مئتين إلى ثلاثمئة عام، لم يكن هناك وجود لهذا الجدار الضبابي فوق المحيط، بل كان هناك فراغ حالك السواد، وفي لحظة ما من التاريخ، تحول ذلك الحد إلى جدار من الضباب.
أمامهم، امتد بستان يبدو عادياً تماماً، خالياً من أي ميزة تلفت الأنظار.
لم يتمالك لونغبي نفسه فسأل في حيرة: "أهذا هو المكان المنشود حقاً؟"
أومأ "ووفاس" برأسه مؤكداً وهو يقف بجانبه: "لم نخطئ الوجهة، موقع الأطلال هنا بالفعل، لكنه محجوب بطلاسم سحرية. لولا استجابة سلالتي وقدراتها الخاصة، لما استطعت اكتشاف أثر هذه الآثار."
ولهذا السبب تحديداً، انضم "ووفاس" إلى فريق كين، فلم يكن هناك من هو أجدر منه بهذه المهمة.
وبعد أن أنهى كلامه، تقدم "ووفاس" نحو شجرة معينة. كانت هذه الشجرة تمثل الحد الخارجي للبستان، وبدت في ظاهرها عادية كبقية الأشجار المحيطة بها.
حتى مع استخدام كين لمهارة "عين الصقر"، لم يتمكن من رصد أي خلل، فقد كانت الشجرة والبستان يبدوان في غاية الطبيعية.
منذ وصوله إلى هذا "الميدان"، بدأت فعالية رؤية "عين الصقر" الخاصة بكين تتضاءل تدريجياً، إذ أن بعض الأوهام والمصفوفات السحرية المتطورة في هذا المكان قادرة على حجب الرؤية الطاقية التي توفرها العين.
فقط من خلال الفحص الدقيق والتركيز باستخدام "البصيرة القتالية الإلهية"، يمكن الكشف عن أثر خافت جداً، وهذا لا يحدث إلا إذا كان كين يدرك مسبقاً وجود تلاعب في المكان.
ومثلما حدث مع أوهام "هايدلين" سابقاً، فإن مجرد المرور العابر من هنا سيجعل حتى "البصيرة القتالية الإلهية" تتغاضى عن الأمر دون ملاحظة أي ريبة.
وعندما اقتربت "ووفاس" من الشجرة، بدأ تدفق القوة السحرية في تبديل ملامح المحيط تدريجياً.