بدأ صوت هايدلاين السردي يتردد صداه في قاعة المؤتمرات.
"بناءً على رغبة جلالته، وإضافةً إلى ملاحظاتي التي جمعتها على مدى مئات السنين من الترحال عبر أرجاء هذه القارة، تمكنا من اكتشاف أطلال تعود لسلالتين قديمتين."
قبل شهرين، وخلال محادثة جرت مع كين، أدركت هايدلاين غايته وحاجته الماسة في الوقت الراهن.
أخبرت هايدلاين كين أنها، في أثناء بحثها عن معلومات تتعلق بشقيقه، عثرت على بعض الآثار الغابرة.
لقد استخلصنا الكثير من هذه الآثار القديمة، بما في ذلك السبل الكفيلة بإلحاق الضرر بـ "الجسر الذهبي"، أو كيفية تدميره بشكل كامل.
في عصر "الشمس والقمر"، أثار الظهور المفاجئ للجسر الذهبي ريبة العديد من الأجناس في العالم آنذاك، مما وضعهم في حالة من التأهب والعداء.
وفي نهاية المطاف، كشفت هذه الآثار أن سلالتين قد ألحقتا بالفعل أضراراً بالجسر الذهبي، لكنهما فشلتا في تدميره، وانتهى بهما الأمر إلى الفناء على يد الجسر الذهبي وقوات الكنيسة الخاضعة لأمره.
أما المحاربون البواسل الذين خاضوا تلك المعارك الضارية، فقد أصبح أشهر أتباع الجسر الذهبي في ذلك الزمان، وهو من عُرف لاحقاً بملك البلاتين الشهير.
خلال تلك الفترة، أرسلت هايدلاين سراً العديد من الحراس والجنود للشروع في استكشاف تلك الأنقاض.
ففي نهاية المطاف، لا يمكن بحال من الأحوال إفشاء مخطط تدمير الجسر الذهبي، بل يجب أن يُنفذ في كنف السرية؛ إذ تدرك هايدلاين تماماً أن كنيسة الجسر الذهبي لم يندثر أثرها بعد.
وتابعت هايدلاين قائلة: "هذان الأثران مرتبطان بسلالتي 'ووفاس' و'مو يي'."
وعند سماع كلمات هايدلاين، التفت الجميع بأنظارهم نحو ووفاس ومو يي.
ووفاس هو ذلك الشخص "الذابل" من عرق "والدري"؛ فلم يسبق لكين أن رأى أحداً من هذا العرق سوى شخص واحد ذابل، وهو ووفاس، في تلك الزنزانة.
أما مو يي، فكما يعلم الجميع، هو "ابن القمر".
بدأ ووفاس بتقديم نفسه قائلاً: "ربما لم يسبق لجلالتكم أن عاينتم عرقاً مثلي إلا نادراً، ولعلكم لم تصادفوا أحداً غيري من بني جنسي."
"والدري؟" تساءل كين بصوت مسموع.
وجه جميع الحاضرين نظرات ملؤها الفضول نحو كين.
بدا ووفاس متفاجئاً إلى حد ما؛ إذ لم يكن يتوقع أن يعرف كين اسم عرقه، نظراً لندرة المعلومات حولهم، لدرجة أن هايدلاين نفسها لا تعرف تصنيفهم الفعلي.
علاوة على ذلك، كان ووفاس موقناً بأنه لم يذكر ذلك لكين قط.
"على غير المتوقع، جلالته يعرف عرقي!" كان صوت ووفاس ينم عن دهشة واضحة.
أشار كين للجميع بألا يتعجبوا، قائلاً: "لا تأخذكم الدهشة، لقد تصادف أنني على علم بذلك فحسب."
وهكذا، بات من المؤكد الآن أن هذا الكائن ذو الطبيعة النباتية هو السلالة الأصلية لتلك الوحوش التي كانت في الزنزانة والتي طهرها كين في وقت سابق.
فهل هي محض مصادفة؟ أم أنه أمر لا مفر منه؟
"إحدى هذه الآثار ترتبط بعرقنا؛ فهي مسكن 'والدري' منذ غابر الأزمان، وهي ذاتها الأثر الذي عثرتُ عليه."
***
ثم أردف مو يي قائلاً: "يا صاحب الجلالة، الأثر الآخر هو أطلال 'طفل القمر'، وهو أصل جنسنا في العصور السحيقة، وفقاً لما ذكره الزعيم."
قالت هايدلاين: "دعهم يقودونك إلى تلك الأطلال يا جلالة الملك."
أومأ كين برأسه موافقاً: "لا بأس، فلنشرع في العمل فوراً."
"حسناً يا جلالة الملك، سأقوم بحشد بعض الجنود لمرافقتك على الفور."
لكن كين قاطع كلمات هايدلاين قائلاً: "لا حاجة لحشد الجنود؛ فليقتصر الأمر على عدد قليل منا فحسب، تفادياً لأي طارئ، فكلما قل عدد المطلعين على الأمر كان ذلك أفضل."
فتحت هايدلاين فمها وكأنها تهم بقول شيء ما، لكن كين أشار إليها بيده رافضاً، وفي نهاية المطاف أومأت برأسها على مضض.
ففي واقع الأمر، كان الغرض من إرسال الجنود هو حماية كين، ولكن عند اشتداد الخطب، لم يكن من الواضح من سيحمي من!
بعد ذلك، بدأت المجموعة في التأهب والتحضير.
في هذه اللحظة، غادر كين غرفة الاجتماعات، وصادف في طريقه الراهبة صوفينا.
أما الآن، فإن صوفينا التي كانت تُعد مساعدة لكين، أصبحت بمثابة مستشارة لهايدلاين.
لقد غدت صوفينا شخصية لا غنى عنها تحت قيادة هايدلاين، نظراً للكم الهائل من المعلومات حول "البلد البلاتيني" المحفوظة في ذاكرتها.
وبإضافة ما تملكه من معلومات تاريخية عن الأعراق، ومعرفتها بمختلف النباتات والحيوانات، وحتى التفاصيل الجغرافية الدقيقة، يمكن وصفها بحق بأنها "موسوعة متنقلة".
ولم تكن رحلات هايدلاين التي استمرت قرناً من الزمان عبر القارة القديمة لتضاهي معرفة صوفينا الواسعة؛ فكلما واجهتا معضلة غير مفهومة، كانتا ترجعان إلى صوفينا لتستوضحا منها الأمر.
وهكذا، منذ أن وحد كين ورفاقه أراضي الملوك الأربعة، لم تجد صوفينا وقتاً للراحة.
وإلى جانب سعة اطلاعها، تتمتع صوفينا بمستوى تعليمي رفيع وقدرات متميزة.
لكن هذا كله لا يغير من حقيقة أن صوفينا راهبة من كنيسة الجسر الذهبي، وهي الخصم اللدود لكين ورفاقه بطبيعتها.
بيد أن ما أرق كين هو أن صوفينا قد توطدت علاقتها به منذ نصف شهر.
لقد أصبحت صوفينا، بشكل يثير العجب، شخصية جديرة بالثقة، ومع ذلك، لم يكن كين يدرك ما إذا كان تدمير الجسر الذهبي سيؤثر على مصيرها ومكانتها.
ففي النهاية، هي راهبة تنتمي للكنيسة التي تقدس الجسر الذهبي، ومن المستبعد ألا تكون مؤمنة به.
وهكذا، وجدت صوفينا نفسها في موقف حرج للغاية، وإن كانت لا تزال غافلة عن ذلك.
وعندما رأت صوفينا كين، ظل وجهها متصلباً وخالياً من أي تعبير.
"همم.. البابا يحثني على تذكيركم بضرورة الإسراع في جمع 'الصولجان البلاتيني' وإعادة تنصيب أنفسكم كملك جديد للبلاتين."
وعلى الرغم من أن نبرة صوفينا كانت تبدو كأنها تحثه، إلا أن صوتها ووجهها الجامد كانا يشيان ببرود تام ولا مبالاة واضحة.
بدا الأمر وكأنها تؤدي واجباً أملاه عليها البابا فحسب، تردد الكلمات كأنها مجرد رسول ينقل رسالة لا تعنيه.