بعد أن استمعت كريا إلى كلمات كين، رنت إليه بنظرةٍ فاحصة.
كانت تعلم أن كين قد حاز بعض الأدوات ذات القدرات المتميزة والفعالة للغاية بعد هزيمته للملك الأحمر، لكنها لم ترَ حقيقتها قط، بل تناهت إليها بعض أخبارها عبر "بيرتون".
وعندما رأت رغبة كين في استعراض مهاراته، لم تستطع كبح فضولها الذي تجلى بوضوح في عينيها.
ولم تكن كريا وحدها من تناهى إلى مسامعها حديثهما، بل سمعه أيضاً معظم القادة الذين اصطفوا خلفهما، فبدت على وجوههم ملامح الفضول والترقب؛ ففي نهاية المطاف، لم يكن حديثهما همساً بعيداً عن الأسماع.
كان قادة المتمردين يتوقون لمعرفة مدى قوة هذا الرجل الذي تربطه علاقة وثيقة بالمحاربة "الأمازونية" كريا، التي كانت في نظرهم رمزاً للقوة المطلقة.
علاوة على ذلك، فقد سرى خبر هزيمة كين للملك الأحمر بينهم كالنار في الهشيم.
أما "بيدي" و"ستيل آرمور" فكانا يدركان يقيناً مدى بأس كين، كونهما من رعايا أراضي الملك الأحمر سابقاً، ويعلمان حق المعرفة مدى الرعب الذي كان يبثه ذلك الملك؛ لا سيما "ستيل آرمور" الذي خاض غمار القتال وجهاً لوجه ضد الملك الأحمر.
ومع ذلك، لم يتسنَّ لأي منهم رؤية كين وهو يقاتل، فتملكهم الشوق لمعرفة مدى قوة الملك الجديد الذي أطاح بالملك الأحمر بمفرده.
وقف كين في شموخ، ولوّح بيده إلى الخلف آمراً.
أدركت كريا على الفور أن القادة يؤمنون انسحابها، مما أفسح لكين مجالاً واسعاً؛ إذ كانت توقن أن كين سيشرع حتماً في صنع ترسانة أسلحة على نطاق واسع مجدداً.
في البداية، برز بجانب كين رأس صولجان مرصع ببلورة أرجوانية، ومع تدفق القوة السحرية من كين، بدأت البلورة تتوهج بضياءٍ مكثف، مُفعلةً قدراتها الكامنة.
ومع تصاعد وتيرة السحر، تم استحضار عدد كبير من المدافع ذاتية الدفع في الموقع، كانت سبطاناتها الغليظة والطويلة، التي يناهز طولها الثلاثة أمتار، مشرعةً نحو الخارج.
وأظهر إحصاء تقريبي وجود نحو ثلاثين قطعة مدفعية في المجمل، تجمهرت بإحكام حول كين.
وأمام هذه المدافع، برزت منصة صغيرة مجوفة، صُممت خصيصاً من أجل "يويو".
استوت "يويو" فوقها مباشرة، وأحكمت سيطرتها على هذه المدافع الثلاثين.
حينها فقط، أدركت كريا التطور الهائل الذي أحدثه كين في سلاح المدفعية؛ إذ إن أبعد مدفع صار يتجاوز نطاق العشرة أمتار عن كين الذي يتوسط المركز.
وهذا يشير إلى أن نطاق مهارات كين لم يعد حبيس الأمتار العشرة، بل امتد ليتجاوز ذلك بكثير.
والأهم من ذلك كله، أن كين كان بمقدوره سابقاً صنع مدافع متعددة، لكنه كان يعجز عن تزويدها جميعاً بالذخيرة في آنٍ واحد.
فانتباه المرء له حدود، وعلى الرغم من ارتقاء كين والآخرين إلى المستوى الفضي، مما عزز سماتهم الجسدية وقدراتهم الذهنية، إلا أن استهلاك الطاقة السحرية اللازمة للحفاظ على ثلاثين قطعة مدفعية مع إنتاج الذخيرة لها في وقت واحد كان يمثل تحدياً جسيماً لكين فيما مضى، حتى مع مؤازرة "يويو" و"نوار".
أما الآن، فلم يعد كين قادراً على صنعها فحسب، بل صار بمقدوره الحفاظ على استهلاكها المستمر، وبدا أنه يستطيع إنتاج ذخيرة لثلاثين مدفعاً في لمح البصر.
ولم يكن هذا الوضع قد بلغ ذروته بعد.
إذ لم يستنزف كين كامل طاقته بعد، بل إنه استخدم خاصية "عين الصقر" لتفعيل آلية التصويب، مستهدفاً الثغرات بين صفوف قوات العدو بدقة متناهية.
"أطلقوا النار!"
ومع صرخة كين، دوت المدافع الثلاثون بزئيرٍ يزلزل الأركان ويصم الآذان.
ولحسن الحظ، كانت كريا قد حذرت الجنود والقادة خلفها مسبقاً، وطلبت منهم سد آذانهم بإحكام، وإلا لكانت رؤوسهم قد دارت من شدة الصدمة والارتجاج.
وعلى الرغم من ذلك، فإن ارتداد المدافع الثلاثين جعل الأرض تميد تحت الأقدام، وأثارت كل قذيفة سحابة كثيفة من الغبار، مما جعل السواتر والمخابئ بلا فائدة، إذ غطا الغبار المتصاعد المنطقة بأكملها.
وكان الأمر جلياً للعيان كشمس الضحى بأن ثمة خطب ما يحدث هنا.
فعل الجنود الشيء نفسه، مدفوعين بفضول عارم لرؤية أثر القصف، فخرجوا من مكامنهم يرقبون الأفق بلهفة.
"بوم! بوم! بوم!"
ترددت أصداء القصف في أرجاء المنطقة، ورأى الجنود كرات هائلة من اللهب تنفجر في قلب جيش العدو الغارق في الظلام.
تناثرت أطنان من التربة في الهواء، ومع انقشاع ألسنة النيران، تكشفت حفر غائرة في أديم الأرض.
تسبب الانفجار والضجيج العرمرم في تراقص ألسنة اللهب السوداء فوق الهياكل العظمية بضعف، أما تلك التي تلقت القذائف مباشرة، فلم تتهشم فحسب، بل استحالت شظايا متناثرة في كل حدب وصوب، وانطفأت نيران بعضها تماماً.
ومع ذلك، قام جزء كبير منها بجمع الشظايا المتبقية ودمجها مع هياكل عظمية أخرى متضررة، مما أدى إلى تشكيل هياكل عظمية مسخية غريبة الأطوار.
عندما عاين كين رد فعل العدو حيال تلك الأضرار، أدرك أخيراً مدى صلابة وجلد جنود الملك الأسود؛ فقد انفجرت قذائف بهذا العنف فوق رؤوسهم، ومع ذلك نجا بعضهم.
بدا أن أسلحة كين النارية لم تعد قادرة على إحداث ذلك التأثير الساحق في المعارك ذات المستويات العالية المتزايدة كما كان عهده بها سابقاً.
فكلما ارتفع المستوى في "الزنزانة"، تطورت الخصائص البدنية لهذه الوحوش، حيث بات كل منها يتمتع بمقاومات متنوعة.
تماماً مثل تلك الهياكل العظمية التي تضطرم بنيران سوداء في الصفوف الأمامية.
أما أولئك الذين لم يلقوا حتفهم تماماً، فقد التحموا بهياكل عظمية أخرى متضررة، ورغم أن تلك الهياكل قد تلاحمت في صور بشعة جعلت حركتها وئيدة وصعبة، إلا أنها ظلت قائمة.
لم يعد كين يلقي بالاً لمراقبة ما أنجزه، بل شرع مباشرة في تنفيذ عملية قصف سجال وشامل، ممطراً العدو بوابلٍ مستمر من القذائف.