قَطَّبَتِ الخنفساءُ السَّماويّةُ ذاتُ الأجنحةِ السبعةِ ، المسؤولةُ عن قيادةِ هذا السِّربِ ، جَبينَها ؛ إذ لَم تَتوقَّعْ أن يكونَ "هيراغ " مُثيراً للمتاعبِ إلى هذا الحدِّ. كانت خُطَّتُهم الأوليّةُ تَعتمِدُ على استراتيجيةِ "الكثرةِ غَلَبَتِ الشجاعةَ " لاستنزافِ طاقةِ "هيراغ " أولاً. ورغمَ أنَّ هذه الخنافسَ السماويّةَ ليست في غايةِ القوةِ إلا أنَّ أقلَّها شأناً يُصنَّفُ ضِمنَ كائناتِ المستوى الرابعِ والخامسِ ، ناهيكَ عن أعدادِها الغفيرةِ. ومعَ هذه الحشودِ الهائلةِ كان مِن شأنِ زحفِ سربِ الخنافسِ السماويّةِ الضاري أن يُلحقَ بـ "هيراغ " بَعضَ الضررِ بوجبٍ أو بآخرَ.
وحتى لَو كانت تلكَ الإصاباتُ طفيفةً للغايةِ ، فإنَّ "تراكمَ القطراتِ يَشُقُّ الصخرَ " وكان كفيلاً معَ مرورِ الوقتِ أن يُلحقَ به أذىً جَسيماً. وبمجردِ أن يَنالَ التعبُ مِن "هيراغ " ويُشارفَ على الاستنزافِ ، سيكونُ بمقدورِهم الإطاحةُ به مُباشرةً. و لكنَّ الواقعَ جاءَ على عكسِ تَوقُّعاتِهم تماماً ؛ فقد كان "هيراغ " مُحصَّناً بالكاملِ ضدَّ هجماتِ سِربِ الخنافسِ. وأياً كانت الاستراتيجيهُ التي اتبعوها لم يَستطيعوا أن يَنالوا منه مَنالاً أو يَمَسُّوا منه شَعرةً.
هذا هو الجانبُ المُرعبُ في "مجالِ هيراغ الداخليِّ " و "قانونِ الخلودِ " ؛ فالوسائلُ ذاتُ الرُّتبِ المُنخفضةِ لا تُجدي نفعاً ضِدَّهُ ، ولا عِبرةَ بالأعدادِ في حضرَتِهِ. وحده "قانونُ القوةِ " الأقصى أو "قوةُ النهرِ الأمِّ " ما قد يملكُ فرصةً لإصابتِهِ. مَرَّت ساعةٌ كاملةٌ ، فَقَدَ فيها السِّربُ عشراتِ الآلافِ من الخنافسِ السماويّةِ. كانت قُدراتُ "هيراغ " الدفاعيّةُ مَهيبةً ، وقوتُهُ الهجوميّةُ كاسحةً لا تُبقي ولا تذرُ. فبضربةِ صاعقةٍ واحدةٍ مِنهُ ، يَمحو بقعةً كاملةً مِن السِّربِ ، مِمَّا جَعَلَ الموقفَ برُمَّتِهِ يسيرُ في اتجاهٍ واحدٍ تماماً.
وأمامَ هذا المَشهدِ ، أَمَرَ القائدُ ذو الأجنحةِ السبعةِ أتباعَهُ بمواصلةِ الهجومِ دونَ انقطاعٍ ، والحفاظِ على زَخْمِ الاعتداءِ. فقد ساورَهُ الشكُّ في أنَّ حالةَ "هيراغ " هذه قد لا تدومُ ولها أمدٌ مُحددٌ ، لذا خَطَّطَ لمواصلةِ استهلاكِ الوقتِ قبلَ القيامِ بمزيدٍ مِن المراقبةِ. وبعدَ مرورِ ساعتينِ كانَ الفراغُ المُحيطُ يغصُّ بأطرافِ خنافسَ لا حصرَ لها ، بينما ظلَّ "هيراغ " دونَ خَدشٍ واحدٍ. ولَم يبدُ عليه الإعياءُ مُطلقاً ، بل على النقيضِ ، بدا متوقِّدَ الذهنِ وبالغَ الحيويةِ بشكلٍ مُتزايدٍ.
في الحقيقةِ كان "هيراغ " يشعرُ بارتياحٍ كبيرٍ ؛ فقد استمتعَ بتلكَ المذبحةِ ، فاندفاعُ سِربٍ مِن الحشراتِ المتهورةِ نَحوَ حَتفِها كانَ وسيلةً رائعةً للترويحِ عن النفسِ وتفريغِ الضغوطِ. وبالعودةِ إلى "عُشِّ الدروعِ السماويّةِ " كان هناكَ دوماً خنافسُ مسؤولةٌ عن مراقبةِ مَجرياتِ المعركةِ بالكاملِ ، ورصدِ وتحليلِ وضعِ "هيراغ ". وخَلَصوا إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ حالةَ "هيراغ " يمكنُ أن تستمرَّ لفترةٍ طويلةٍ جداً ، وأنَّهم لا يطيقونَ تَحَمُّلَ هذا الاستنزافِ.
فاستمرارُ حَربِ الاستنزافِ هذه لا طائلَ مِنهُ ، ولن يؤديَ إلا إلى تَبديدِ قواتِهم سُدىً. بناءً على ذلكَ ، وبعدَ المراقبةِ والحساباتِ ، أصدرت قيادةُ العُشِّ أوامرَها للقائدِ ذي الأجنحةِ السبعةِ في الخطوطِ الأماميّةِ بتغييرِ استراتيجيهِ القتالِ. وبحلولِ ذلكَ الوقتِ كان ما يقربُ مِن مائتي ألفِ خنفساءَ قد هَلكوا ، وتراكمت أطرافُهم لتُشكِّلَ غُباراً كونياً جديداً. ففي هذا الكونِ ، لا تَتعلَّلُ هذه الأشلاءُ ولا تَأجل ، بل تظلُّ مُحتفظةً بهيئتها التي كانت عليها حينَ كانت حَيَّةً.
"ألن تُقاتلوا بعدَ الآن ؟ " تساءلَ "هيراغ " وهو يُواصلُ القتلَ بحماسٍ ، حينَ لاحظَ فجأةً أنَّ السِّربَ بَدأَ يتراجعُ ، كافاً عن الضغطِ الهجوميِّ. وبدلاً مِن ذلكَ ، تَقَدَّمَت خنفساءُ سماويّةٌ ضخمةٌ ذاتُ سبعةِ أجنحةٍ كان جَسدُها يُشبهُ البشرَ ، باستثناءِ امتلاكِها لأربعةِ أزواجٍ مِن الأذرعِ وأربعِ أرجلٍ. لاحظَ "هيراغ " أنَّهُ كلما زادت قوةُ الخنافسِ ، اقتربت هيئتُها مِن الشكلِ البشريِّ. ففي الواقعِ ، تُشبهُ خنافسُ الرتبِ الدنيا الخنافسَ العاديةَ ، لكن بحجمٍ أكبرَ ، وكلما ازدادت قوتُها ، غدا شكلُها أقربَ إلى البشرِ.
مَدَّت الخنفساءُ ذاتُ الأجنحةِ السبعةِ أذرعَها الثمانيةَ ، وكانَ كلُّ ذراعٍ منها يُمسكُ بسلاحٍ مُختلفٍ. كانت كلُّ تلك الأسلحةِ تتوهجُ بضوءٍ غيرِ مألوفٍ ، وتَنبعثُ منها هالةٌ استثنائيةٌ. أثارَ ذلكَ فضولَ "هيراغ " ؛ فتقنيةُ صياغةِ هذه الأسلحةِ لم تكن بسيطةً ، ولم تكن أسلحةً عاديةً قَطُّ. ومِن غيرِ المتوقعِ أن يَمتلكَ "عالمُ عِرقِ الحشراتِ " مِثلَ هذه التقنياتِ في الحدادةِ ، مِمَّا يُشيرُ إلى أنَّ مستوى تطورِ حضارتِهم لم يكن مُتدنياً ، ولم يقتصر اهتمامُهم على تعزيزِ القدراتِ القتاليةِ فحسب.
ومعَ ذلكَ كانت هذه الأسلحةُ بلا قيمةٍ أمامَ "هيراغ " فهي أدنى بكثيرٍ مِن "سلاحِ الصاعقةِ " المكثفِ الخاصِّ به ، ولا تُقارنُ به بتاتاً. حيث كان وجهُ الخنفساءِ ذي الأجنحةِ السبعةِ يُشبهُ وجهَ البشرِ بالفعلِ ، رغمَ أنَّهُ ما زالُ يَحملُ عيوناً مُركَّبةً ، مِمَّا جعلَ ملامحَهُ تبدو وحشيةً ومُخيفةً. و نظرَ القائدُ إلى "هيراغ " وبمجردِ أن تحرَّكَ السيفُ وبقيةُ الأسلحةِ في يديهِ كان قد وصلَ بالفعلِ أمامَهُ ، لتنهالَ عليه الطعناتُ مِن مختلفِ الزوايا.
"أنفاسُ النهرِ الأمِّ... "
شعرَ "هيراغ " بأنفاسِ النهرِ الأمِّ تَنبعثُ مِن هذه الأسلحةِ ، وعندَ التدقيقِ ، اكتشفَ أنَّها كانت مَشحونةً بطاقةٍ غريبةٍ يبدو أنَّها تَنبعُ مِن داخلِ جَسدِ الخنفساءِ نفسها. وبما أنَّهُ استشعرَ تلكَ الأنفاسَ لم يكن "هيراغ " ليختارَ التصديَ لها بجَسدِهِ بطبيعةِ الحالِ. فقد كان "مجالُهُ " قد غَطّى المحيطَ بالفعلِ ، مِمَّا مَكَّنَهُ مِن رَصْدِ كلِّ حركةٍ للخنفساءِ بدقةٍ متناهيةٍ ، والمراوغةِ بسهولةٍ ويُسرٍ.
ومِن الواضحِ أنَّ الخنفساءَ لم تكن تَفهمُ أساليبَ "مجالِ الساحرِ " لذا لم تكن تُدركُ أنَّ كلَّ تحركاتِها داخلَ المجالِ مكشوفةٌ لـ "هيراغ ". استطاعَ "هيراغ " تفاديَ الهجماتِ بل وتوقُّعَها مُسبقاً قبلَ وقوعِها. وفي المقابلِ لم تكن الخنفساءُ قادرةً على الإفلاتِ مِن هجماتِ "هيراغ " بسهولةٍ ؛ فقد جَمَعَ "هيراغ " كلَّ صاعقةٍ مُشبعةٍ بأنفاسِ النهرِ الأمِّ. كانت قوةُ النهرِ الأمِّ في جَسدِهِ ثَمينةً ، وتتطلبُ تأملاً يومياً باستخدامِ "طريقةِ تأمُّلِ النهرِ الأمِّ " لتتراكمَ ببطءٍ وبكمياتٍ محدودةٍ.
لذا طوالَ المعركةِ السابقةِ لم يَستهلكْ "هيراغ " أيَّ ذرةٍ مِن هذه القوةِ ، بل احتفظَ بها كاملةً. والآنَ ، وبمواجهةِ خصمٍ أسطوريٍّ مِن المستوى السابعِ لم يَدَّخِرْ "هيراغ " وُسعاً ؛ فكانت هذه هي المرةُ الأولى التي يُقاتلُ فيها كائناً مِن هذا المستوى ، ووجدَ الأمرَ أسهلَ مِمَّا كان يَتصورُ. واعتقدَ "هيراغ " أنَّ السببَ يعودُ إلى تراكمِ تقنياتِ القوةِ المتعددةِ لديهِ ؛ ففي مواجهةِ هذه الخنفساءِ الأسطوريّةِ التي تشاركُهُ المستوى السابعَ كان يَمتلكُ جعبةً مليئةً بالاستراتيجيهِ التي يُمكنُهُ استخدامُها. بينما لم يكن لدى الخنفساءِ سوى الاعتمادِ على تقنياتِ سلالةٍ معينةٍ دونَ أيِّ موروثاتٍ قتاليةٍ أخرى.
دَوّى انفجارٌ هائلٌ! وتطايرَ جَسدُ الخنفساءِ إلى الخلفِ ، وقدِ اخترقت فجوةٌ ضخمةٌ صَدرَهُ ، بينما تناثرت قطراتٌ غزيرةٌ مِن الدماءِ الخضراءِ. انتهزَ "هيراغ " الفرصةَ ، وضَرَبَهُ بـ "رعدِ الكَفِّ " مِمَّا أحدثَ انفجاراً مُدوياً ؛ أُصيبتِ الخنفساءُ بجروحٍ بليغةٍ في الحالِ ، ولم تكن قادرةً على التئامِ جروحِها بسرعةٍ. فقد كانت الجراحُ تَعجُّ بـ "قانونِ الرعدِ " و "قانونِ الدمارِ " و "أنفاسِ النهرِ الأمِّ " التي كانت تَضطربُ باستمرارٍ ، مُحبطةً محاولاتِ الجَسدِ للتعافي التلقائيِّ ، وحائلةً دونَ شفائِه.
في البدايةِ ، اعتزمَ القائدُ ذو الأجنحةِ السبعةِ مواصلةَ الهجومِ ، فهو كائنٌ لا يَهابُ الموتَ. غيرَ أنَّهُ تلقى أوامرَ مِن القيادةِ الخلفيةِ بعدمِ الاستمرارِ ؛ فموتُهُ سيعني خسارةً فادحةً لعِرقِ الدروعِ السماويّةِ ، تفوقُ بكثيرٍ خسارتَهم لعشرينَ ألفِ خنفساءَ التي لقيت حتفَها للتوِّ. اندفعت أعدادٌ لا تُحصى مِن الخنافسِ إلى الأمامِ لتأمينِ انسحابِ القائدِ الذي بَدأَ هو الآخرُ يتأهبُ للتراجعِ.
لكنَّ "هيراغ " لم يكن ليرضى برحيلِهم "فالدخولُ ليس كالخروجِ " ولم تكن المسألهُ نُزهةً يأتونَ ويذهبونَ فيها كما يحلو لهم. فالمحيطُ ما زالُ يقعُ ضِمنَ نِطاقِ "مجالِهِ " مِمَّا يتيحُ له الظهورَ أمامَهم في رَمشةِ عينٍ. وبينما كانت الخنفساءُ تلتفُّ ، مُستغلةً شبكةَ الاستشعارِ للانزلاقِ السريعِ نَحوَ الأمامِ ، رأت فجأةً "هيراغ " يظهرُ أمامَها مُباشرةً ، وهو يرمقُها بابتسامةٍ خفيفةٍ.