Switch Mode

ساحر الحلقة السادسة 689

ملك الشمال


الفصل 689: ملك الشمال

لقد ذاع صيت "هيراج" وطار ذكره في الآفاق، أو على الأقل في أوساط مجتمع السحرة، حيث بات اسماً مألوفاً يتردد على كل لسان. وربما لم يجهل شأن "هيراج" سوى العامة من البشر، أولئك الذين يقبعون في غياهب الجهل بوجود السحرة أصلاً.

في قارة "كالا"، وتحديداً في بقعة قفر من غابة "ضوء القمر"، كان يقع ذلك المنزل الصغير في المنطقة الغابية الشمالية حيث استوطن "هيراج" يوماً. لقد أُخلي المكان، ولم يعد يجرؤ أحد على السكنى في جواره، بعد أن تم تهجير السكان جميعاً إلى بقاع أخرى.

لقد صُنِّف هذا المكان معلماً تذكارياً ذا أهمية تاريخية رفيعة في غابة "ضوء القمر"؛ فهنا أقام الملك الأسطوري العظيم من المستوى السابع، ملك الشمال، السيد "هيراج ميرلين"، وقضى أيامه الخوالي كمتدرب ساحر يشق طريقه نحو المجد. ولحقبة من الزمن، كان كل متدرب ساحر يطأ أرض غابة "ضوء القمر" يشد الرحال إلى هذا المنزل، وكأنه في رحلة حج إلى مزار مقدس.

كانت تداعب خيال كل متدرب أماني بأن يصبح ساحراً عظيماً يحاكي "هيراج" في سؤدده، معتقدين أن هذا المكان الذي آوى "هيراج" يوماً لن يلبث أن يستحيل أرضاً مقدسة تكتنفها الأسرار في غابة "ضوء القمر". وقبل الشروع في ممارسة الكيمياء، أو نيل ترقية لمرتبة متدرب، أو التقدم ليصبح ساحراً رسمياً، يهرع الجميع إلى هنا، يتلمسون البركة ويرجون حظاً سعيداً.

لقد غدا "هيراج" في أعينهم أيقونة تقارب الآلهة في قداستها. وبالنظر إلى مكانته السامية، فإن "هيراج" بالنسبة لأولئك المتدربين السحرة البسطاء وحتى السحرة الرسميين، يبدو بالفعل ككيان إلهي. وبعبارة أدق، فإن العديد من الأرباب المزعومين لا يمتلكون النزر اليسير من القوة التي يحوزها "هيراج"، لذا فإن تبجيله وعبادته كان أمراً منطقياً تماماً في عرفهم.

ومنذ أن اتخذ "هيراج" من غابة "ضوء القمر" مستقراً له في السابق، شهدت المنطقة تدفقاً هائلاً وفورياً من المتدربين الراغبين في الانضواء تحت لوائها. بل إن الكثيرين ممن يحملون رموز منظمات سحرية أخرى باتوا يتوقون لدخول غابة "ضوء القمر". وعلى الرغم من أن "هيراج" غادرها فور صيرورته ساحراً رسمياً، ولم يعد يتحدث باسمها أو يمثلها منذ ذلك الحين، إلا أن هذا لم يفتَّ في عضد شهرة الغابة أو يقلل من هيبتها بتاتاً.

ومن الطبيعي ألا تبوح قيادة غابة "ضوء القمر" بأن "هيراج" قد آثر الرحيل طواعية بعد بلوغه مرتبة الساحر الرسمي؛ بل عمدوا إلى مواراة هذه التفاصيل وإخفائها، قصداً أو دون قصد، حتى غابت عن الأذهان ولم يعد أحد يلحظها.

أما الآن، فإن كبار المسؤولين في غابة "ضوء القمر" يعضون أصابع الندم أكثر من أي وقت مضى، لكونهم فرطوا في "هيراج" ولم يستبقوه في كنفهم آنذاك. فلو أنهم استشفوا الغيب وعلموا أن "هيراج" سيبلغ شأواً بعيداً كهذا حتى دون توقيع عقد ملزم، لأسدوا إليه من الموارد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. وتدرك قيادة الغابة اليوم أن استثمارهم في "هيراج" في بواكير أمره كان سيجني لهم أرباحاً طائلة لا تُقدر بثمن.

ويظهر جلياً صِدق هذا الاستنتاج عند النظر إلى عائلة "تشيكي"، التي باتت تُعد اليوم كبرى عائلات السحرة في عالم السحر قاطبة. ورغم أن القوة الذاتية المجردة لعائلة "تشيكي" ليست بالمنعة الكافية، إذ لا يضمون في صفوفهم ساحراً من المستوى الثالث، إلا أن هذا لم ينقص من نفوذهم وسطوتهم شيئاً.

إن آصرة القربى والود التي تجمع بين "هيراج" وعائلة "تشيكي" باتت خبراً ذائعاً تتناقله الركبان. وتعمل العائلة الآن تحت ظلال السهول الشاسعة لجبال الحدود الشمالية، ممتلكة شبكة تجارية مترامية الأطراف، لم تعد تقتصر أنشطتها على الجرعات السحرية فحسب، بل امتدت لتشمل شتى المجالات والقطاعات.

وبالنسبة لعائلة "تشيكي"، فإن ما هم فيه ليس سوى اللبنة الأولى في صرح تطورهم العائلي. ومع تقادم العهد وتوافر الموارد، فإنه قُدِّر لهذه العائلة أن تستحيل عملاقاً سحرياً لا يُشق له غبار. وكل هذا الفضل يعود إلى استثمارهم المبكر في شخص "هيراج".

ففي غابر الأزمان، حين كان "لاري" في غابة "ضوء القمر"، وضع رهانه على "هيراج". وفي ذلك الوقت، لم يكن "هيراج" يمتلك ظهيراً أو سنداً، ولم تكن مؤهلاته السحرية لافتة للأنظر، باستثناء نبوغٍ نسبي في علم الجرعات. لقد آزر "لاري" "هيراج" أيما مؤازرة، بل ومهد له سبل مستقبله بعد أن أصبح ساحراً رسمياً. ومنذ ذلك الحين، توثقت عُرى العلاقة بين "هيراج" وعائلة "تشيكي"، وظلت هذه الرابطة قائمة ومتينة إلى يومنا هذا. وبالنظر إلى الوراء، فقد آتى استثمار "لاري" الأولي أُكله، وعاد عليهم بأضعاف مضاعفة لا تُحصى.

أقام "هيراج" مأدبة مهيبة في مدينة الحدود الشمالية، استطالت لـنصف شهر كامل، كانت فرصة سانحة للتفاوض والتباحث مع مختلف القوى في السهول الحدودية. وقد وضع نصب عينيه المساحة الشاسعة للإقليم الشمالي، فاستقر رأيه على عدة مواقع لتشييد مدن إضافية، من بينها مدينة ساحلية. ولم يكن بناء هذه المدن بالعسير، فكل ما يتطلبه الأمر هو العنصر البشري.

ولم يكن على "هيراج" أن يستشعر القلق إزاء هذا الأمر، فثمة جموع غفيرة تطمح اليوم للاستقرار في كنف الإقليم الشمالي. وبمجرد أن يبدي رغبته، سيمتلئ الشمال عن آخره بالساكنين. بيد أن "هيراج" لم يكن ليفتح الأبواب على مصاريعها لكل من هب ودب، بل صاغ لوائح صارمة تضمنت معايير وشروطاً دقيقة. فمتى استوفى السحرة تلك الشروط، جاز لهم التقدم بطلب الانضمام إلى ركاب الشمال.

ولم تكن مطالب "هيراج" تعجيزية، بل كانت تمنح الأولوية لذوي المؤهلات السحرية الفذة والسير الذاتية النقية. وكان يضرب صفحاً عمن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء من العامة، أو انخرطوا في تجارب سحرية خبيثة، فلا يقبلهم في جواره أبداً. وإن كان هؤلاء كُثراً في مجتمع السحرة، فربما لم يرتكب بعضهم مجازر جماعية، لكنهم مع ذلك أزهقوا أرواحاً بدافع أهواء شخصية أو مآرب تجريبية؛ وهؤلاء صنفٌ لا يقره "هيراج" ولا يعترف بوجودهم في أرضه بتاتاً.

علاوة على ذلك، استلهم "هيراج" العديد من القوانين من أراضي الحدود، وبعد إدخال بعض التعديلات عليها، جعلها دستوراً جديداً للإقليم الشمالي. وبما أن "سهول بلاني" كانت تفتقر في السابق إلى أي ضوابط قانونية، تعمها الفوضى مقارنة بأرض الحدود، فقد اعتاد الكثيرون الانفلات من العقاب والتصرف بغير وازع من قانون أو قاعدة.

ولأن "هيراج" يبتغي إرساء نظام مستقر في الشمال، وهو يدرك يقيناً أنه لن يستطيع الإشراف على كل شاردة وواردة بنفسه، وجد في القانون خير وسيلة لتحقيق مآربه. لقد فرضت هذه القوانين قيوداً عديدة على السحرة في شتى المناحي، وهي في مجملها مستقاة مباشرة من تشريعات الأراضي الحدودية، نظراً لنضج تلك القوانين وإمكانية الاحتذاء بها.

لقد أثار مشروع قانون الإقليم الشمالي الذي أصدره "هيراج" لغطاً وآراء متباينة، ولكن في حقيقة الأمر، طالما أن المرء لا يضمر سوءاً أو ينوي ارتكاب ما هو شائن، فإن هذا القانون يشكل درعاً واقياً له. إن وجود مثل هذه القوانين في الإقليم الشمالي هو في الواقع نفعٌ مستطير للكثيرين.

وبعد أن طرح "هيراج" جملة من هذه السياسات، انبرى عدد لا يُحصى من السحرة لتقديم طلباتهم على الفور. وظل الموظفون المنوط بهم مراجعة تلك الطلبات يواصلون الليل بالنهار لمدة شهرين تقريباً، دون أن يفرغوا من عملهم بعد. ومع ذلك، لم يكن هناك ما يستدعي العجلة، فمدن الشمال الأربع الأخرى ما زالت قيد الإنشاء، وتتطلب وقتاً حتى تكتمل معالمها.

وإلى جانب توطين السكان، كان لزاماً على "هيراج" تهيئة المناخ للتبادل التجاري والاستثمار؛ فبوجود العنصر البشري والنشاط الصناعي، يمكن ضمان تنمية مستدامة. وهذا الجانب لم يكن ليدعو للقلق، إذ أدركت العديد من النقابات في عالم السحر أن الإقليم الشمالي بات وجهة مثالية للاستقرار والتمويل.

وحتى من منطقة الحدود، تواصل الكثير من رجال الأعمال مع "هيراج" عبر قنوات شتى، معربين عن استعدادهم للاستثمار في الشمال، وإنشاء المتاجر، وتشييد المرافق المتنوعة. ولم يصد "هيراج" أحداً منهم، بل أبدى موافقته المبدئية للجميع، على أن تترك التفاصيل الدقيقة لمزيد من التمحيص والنقاش.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط