الفصل 697: انقضاء اليوم الأول
بعد بضع ساعات من التوغل في الغابة الجديدة التي وجد نفسه فيها تمكن "ليام " أخيراً من تحديد موقع يمكنه اتخاذه مأوىً مؤقتاً له ، أو ربما ملجأً لما تبقى من فترة الاختبار إن حالفه الحظ.
بعيداً عن النهر العريض ، وفي عمق الغابة ، عثر "ليام " على نتوء صخري ضخم يبرز من الأرض كأنه العمود الفقري المكشوف لوحشٍ دُفن منذ أمدٍ بعيد. حيث كان التكوين الصخري يعلو التضاريس المحيطة ، بأسطح حجرية خشنة نحتتها عوامل الزمن ، حيث برزت صخور حادة في زوايا مختلفة ، والتفت جذور الأشجار المجاورة حول أجزاء منه كأنها عروق عملاقة. و كما كانت التضاريس المحيطة بالنتوء وعرة بدورها ، تعج بالمنحدرات الشاهقة ، والحجارة المتساقطة ، والأرض غير المستوية التي تُثبِّط العزم طبيعياً على عبور تلك المنطقة.
حتى الغابة من حوله تغيرت قليلاً ؛ فقد كانت الأشجار قريبة ومتباعدة مقارنة بالأجزاء الأكثر كثافة التي عبرها "ليام " سابقاً ، حيث جعل الصخر تحت التربة من الصعب على الجذور التعمق ، مما أجبر الغطاء النباتي على التكيف بشكل ضعيف حول هذا التكوين.
بالنسبة لمعظم الناس كانت المنطقة تبدو غير مريحة ؛ صعبة العبور وسهلة التجاهل. وهو بالضبط ما جعل "ليام " يميل إليها.
بعد اقترابه من النتوء بحذر وقضاء بعض الوقت في فحص التكوين ، اكتشف "ليام " أخيراً شقاً ضيقاً مختبئاً بين لوحين حجريين ضخمين. للوهلة الأولى ، ومثل الكهف القريب من النهر الذي فكر فيه سابقاً لم تكن الفتحة تبدو كمدخل على الإطلاق ؛ إذ لم تشبه سوى صدع طبيعي في التكوين الصخري. حيث كانت مظلمة ، وضيقة ، ويسهل تجاهلها ، فمعظم الناس كانوا سيمرون بجانبها مباشرة ما لم يكونوا يبحثون تحديداً عن ملجأ أو يلاحظون الفرق الطفيف في حركة الهواء المنبعثة من الداخل.
توقف "ليام " أمامها قليلاً ، يدرس الفجوة بعناية بينما يمد حواسه في الظلام الذي وراءها. فلم يكن هناك وجود شيطاني فوري ، ولا رائحة لحياة برية تعشش في الداخل ، ولا أي اضطرابات حديثة. فقط هواء راكد وحجر قديم. وبعد التأكد من ذلك قرر "ليام " أخيراً أن يضغط بجسده عبر الفتحة الضيقة.
كانت المساحة ضيقة لدرجة أن كتفيه كانا يحتكان بالجدران الحجرية الخشنة بينما يندفع للداخل. حيث كانت شظايا الصخور المتساقطة تخدش ملابسه ، بينما تساقطت ذرات صغيرة من الغبار من الأعلى مع كل خطوة حذرة. ثم بعد بضع ثوانٍ من إجبار نفسه على المضي قدماً عبر الممر الضيق ، اتسعت المساحة.
خطا "ليام " داخل غرفة واسعة بشكل مفاجئ ، مختبئة في قلب التشكيل الصخري ذاته. حيث كان الانفتاح المفاجئ متناقضاً بشكل حاد مع الشق الضيق في الخارج. لم تكن الغرفة هائلة ، لكنها كانت أكثر من تكفى لتكون مكاناً مناسباً للاستراحة. حيث كان السقف ينحني بشكل طبيعي ، وتدعمه أعمدة حجرية سميكة تشكلت على مدى سنوات لا تحصى من التعرية والضغط. حيث كانت الأرضية نفسها غير مستوية ووعرة ، مغطاة بالغبار ، والحصى المتساقط ، ورقع من الأرض المتصلبة التي لم يمسسها أحد منذ زمن بعيد.
كان الهواء في الداخل بارداً ، وساكناً ، وهادئاً. ثم أخذ "ليام " يتأمل المكان ببطء ، وعيناه القرمزيتان تمسحان كل زاوية بعناية بينما كانت حواسه تمتد خارج الغرفة مرة أخرى. فلم يكن هناك شيء خطير أو كائن حي ؛ فقط الظلام والسكون. ولأول مرة منذ دخوله "ناليم " كان الصمت يبدو مفيداً لا مهدداً.
وكما كان الحال مع الكهف المغمور الذي أراده بالقرب من النهر سابقاً ، قدم له هذا المكان عدة أشياء كان "ليام " في أمس الحاجة إليها الآن: الأمان ، والتخفي ، ومكان يمكنه فيه أخيراً الراحة دون أن يبقى مكشوفاً باستمرار. فالمدخل الضيق وحده جعل العثور على الموقع أمراً صعباً ما لم يبحث شخص ما عن المنطقة عمداً ، كما أن التضاريس الصخرية المحيطة بالتكوين كانت تُثبط طبيعياً المخلوقات الأكبر حجماً عن التجول بالقرب منه.
والأهم من ذلك سمحت له الغرفة بالتوقف عن الحركة أخيراً ، وهو أمر أصبح ضرورياً بشكل متزايد. وبعد أخذ كل ذلك في الاعتبار ، سمح "ليام " لنفسه أخيراً بالاستقرار داخل الغرفة. اختار جزءاً مسطحاً نسبياً من الأرض بالقرب من الجدار الخلفي قبل أن ينخفض بحذر إلى وضعية الجلوس ، متأكداً من عدم مفاقمة الإصابة في فخذه.
ثم بعد زفير بطيء ، أغمض عينيه. للوهلة الأولى ، بدا وكأنه قد غط في النوم ، ومن الناحية الفنية كان جزء منه قد فعل ذلك. و لكن أكثر من أي شيء آخر كان "ليام " يحاول استعادة أكبر قدر ممكن من "الميست " بعد كل ما حدث طوال اليوم. لأنه على الرغم من عثوره أخيراً على مأوى ، فإن حالته لم تكن مستقرة كما أراد.
وكما استشعر سابقاً عند دخوله هذا الجانب من الغابة ، واجه "ليام " مجموعات متعددة من الشياطين طوال رحلته إلى هنا ؛ عدة قطعان من شياطين "الطبقة الوحشية " وبضعة شياطين متجولة من "طبقة الرعب ". لم يكن أي منها يمثل تهديداً فردياً له بعد الآن ، لكنها كانت لا تزال إشكالية بما يكفي لإبطاء حركته وإجباره على اشتباكات متكررة.
لقد تعامل "سموك " مع معظمهم ، وخاصة مخلوقات "الطبقة الوحشية ". فقد مزق ذئب الظل عدة مجموعات دون صعوبة تذكر بينما كان يتحرك بصمت عبر الغابة بجانب سيده. وحتى بضعة شياطين من "طبقة الرعب " سقطت تحت مخالب "سموك " بعد صراعات قصيرة. ومع ذلك كان على "ليام " أن يتدخل شخصياً في مناسبات متعددة ؛ جزئياً لأن بعض الشياطين كانت شديدة التحمل بحيث لا يمكن لـ "سموك " القضاء عليها بكفاءة ، وجزئياً لأن "ليام " لم يستطع المخاطرة بالسماح للمعارك المطولة بجذب تهديدات أقوى في الجوار.
وهذا يعني استهلاكاً أكبر للميست ، وحركة أكثر ، ومزيداً من الإجهاد لساعات طويلة. وبسبب ذلك انخفضت احتياطيات "الميست " لديه تدريجياً إلى مستوى أقل مما يحب. وبحلول الوقت الذي وصل فيه أخيراً إلى النتوء الصخري ، قدر "ليام " أن احتياطياته انخفضت إلى حوالي 85 بالمائة. و بالنسبة لمعظم الناس كان هذا الرقم سيبدو مرتفعاً بشكل سخيف بعد يوم كهذا ، لكن "ليام " لم يكن يفكر بهذه الطريقة ؛ ليس بعد الآن ، وليس بعد أن أدرك مدى سرعة خروج الأمور عن السيطرة داخل "ناليم ".
الآن كان عليه استعادة أكبر قدر ممكن من "الميست " قبل أن يبدأ اليوم الثاني حتى وإن جعلت البيئة نفسها ذلك أمراً صعباً. فبينما كان هذا الجانب من الغابة أفضل بكثير من المستنقع من حيث استقرار "الميست " إلا أنه لم يكن مثالياً للتعافي التام. ظل "الميست " المحيط في "ناليم " مشوهاً وغير متساوٍ ، يتحرك باستمرار في أنماط غير طبيعية بسبب طبيعة العالم وتركيز الشياطين المنتشرة عبره. ذلك الاضطراب جعل استعادة "الميست " أكثر صعوبة من المعتاد ، ليس مستحيلاً ، بل غير فعال ؛ وبشكل مؤلم.
في الظروف العادية كان "ليام " سيستعيد جزءاً لا بأس به مما فقده ببساطة من خلال الدوران السلبي والتنفس المنظم. و لكن هنا كان حتى استعادة أصغر نسبة يتطلب تركيزاً وثباتاً هائلين. وهذا يعني أنه إذا أراد الحصول على فرصة لاستعادة خمسة بالمائة طوال الليل ، فسيتعين عليه البقاء في تركيز عميق لساعات دون انقطاع. وحتى في تلك الحالة لم يكن النجاح مضموناً.
ومع ذلك لم يكن لدى "ليام " خيار سوى المحاولة. لذا داخل الغرفة المظلمة المختبئة في النتوء الصخري ، قام "ليام " بتنظيم تنفسه ببطء وسمح لنفسه بالانغماس في حالة من التركيز العميق.
في الخارج ، ظل "سموك " على أهبة الاستعداد. اتخذ ذئب الظل موقعاً بالقرب من قمة التكوين الصخري ، وجسده المظلم الضخم مختبئ بشكل طبيعي داخل الظلال المحيطة ، بينما كانت عيونه الأربع المتوهجة تمسح الغابة في الأسفل كحارس صامت. لم يتحرك شيء بالقرب من النتوء دون أن يلاحظه "سموك ". ومع حراسة وحش الظل للمكان من الخارج ، استطاع "ليام " أخيراً السماح لنفسه بقدر ضئيل من الضعف أثناء الراحة.
وهكذا ، وصل اليوم الأول من الاختبار إلى نهايته. فلم يكن بسلام ، ولم يكن نظيفاً ، وبالتأكيد لم يكن بالطريقة التي أرادها "ليام " في الأصل. ولكن على الرغم من الإصابات ، و "الميست " المهدور ، والمؤن المدمرة ، والمشاكل المستمرة التي أُلقيت في طريقه منذ اللحظة التي دخل فيها "ناليم "... فقد نجا. وللحظة الراهنة كان ذلك كافياً.