في يومٍ مشرقٍ في "باستيون " كانت "نيفيس " تَعِدُ أبناءَ شعبها بأن البشرية ستصمد وتنجو مهما حلت بها من أهوال.
وفي مكانٍ آخر ، تحت ظلال الليل البهيم كان "ساني " يواجه نهاية العالم الوشيكة ، عالماً بأنها قد بدأت بالفعل.
كانت ملامحه صارمةً تكاد تنطق بالوجوم.
كان تجسيده السابع والأخير على مسافة بعيدة من "باستيون " ؛ فقد انطلق في رحلة استكشافية منذ أمدٍ طويل ، متسللاً خلف سلسلة التلال شمالي "الشاطئ المنسي " ليتوغل في أعماق "الغابة المحترقة ".
أراد "ساني " أن يتقصى بقايا "قلب العالم " المتفحمة باحثاً عن آثار "طائر السرقة " طامعاً في تبديد شعور القلق الذي يعتري نفسه ؛ إذ يعلم أن كياناً مرعباً ومقدساً قد فَقَدَ صوابه يهيم في الأرجاء ، يفعل ما لا يعلمه إلا الاله.
كان يُفترض أن تكون أطراف الغابة الجنوبية خالية ، فقد كان "ساني " قد قضى على معظم "دودة الألفية السوداء " وطارد البقية إلى أعماق الأحراش المتفحمة. وبالفعل كان الأمر كذلك... لولا أنه عثر على آثار لفرق صيد تابعة لـ "أشباح التلال " كانت قد مرت من هناك منذ فترة.
وللأسف لم يجد أثراً لـ "طائر السرقة " في أي مكان بحث فيه ، كما لم يجد أثراً للقلعة التي سرقها ؛ فكأنما تبخرت في الهواء ، ولم تترك خلفها أي خيط يدل على مكانها. لم يعد "ساني " يتذكر حتى كيف كانت تبدو تلك القلعة ، ناهيك عن معرفة موقعها ، إذ سُلبت تلك المعرفة من ذاكرته أيضاً. ومع ذلك كان بوسعه حساب مواقعها بدقةٍ عالية من خلال مراجعة ذكرياته عن الحملة التي شنها ضد "دودة الألفية السوداء ".
كانت حساباته بلا شك دقيقة ، لكنه مع ذلك فشل في العثور على القلعة. و بدلاً من ذلك وجد فراغاً شاسعاً تحت الأحراش المتفحمة حيث كان يُفترض أن تنتصب القلعة... ولكنها لم تكن هناك. لذا لم يجد "ساني " بداً من الاستنتاج بأن "طائر السرقة " قد وفد إلى "الغابة المحترقة " في وقت ما بعد هروبه من "قبر أرييل " وسحب القلعة بأكملها معه و ربما سرق المساحة التي كانت تحتلها القلعة ذاتها ، مستبدلاً إياها بالعدم.
وعلى أية حال كان قد وصل إلى طريق مسدود.
«لا بد أن يكشف ذلك الكيان الوضيع عن نفسه عاجلاً أم آجلاً...»
كان ذلك أمراً مفروغاً منه ، وما لم يكن مؤكداً هو مدى الكارثة التي سيجلبها ظهور "طائر السرقة " على البشرية.
بعد فشله في إنجاز مهمته التي ألزم نفسه بها كان أمام "ساني " ثلاثة خيارات لما ينبغي عليه فعله تالياً.
كان بوسعه العودة إلى "الشاطئ المنسي " تاركاً رحلته الاستكشافية. أو كان بإمكانه التوغل في أعماق "الغابة المحترقة " مستكشفاً أطراف تلك المنطقة الشاسعة التي لم يجرؤ على استكشافها من قبل.
أو كان بمقدوره مواصلة السير شمالاً مع البقاء على تخوم الغابة ، على أمل العثور على أثر لـ "طائر السرقة " هناك.
«أيُّ خيارٍ هذا!»
لم يرغب "ساني " في العودة بعد. أما عن المغامرة في أعماق الغابة... فقد كان حذراً من ذلك سابقاً ، وما زال يحمل الحذر نفسه الآن. لا أحد يعلم أي أهوال تسكن القلب المحترق لما كان يُعرف بـ "قلب العالم " ولم يرد المخاطرة بإثارتها دون سبب وجيه. فلم يكن "ساني " مستعداً لمواجهة كائناتٍ شريرةٍ نجسة بعد.
لذا اختار الخيار الثالث.
تاركاً أطراف الغابة الجنوبية خلفه ، واصل "ساني " السير شمالاً. ومع مرور الوقت ، بلغ حواف الأقاليم التي كانت تحكمها ملكات "دودة الألفية السوداء " سابقاً ، ودخل الأطراف الشمالية من الأرض القفراء المتفحمة ، حيث لا تزال كائنات الكوابيس تملأ الأرجاء... بعضها كان مرعباً لدرجة تهدد وجوده ذاته.
لو أنه كشف عن نفسه لمحاربة أحدها ، لتدفقت المزيد منها لتنضم إلى المعركة المحتدمة ضد روحٍ متعالية تشتعل بـ "لهب الألوهية ". كان على "ساني " أن يشق طريقه عبر الغابة المحترقة ، مخضباً خشبها المتفحم بالدماء... ربما ينجو ، وربما يُدمر أحد تجسيداته. أو بدلاً من ذلك سينتهي به الأمر محاصراً في حملة طويلة أخرى.
وبغض النظر عن النتيجة ، ستصبح مهمته الاستكشافية مستحيلة الإكمال.
لذا ظل متوارياً في الظلال وشق طريقه شمالاً ببطء ، على نحوٍ لا يختلف عما كان عليه حين كان يتنقل بصفته "قديساً ".
كانت أطراف الغابة الشمالية تختلف عن جنوبها ؛ فلا توجد قبيلة واحدة من كائنات الكوابيس كـ "دودة الألفية السوداء " تحكم هذه الأراضي ، بل كانت كائنات كوابيس لا حصر لها ، تعيش فرادى أو في مجموعات صغيرة ، تجوب الأحراش المتفحمة وتبني أعشاشاً مخفية في أعماقها.
ولدهشة "ساني " اكتشف علامات معارك واسعة النطاق دارت مؤخراً في الشمال - أكثر بكثير مما رآه في الماضي. حيث كانت جذوع الأشجار المتفحمة ملقاة محطمة ومكسورة ، مُشكِّلةً جزراً معزولة من الدمار ، وكانت جثث هائلة تظهر أحياناً في الأعماق الرمادية ، ممزقة ومسلخوة.
واكتشف مشاهد مخيفة أخرى أيضاً ؛ جماجم وحشية دامية مرفوعة على أعمدة سوداء ، وعلامات غريبة رُتبت على الأرض من عظام محطمة ، وجمر متقد بقي حيث بدت وكأن نيراناً عظيمة قد أُضرمت مؤخراً...
كانت "الغابة المحترقة " بأكملها في حالة اضطراب ، مُستثارةً من قِبَل تهديد مجهول. وفي نهاية المطاف ، خرج "ساني " من الغابة ، وواصل سيره شمالاً ، عابراً محيطاً متجمداً حتى بلغ الشاطئ البعيد... الشاطئ الذي كان يعرفه حق المعرفة.
وهناك ، وجد أطلال "لو49 " مرة أخرى.
إلا أنها كانت مختلفة تماماً هذه المرة.
حين أبصر قبة المرصد القمري المألوفة ، تناهى إلى ذهنه همس خفي. قطب "ساني " حاجبيه ، ودخل إلى منشأة الأبحاث ، وشق طريقه نحو قلب المستوطنة.
وهناك ، وسط الجليد والثلوج...
كانت "بذرة كابوس " تنبض بظلام مفزع ، تشع بأمواج من "النداء " كأنها ورم خبيث في نسيج العالم.
بدت أصغر من البذور التي رآها "ساني " من قبل ، كأنها وُلدت للتو... لكن طبيعتها لم تكن تقبل الشك. حدق "ساني " في البذرة طويلاً ، وقد عقد حاجبيه قليلاً. تلاطمت في عقله أفكار جمة ، لكن في النهاية لم يبقَ منها سوى فكرة واحدة.
«هل هذا كابوس... يخصني أنا ؟»