Switch Mode

عبد الظل 2956

الفصل 2956 معركة الآلهة +


مال الطائر اللص الدنيء برأسه ، ثم نقر بِمِنقاره تلك اليد الهيكلية. وما إن اصطدم مِـنقاره بالعظم الأسود حتى دوى رعدٌ صاعقٌ فوق بحيرة المصب ، وقذفَت موجةُ الصدمة "ساني " أرضاً.

"آه... "

كان الدم يملأ فمه ، تاركاً خلفه طعم الحديد. فلم يكن مواجهة "رعبٍ ملعون " في ساحة المعركة أمراً يرجو المرء النجاة منه دون أذى ؛ بل إن البقاء على قيد الحياة وحده كان مهمةً جساماً حتى بالنسبة لـ "الجبار " عظيمٍ مثله. لذا استدعى "ساني " إلهاً ساقطاً آخر ليساعده في تعديل كفة الميزان.

خارجاً أمامهم كان "الأركون الهائم " ينهض من بين الظلال بكل مجده الرهيب ، حيث تتلألأ الأطواق الذهبية التي تُغلف جسده الهيكلي تحت أشعة الشمس. حيث كان جسده العملاق يُنسج من سيلٍ من الظلام ، بحرٌ من الجوهر يستنزف من روح "ساني " ليمنحه قواماً.

وبعد أن حمل "ساني " ذكرى "الروح الخالدة " في أعماقه طويلاً كان يستدعيها أخيراً لتعود إلى الوجود. وبالطبع لم يكن "الأركون " ليصبح حليفاً لهم ؛ فاحتمالية مهاجمته للعظماء الثلاثة تضاهي احتمال اصطدامه بالطائر اللص الدنيء. لذا كان من المحتمل جداً أن "ساني " لا يفعل شيئاً سوى إضافة "كائنٍ مقدّسٍ " لا يموت إلى قائمة أعدائه المروعين الذين يتحتم عليه هزيمتهم.

لكن "للضرورة أحكام " وعدوُّ عدوِّ المرء... يظل عدواً ، ولكن على الأقل ثمة احتمالٌ بأن يبدأ الأعداء في قتال بعضهم البعض ، مما يتيح له مهاجمة أحدهما أو كليهما بينما هما غافلان.

'تباً لكل هذا '

جزَّ "ساني " على أسنانه ، ودفع نفسه لينهض عن الأرض.

في الخارج لم يبدُ أن الطائر اللص الدنيء قد راقته نتيجة نقره للعظم الأسود ؛ فقد قفز إلى الوراء ، يراقب نهوض "الأركون الهائم " بجنونٍ مفترسٍ يتقد في عينيه المروعتين. و في غضون ذلك تجلى "الأركون " بكامل هيئته على سطح بحيرة المصب ، منتصباً كجبلٍ من العظام السوداء ، بينما يرفرف رداؤه العاجي الممزق في الريح ككفنِ جنازة. حيث كانت أشواك تاجه تتلألأ ببريقٍ ذهبيٍ خاطف تحت ضوء الشموس الست المسروقة ، كأنها مناراتٌ ساطعة.

بدا الطائر اللص مأخوذاً ؛ ساد صمتٌ مطبقٌ وسكونٌ نذيرٌ بالشؤم... ثم نظر "الأركون " إلى الأسفل ، وبدأت مآقيه الفارغة تتفحص النموذج الذي ترك فيه منقار الطائر صدعاً على سطح يده السوداء.

تحرك شيءٌ ما في الفراغ الذي يستقر داخل جمجمته ، ثم حوّل "الروح الخالدة " نظراته الساحقة نحو الرعب المُجنح أمامه. فتح الطائر اللص الدنيء مِـنقاره وأطلق صرخةً مروعةً قشعريرة ؛ جعل صداها "ساني " و "نيفيس " و "أنانكي " يئنون ويغطون آذانهم.

عندها تحرك "الأركون " واندفع للأمام ليقبض عليه من عنقه.

شتم "ساني " وقال "تماسكوا! "

في اللحظة التالية ، تزلزلت الدنيا ، وحجب إعصارٌ من الريش الأسود وشظايا العظام مدخل حجرة دفن "شيطان النسيان " بينما كانت المياه المغلية ترتفع عبر الشقوق في حجر الأوبسيديان. حيث تمزق السكون اللحظي وتلاشى أمام الضجيج الذي لا يوصف ، وفي خضم فوضى هذا الصراع الإلهيّ...

اندفعت الظلال المسروقة للأمام ، واصطدمت ببقايا "فيلق الظل " في عربدةٍ مرعبةٍ من العنف.

حصَّن "ساني " إرادته ضد موجة الصدمة القادمة ، وزاد من ثقله ليصمد أمامها. وإلى يساره ، رفعت "أنانكي " متراساً من الجوهر المتجسد أمامها ، بينما إلى يمينه ، تركت "نيفيس " نفسها لتنالها صدمة الاصطدام ، ثم عالجت جسدها في بوتقة لهيبها الشافي.

تحرك الثلاثة جميعاً للأمام بعد ذلك متجمعين بينما كان الطائر اللص الدنيء والأركون الهائم يتقاتلان أمامهم. حيث كان قلب "الجبار الحجر " يرتجف من عنف الصدام الإلهيّ ، وكأنه ينبض من جديد.

وعلى الرغم من القوى المروعة التي أطلقها قتال الإلهين لم يبدُ أن الطائر اللص يأخذ عدوه على محمل الجد ؛ فهو لم يحاول التحليق في السماء واستغلال ميزته الأساسية ، بل اختار قتال "الروح الخالدة " على سطح البحيرة.

كان يصرخ وينعق ، متجنباً هجمات الهيكل الأسود العملاق في زوبعة من الريش الأسود. أما "الأركون " فكان في حالة هجوم ، يطارده كتجسيدٍ للموت... الذي حُرم هو نفسه منه.

كان الطائر اللص الدنيء أقوى من "الروح الخالدة " -وهذا أمرٌ محتومٌ بالنظر إلى الفرق في فئتهما ، وحقيقة أن "الخالد " قد فقد منذ زمن طويل أهم أجزائه-. ومع ذلك بدا وكأنه لا يملك سوى التراجع أمام هذا الرعب الذي لا يموت ، وعيناه المختلتان تشتعلان بجنونٍ غريبٍ ومحموم.

التقى "ساني " و "نيفيس " و "أنانكي " أخيراً وسط مجزرة الظلال المتصادمة. حيث وضعت "نيفيس " يديها على رفيقيها ، عالجتهما -على الأقل بقدر ما تسمح به الفترة الزمنية القصيرة لديهم-.

كانت جروح "أنانكي " خفيفةً نسبياً ، بالنظر إلى أنها عانت فقط من سلب "النسل الدنيء " لقوة حياتها. أما "ساني " فقد كان جريحاً بشدة رغم استخدامه [السلسلة] ؛ في الواقع كان سيكون على حافة الموت ، أو مضطراً للتخلي عن جسده المادي ، لولا طبيعة "النسيج " الصامدة.

"ماذا نفعل الآن ؟ "

كان صوت "نيف " بالكاد مسموعاً وسط صخب المعركة المدنسة. و نظرت إلى إعصار الأسود والذهبي الذي يحتدم أمامهم واومأت "لا يمكننا مواجهتهما معاً. و في الحقيقة ، لا يمكننا مواجهة أيٍ منهما... ما لم يتغير شيءٌ ما. "

نظرت "أنانكي " إلى الإلهين المتحاربين أيضاً وكان وجهها شاحباً "لا... لا أعرف من أين جاء ذلك المخلوق الثاني ، لكنه يبدو قوياً للغاية. "

بالطبع كان المخلوق الثاني قد جاء من داخل روح "ساني ". لكن ذلك لم يكن مهماً الآن.

الجزء المهم هو أن "نيفيس " كانت محقة ، بل كان الوضع سئ مما وصفته ؛ وذلك لأن بقايا "فيلق الظل " كانت تخسر أمام ظلال "النسل الدنيء " مما يعني أنه سيكون هناك جيشٌ من الظلال القاتلة يقاتل العظماء الثلاثة قريباً.

وكأن وجود "روحٍ لا تموت " و "رعبٍ ملعون " لم يكن كافياً.

كانت المشكلة أن "النسل الدنيء " قد محا بعض أقوى الظلال التي يقودها "ساني " في ذلك الانفجار الأول للهب الأسود ، ثم سرق "الذئب " علاوة على ذلك. ولم يكن "ساني " قد استدعى بعد ظلاً مقدساً ثانياً ليحل محل الوحش البدائي ، لذا كانت ظلاله -على الرغم من تفوقها العددي- تخسر ببطء.

في الواقع كانت تخسر ببطء بدلاً من الانهيار السريع ، لأن "سانت " و "قاتل " كانا من بينها ، يمثلان حصناً يحمي "فيلق الظل " ونصلاً حاداً يمزق الأعداء.

تردد "ساني " للحظة ، مفكراً فيما إذا كان استدعاء "الوفير " أو "محرك الدمى " أو "ملك الجرذان " أمراً حكيماً. وفي النهاية ، نظر ببساطة إلى "نيفيس " و "أنانكي ":

"أنانكي... سيتعين عليكِ تدمير الظلال التي سرقها ذلك الوغد الصغير الدنيء. وعليكِ أيضاً محاولة إضعاف الطائر اللص قدر استطاعتك. وسأتولى أنا ونيفيس مواجهة ذلك الشيء البغيض بمجرد أن يقضي على الأركون. "

ساد صمتٌ للحظة ، ثم سألت "نيفيس " بصوتٍ مجهدٍ ليُسمع وسط الضجيج المصمّ "هل أنت متأكدٌ من أن الأركون سيُدمر ؟ "

انتظر "ساني " لثانيةٍ ، ثم أومأ برأسه "أنا متأكد. "

كان صوته الكئيب واثقاً ؛ فقد لاحظ شيئاً بينما كان يراقب الإلهين وهما يتصادمان. و لقد بدا أن "الروح الخالدة " قد أجبرت الطائر اللص الدنيء على الدفاع... لكن في الواقع ، مع كل ضربةٍ يوجهها كان هناك شيءٌ ما في إله "صحراء الكابوس " الخالد يتغير.

كانت تلك الأطواق الذهبية التي تزين عظام الهيكل العملاق القديمة. ففي كل مرة كان الطائر اللص يتجنب بالكاد هجماته المحطمّة كان المزيد من تلك الأطواق يختفي دون أثر.

عصا "الأركون " كانت قد خسرت بالفعل بلورتها ، وأحد مآقيه فقد إطاره الذهبي....اللعنة ، الشيء لم يكن يتراجع أمام "الروح الخالدة " بل كان أكثر تركيزاً على سرقة الذهب اللامع من عظامه السوداء بدلاً من تفكيكه عظمةً تلو الأخرى.

لم يكن لدى "ساني " أدنى شك في أنه بمجرد أن يشبع الطائر اللص جشعه ، لن يصمد "الأركون الهائم " طويلاً بعد ذلك. أومأت "نيفيس " برأسها ، واثقةً بكلماته ، لكن كان لديها سؤالٌ آخر "كيف سنؤذي الطائر اللص إذن ؟ لقد رأيته بنفسك ؛ لقد تجاهل بسهولةٍ إرادتك القاتلة ولووماي. "

ابتسمتً خافتة "بالطبع لم يبذل أيٌ منا قصارى جهده بعد. حتى لو بدت جودة إرادتنا غير كفؤٍ لقتل هذا الرعب ، فقد تفي الكمية بالغرض. "

نظر إليها "ساني " بتمعن ، والتزم الصمت لفترةٍ قصيرة ، ثم قال بهدوء "في هذه المرة ، ستؤلمه هجمتنا ؛ لأنكِ ستضعفين إرادته. كل ما عليكِ فعله هو التحدث إليه. حيث يجب أن تقولي... "

توقف للحظة ، ثم أضاف بنبرةٍ ثابتة:

"...أيها المفقود عن النور ، آمرك بالموت. "



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط