كان الأعداء أكثر من أن يتمكن "ساني " من القضاء عليهم بحد سيفه ، وكانت أداته الفضلى للتعامل مع جحافل الخصوم "اللعنة " للأسف عديمة الجدوى أمام هذا الحشد تحديداً.
فحتى لو وجّه "إرادة الموت " خاصته ليسمّم بها الظلال المسروقة ، فإنها ستستمر في القتال وكأن شيئاً لم يكن ؛ فالموتى لا يخشون الموت ، بعد أن صاروا في قبضته. لذا لم يجد بُدّاً من القيام بالخيار الأفضل التالي ، فانقسم إلى سبع نسخ من ذاته ، اندفع كل منها نحو كتلة الظلال كإعصار مظلم من الفولاذ القاتل.
لم يكن حلفاء "ساني " في وضع الخاملين أيضاً ؛ إذ استدعت "ساينت " ظلامها العنصري -العدو الطبيعي للظلال- لتفتك بالظلال وتعيدها إلى مالكها الحقيقي ، بينما اتخذ "قاتل " هيئة عنكبوت عملاق ، باسطاً شبكة واسعة من الحرير الأسود لكسر أجنحة "فراشات الظل ".
بدت "نيفيس " مشوشة للحظة وجيزة ، ثم أطلقت لهيبها ببساطة ، مذيبةً بوميضها الباهر كلاً من الظلال التي كانت لا تزال على ولائها ، وتلك التي سرقها "النسل الخبيث ".
بيد أن "أنانكي " هي من أثبتت كفاءةً منقطعة النظير في هذه المعركة غير المتوقعة.
فبينما أحاط بها بحر من الظلال المعادية ، ممتثلةً لأمرٍ بتمزيقها إرباً ، توهجت عينا "أنانكي " الزرقاوان بوميض كهرماني نابض ، ثم تحرك شعرها الأسود الطويل كأنما دبت فيه حياة مستقلة ؛ إذ تلوت خصلاته الحريرية البراقة كالأفاعي ، وما إن اقترب ظلٌ مهاجمٌ أكثر مما ينبغي حتى انطلقت إحدى تلك الأفاعي لتغرس أنيابها السبجية في عنقه ، فتدفق جوهر "أنانكي " عبر أنياب الأفعى ليختلط بالمحارب الميت ، ويتحول في لمح البصر إلى سُمٍّ زعاف.
تفتت ذلك الظل وتحول إلى غبار ، بينما امتصت "كاهنة تعويذة الكابوس " جوهره لتعالج جراحها وتزداد قوة.
لكن ذلك الظل لم يكن سوى استثناء ؛ فالمصير الذي كان ينتظر بقيتهم بدا أكثر هولاً.
هبت ريح باردة فوق بحيرة "إستواري " وحين وقعت نظرات عيني "أنانكي " الكهرمانيتين المتوهجتين على الظلال المحيطة بها ، تباطأت حركتها فجأة ، ثم توقفت تماماً ، كأنما غلبها وهنٌ عجيب.
حاول بعضها المقاومة ، لكن دون جدوى ؛ فسرعان ما تحولت أجسادها السوداء إلى اللون الرمادي ، وسكنت تماماً ، ليجد الجميع "أنانكي " وقد أصبحت محاطة بما يشبه حديقة من التماثيل المنحوتة بإتقان وكأنها حية.
لم تكن الظلال تملك "إرادة " خاصة بها ، لذا لم تكن تملك أدنى وسيلة للدفاع أمام قوتها الشريرة. وبهذا المعنى لم يكن بوسع هؤلاء المحاربين الموتى أن يلاقوا خصماً أشد بأساً من "أنانكي " ابنة "النسيج " الكاهنة الأخيرة لـ "تعويذة الكابوس ".
امتدت خيوط لا حصر لها من الحرير الفضي -التي كانت من الدقة بحيث تكاد تكون غير مرئية- من جسد "أنانكي " إلى الظلال المتحجرة ، ولم يُكشف عن وجودها إلا ببريق أثيري في الضوء الساطع للشمس المسروقة. وسرعان ما بدأت التماثيل تتفتت إلى غبار ، متدفقةً بجواهرها في روح "أنانكي ".
ومع حدوث ذلك ازداد توهج عينيها الكهرمانيتين سطوعاً ، وبدأت الظلال الأبعد عن قريناتها المهلكة تتباطأ وتتجمد هي الأخرى ، لتظهر جزيرة من السكينة والصمت فى الجوار ، حيث يتراقص الغبار في الضوء. أما في بقية أرجاء ساحة المعركة ، فقد كانت الفوضى الضاربة تفرض سيطرتها.
كان "النسل الخبيث " مراوغاً وفتاكاً في آن واحد ، يمزق ظلال "ساني " كما يمزق القصابُ ذبيحتَه. وسرعان ما سُرق المزيد منها لتنضم إلى القتال ضد رفاقها السابقين ؛ ظلالٌ تحارب ظلالاً ، ولهيب أبيض يتأجج وسط الظلام ، وفي مكان ما هناك كانت تجسيدات "ساني " السبعة تزرع الدمار على نطاق مرعب.
وفي خضم ذلك كان يفقد جوهره لصالح ذلك "الفرخ " الملعون.
"كيف حدث هذا بحق الجحيم ؟ "
كان من المفترض أن يكون "فيلق الظل " أعظم نقاط قوته ، لكنه بدلاً من ذلك صار عبئاً... بل وتهديداً.
كانت سرقة قوة الخصم واستخدامها ضده أمراً يشبه تماماً ما كان "ساني " ليفعله. وبالنظر إلى ذلك وإلى قوى السيطرة على الظلال التي يمتلكها "النسل الخبيث " شعر "ساني " وكأنه وقع في كمين نصبه له نسخة شريرة ومعتوهة من نفسه...
إلا أن "النسل الخبيث " -ذلك الشيطان الشاب قليل الخبرة- لم يكن ليطمح أبداً في مجاراة الغدر ، والالتواء ، والخبث الصرف الذي يملكه الأصل.
لقد لاحظ "ساني " مدى فعالية "أنانكي " في تدمير الظلال ، ولا شك أن الشيطان الشاب قد لاحظ ذلك أيضاً ؛ بل لعل "النسل الخبيث " كان على دراية بقواها ، كونه وُلد وترعرع في "قبر أرييل ".
لذا تسلل عبر الظلال ليصل إلى الكاهنة الفاتنة...
غير أن شيئاً ما كان ينتظره بالفعل في عناقها المظلم.
ولأنه تنبأ بما سيقدم عليه ذلك الشيطان الشرير ، أرسل "ساني " أحد تجسيداته إلى أعماق الظلال هو الآخر. وفي تلك اللحظة الخاطفة التي استخدم فيها "النسل الخبيث " "خطوة الظل " متحركاً عبر الامتداد المظلم لعالمهم الخالي من الضوء ليظهر بجوار "أنانكي " اعترضه حضورٌ مروع كان يتربص هناك ، متوارياً في الظلام.
في مستوى الظلال كان "ساني " هائلاً وعديم الشكل ، بينما حافظ "النسل الخبيث " على هيئة تشبه الطائر. و لكن أجنحته تكسرت وتشابكت حين التف "ساني " حوله كالكفن ، وفتحت ألف فم جائع على الامتداد الغامض لهيئته الحقيقية لتنهش روح الشيطان الناشئ. وبشعور من الارتباك والذعر ، أطلق "النسل الخبيث " صرخة صامتة وقذفهما كلاهما خارج الظلال.
تدحرجا على الأرض ، وظهرت ست نسخ أخرى من "ساني " من قلب المعركة الضارية لتندمج مع تلك التي تمسك بالشيطان المذعور من عنقه.
تشنج وجه "النسل الخبيث " وأطلق صرخة عالية تشبه نعيق الطيور.
بدا أن المعركة توقفت للحظة ، وسرت قشعريرة باردة في عمود "ساني " الفقري.
لم يكن يراه ، ولم يكن حتى ليحس بوجوده...
لكن في تلك اللحظة ، أيقن أن شيئاً مخيفاً يقترب.
بدا الأمر وكأن "الأم الطائرة " تستجيب لنداء فرخها المكروب. حيث كان "طائر السرقة الخبيث " قادماً...
كان قادماً مباشرة نحو "ساني " الذي كان ما زال يقبض على عنق "النسل الخبيث " بيده.
"هذا عظيم حقاً... "
مغطىً بعرق بارد ، أفلت "ساني " الشيطان الصغير الشرير واستدار عائداً.
ظن أنه يتصرف بسرعة ، لكن يبدو أنه لم يكن سريعاً بما يكفي.
ولم يكن حلفاؤه كذلك - "نيفيس " و "أنانكي " و "ساينت " و "قاتل "...
لم يتصرف أي منهم في الوقت المناسب ، وفشلوا جميعاً في إدراك اللحظة التي غادر فيها "الرعب الملعون " عشه وظهر في ساحة المعركة.
وحين واجه "ساني " ذلك الجبل كان قد فات الأوان لفعل أي شيء.
لم يستطع رؤية سوى امتداد شاسع ومروع من الريش الأسود الذي حجب السماء ، وعين واحدة محتقنة بالدم ومجنونة تحدق في جوهر كيانه ذاته.
وفي اللحظة التالية ، اخترقت مخالب حادة صدره.
ولكن كان أعلى برتبتين كاملتين مما كان عليه في "الكابوس الثالث " كـ "نصف إله " حقيقي إلا أن النتيجة كانت ذاتها ؛ إذ مزق "طائر السرقة الخبيث " بسهولة درع "عباءة اليشم " المنيع.
اخترق مخالبه لحمه المتماسك وعظامه غير القابلة للكسر أيضاً.
وصلت مخالبه إلى روحه ذاتها ، محطمةً نوى روحه كما لو كانت فقاعات صابون... وتوغلت إلى ما هو أعمق من ذلك.
تدفق الدم من فم "ساني " كالشلال.
ومع كونه ممزقاً بوحشية وغارقاً في ألم مبرح...
لوى شفتيه الملطختين بالدماء في ابتسامة خبيثة.
"أمسكت بك... "
لم يكن صوته أعلى من همس محتضر.
في اللحظة التالية ، فعّل "ساني " التعويذة السابعة لـ "اللعنة " - تلك التي لا يمكن استخدامها إلا عندما ترتبط حلقاتها السبع في سلسلة واحدة.
حوّلت [السلسلة] "اللعنة " إلى صفة مركبة حيث تُعزز الحلقات السبع بعضها بعضاً عند اتحادها. وكان تأثيرها الكامن يزيد قوة "اللعنة " تدريجياً مع اندماج المزيد من تجسيدات "ساني " ولكن حين تجتمع النسخ السبع كلها ، تتناغم الحلقات السبع ، لتعزز بشكل هائل جميع تعاويذ "اللعنة "... والأهم من ذلك أنه تم فك قفل وظيفة ثانوية لـ[السلسلة] في تلك اللحظة.
في تلك الحالة ، يمكن تجسيدها كقوة ربط تجسد الديمومة. و يمكنها كبح الأعداء... أو تثبيت "ساني " نفسه ، مستعيدةً جسده وروحه ونفسه وعقله إلى حالتهم السابقة بغض النظر عن الضرر الذي لحق به.
تلك هي الوظيفة الأخيرة لـ[السلسلة] التي استخدمها الآن ، مستهلكاً قدراً مريعاً من جوهره.
وحين ظهرت سلسلة شبحية حول جسده ، انعكس كل الضرر الذي ألحق به ، ليعود إلى الحالة التي كانت عليها قبل ظهور "طائر السرقة الخبيث ".
إلى صحة كاملة...
حسناً ، باستثناء حقيقة أن جسده كان ما زال مخترقاً بمخالب ذلك "الرعب الملعون ".
كان "طائر السرقة " ينحني نحوه ، محدقاً به بعينيه المعتوهتين. متجاهلاً الألم ، قبض "ساني " على حفنة من الريش الأسود ، وجذب ذلك "الرعب " البشع أقرب...
وغرَس "الثعبان " عميقاً في عنقه.