في الوقت نفسه ، وفي مكان سحيق كانت الرياح الباردة تجتاح العالم ، بينما تعصف عاصفة ثلجية هوجاء عبر أرض قفر موحشة.
وعلى بُعد سحيق كانت أطراف سلسلة جبلية شاهقة بالكاد تُرى ، تبرز فوق الأفق كخط أسود رفيع ، وقد لفتها سحب من الرماد المنبعث من أعماق براكين قديمة كانت حرارتها اللامتناهية تصد غائلة العاصفة الثلجية وتجعلها بمنأى عنها.
كانت تلك هي الأراضي الواقعة غرب "ريفنهارت " حيث يسود البرد القاتل.
وعلى حافة تلك الفلاة المتجمدة تماماً ، شُيدت سلسلة من المراكز الأمامية من الجليد ، تحمي أراضي بني آدم من الكائنات التي تقطن وسط الثلوج. حيث كانت تلك الحصون موطناً لحاميات عابرة من المحاربين "المستيقظين " ومأوى للمستكشفين الذين يغوصون في قلب العواصف بين الحين والآخر... أما الآن ، فقد غدت تلك القلاع الجليدية خاوية وموحشة ، يلف صمت القبور شرفاتها.
لقد استجاب الجميع لنداء الحرب وأتبعوا "الملك " ذا العينين الذهبيتين نحو الشرق ، مهجرين خط الدفاع من المراكز الأمامية التي كانت تحمي "مدن القلعة " من كل سوء. والآن لم يعد يتحرك داخل تلك الحصون المهجورة سوى الثلج والرياح...
أما الكائنات التي كانت من المفترض صدها ، فقد أصبحت تتحرك بين تلك الحصون ، متجهة نحو المكان الذي تنبعث منه رائحة الأرواح البشرية التي تذهب بالعقول.
كان سرب من تلك الكائنات قد عبر للتو معسكراً مهجوراً للجيش ، جالباً معه العاصفة الثلجية. حيث كان الثلج يتدفق مع الرياح العاتية ، بينما تتحرك تلك المسوخ تحت ستارها الكثيف.
ومع ذلك لم يصل أي منها إلى مرأى من أي مستوطنة بشرية.
بل لقت حتفها دون أن يراها أو يلحظها أحد ، حيث واري الثلج جثثها ، وأغرق عويل الرياح صرخات احتضارها.
وسرعان ما بدأت الثلوج تدفن ببطء شتاتاً من الجثث المروعة. ومما يثير القشعريرة أن تلك الجثث لم تحمل أي جروح ، ولا أي علامات ظاهرة تدل على تعرضها لأذى بمخلب أو سلاح.
بدا الأمر كما لو أن حياتها قد انطفأت ببساطة ، وكأنما خمدت بضربة من يد إله لا يعرف الرحمة.
لكن لم يبدُ أن أحداً كان في الجوار...
إلا إذا أمعن المرء النظر بدقة متناهية.
كانت العاصفة تحتدم ، وفي غمار كُثبان الثلوج الدوامة كان يمكن أحياناً رؤية شبح باهت ، يسير نحو الشرق بخطى وئيدة ومنتظمة. لم تكن ملامحه مرسومة بفعل الثلج ، بل بفعل غيابه ؛ فباستثناء ذلك الوجود السلبي لم يشي أي شيء بوجوده. لا نَفَس ، ولا حرارة ، ولا دقات قلب ، ولا حتى صوت لوقع خطواتها.
كان ذلك الشبح لامرأة ذات عينين زرقاوين ، تحمل في يديها منجلاً أسود.
توقفت "جيت " للحظة قصيرة ، ثم استعادت هيئتها البشرية واستنشقت نفساً عميقاً ، مستمتعة بلسعات البرد القاتل القاسية.
كان شعرها شعثاً ، ودرعها ممزقاً. علق بها الثلج والجليد كأنه رداء صقيعي ، وكانت بشرتها البورسلينية بيضاء كبياض الثلج المحيط بها. فلم يكن هناك أي لون في وجهها الشاحب الخالي من الدماء ، باستثناء عينيها اللتين تتقد كشعلتين زرقاوين حادتين وشرستين في ذلك الجحيم الشاحب.
بدت "جيت " وكأنها جثة... أو ربما بدت كالموت ذاته. ومع ذلك كانت بلا شك على قيد الحياة ، على الأقل بالقدر الذي يمكن فيه تطبيق هذه الكلمة عليها.
بعد دخولها الأراضي القفر المتجمدة قادمة من "الساحل المنسي " انغمست في العاصفة الثلجية من أجل صيد "أشباح الثلج " والبقاء على قيد الحياة. حيث كان العالم مغلفاً بالثلوج ، وبما أن السماء كانت محجوبة عن الأنظار ، فقد فقدت إدراكها للوقت سريعاً. فقد النهار والليل كل معنى ، وبعد فترة ، فقد الزمان نفسه معناه أيضاً. كل ما كان بإمكان "جيت " استخدامه للتفريق بين الماضي والحاضر هو عدد المعارك الضارية التي خاضتها ، وعدد "مخلوقات الكابوس " الشرسة التي قتلتها.
ولكن حتى ذلك الحين ، فقدت العد في نهاية المطاف. ضاق العالم ليصبح بمقدار ما يمكنها رؤيته وسط العاصفة ، وانحصر نطاق حياتها في أمرين فقط: صيد مخلوقات الكابوس ، وأن تكون هي فريسة لمخلوقات الكابوس بدورها. حيث كانت هناك لحظات تكسر تلك الرتابة القاتلة بطبيعة الحال ؛ ففي بعض الأحيان كانت العاصفة تهدأ فجأة ، فترى "جيت " عالماً أبيضاً ناصعاً يمتد بلا نهاية في كل الاتجاهات. وأحياناً أخرى كانت الأرض تحتها تتصدع ، فتدرك أنها تسير فوق محيط متجمد. حيث كانت هناك كائنات مروعة تسكن تحت تلك الطبقة الهائلة من الجليد ، فتهرب من الصدوع العميقة ، يملؤها الذعر وهي تشعر بتلك الكائنات العملاقة تراقبها من الأسفل.
لم يكن هناك سوى ثوابت اثنين في ذلك الفراغ الأبيض الموحش والمخيف ؛ الأول هو البرد القاتل والخانق ، والآخر... هو "الجبال الجوفاء ".
كانت "الجبال الجوفاء " عن يسارها ، يغلفها ضباب أبيض. وفي بعض الأحيان كان الضباب والعاصفة الثلجية لا يكادان يتمايزان عن بعضهما البعض ، ولكن في الواقع لم يكن هناك الكثير من القواسم المشتركة بينهما ؛ فالثلج كان قاتلاً... لكن الضباب كان أشد خطورة بمراحل. لذا تجنبت "جيت " الاقتراب كثيراً من "الجبال الجوفاء " أثناء رحلتها نحو الغرب.
لم يكن لدى "جيت " الكثير لتفعله سوى القتل والبقاء على قيد الحياة ، لذا وضعت هدفاً لنفسها ؛ أرادت أن تعرف أين تنتهي "الجبال الجوفاء ".... والآن ، الاله وحده يعلم كم مضى من الأسابيع أو الشهور ، ها قد وصلت إلى الأطراف الخارجية لأراضي بني آدم من جهة الغرب. و لقد اكتشفت نقطة نهاية السلسلة الجبلية التي بدت وكأنها لا تنتهي ، وعبرت إلى الجانب الآخر ، وشقت طريقها عائدة نحو الحضارة البشرية.
تمتمت قائلة "لا أصدق أنني نجحت حقاً ".
لقد تمكنت "جيت " بطريقة ما من تحقيق هدفها.
لذا والآن...
نظرت نحو الشرق ، حيث ترقد سلسلة جبلية أخرى تحت سماء رمادية.
حيث تقع "ريفنهارت ".
تخلت "جيت " عن هيئتها الجسديه ، وواصلت التحرك شرقاً.
"لقد غبت لفترة تكفى.و الآن ، حان الوقت لأرى ما فعلوه بالعالم في غيابي... "
في مكان آخر ، في زنزانة مظلمة ، فتحت "إيفي " عينيها. استغرقت عيناها وقتاً لتستجمع تركيزها ، لكنها في النهاية استعادت الرؤية... كل ما في الأمر أن ما رأته كان السقف الحجري ذاته الذي رأته من قبل.
مهما طالت المدة التي قضتها في أقبية القلعة.
"آآه... لقد استيقظت. يا للأسف ".
كانت تحلم بأجمل حلم ، ثم تلاه كابوس مرعب.
ولكن حتى الكابوس كان أفضل من وضعها الراهن.
تنهدت "إيفي ".
"على الأقل لست جائعة... لست... جائعة... "
لم تعد كذلك.
بالفعل لم تكن تشعر بالجوع ، ولكن ليس لأنها كانت شبعى ؛ بل على العكس تماماً ، فقد كان جسدها حطاماً هزيلاً. بدت وكأنها جثة هزيلة ، نحيلة وضعيفة لدرجة أن أي شخص سيشعر بالغثيان بمجرد النظر إليها.
لكن "إيفي " نفسها لم تكن تشعر بذلك الذعر من حالتها الحالية ، لأنها كانت حالة مألوفة لديها. لم تكن تبدو مختلفة كثيراً طوال معظم حياتها ، حيث كانت مقيدة بكرسي متحرك وتذبل في عالم لم يكن رحيماً حتى بالأصحاء ، فما بالك بالعجزة أمثالها.
لم تكن تشعر بالجوع ببساطة لأن جسدها قد تجاوز مرحلة الجوع. و بدلاً من ذلك شعرت باللامبالاة والتعب الشديد ، ضعفاً جعل حتى ثقل السلاسل التي تقيد أطرافها يشعرها وكأنها عاجزة عن الحركة. حيث كان عقلها مغلفاً بالضباب ، وأفكارها بطيئة ومشتتة.
"بماذا كنت أحلم ؟ "
كانت تلك الحالة المريحة هي رد فعل الجسد على التضور جوعاً. فبعد إخضاع الشخص لتلك الرغبة الجنونية والمستعصية في العثور على القوت ، والألم المبرح للجوع الشديد ، يختار الجسد الحفاظ على القليل من الطاقة المتبقية لديه ويدخل في حالة من الخمول.
كانت "إيفي " مألوفة أيضاً بتلك الحالة من الخمول... فقد رأت حدوث ذلك لمرات لا تحصى في المستوطنة الخارجية لـ "القلعة المضيئة ". وعادة ما كان وصول هذه الحالة يعني أن "النائم " المتضور جوعاً سيموت قريباً.
بالطبع لم تكن محظوظة بما يكفي لتموت. فـ "سليل الأحلام " لم يكن ليسمح لها بالموت ، مما يعني أن شخصاً ما سيأتي لإطعامها بعض اللقيمات قريباً.
وعندها ، سيبدأ الجنون والألم من جديد.
كانت تأمل فقط ألا يرسل "أستيريون " زوجها مرة أخرى...
"لا ، انتظر. و بماذا كنت أحلم ؟ "
ببطء ، بدأت تفاصيل حلمها تطفو على سطح عقلها الضبابي.
حينها فقط تحركت "إيفي " أخيراً ، مما جعل السلاسل تصدر صليلاً.
وعلى الرغم من إجهاد جسدها الهزيل ، اعتدلت في جلستها ببطء. و شعرت بثقل السلاسل الساحق ، لكنها مع ذلك أجبرت نفسها على الحركة ، دافعة جسدها لاتخاذ وضعية شبه عمودية.
لم يكن طول سلاسلها سخياً ؛ فـ "إيفي " لم تكن تستطيع الوقوف حقاً ، وبالكاد استطاعت الجلوس. حيث كانت كلتا ساقيها وكلتا ذراعيها مقيدة بالأغلال ، وكل سلسلة متصلة بواحد من الجدران الأربعة لزنزانتها. وبسبب ذلك لم تكن تستطيع استخدام قوتها بالكامل... لم تجد موطئ قدم لتسحب السلاسل وتقتلعها من الحجر القديم ، مدمرة ما تخيلته "السراب " ذات يوم.
لماذا يحتاج "شيطان " إلى زنزانة على أي حال ؟ ما نوع الأشياء التي كانت تلك الفتاة الغريبة تتخيلها ؟
لكن مرة أخرى... لم تكن "السراب " هي من حولت هذه الغرفة الموجودة تحت الأرض إلى زنزانة على الأرجح ، بل كان على الأرجح شخصاً من "عشيرة فالور ".
كان هؤلاء القوم أسياد عظاماً في ابتكار الأشياء المفزعة...
لقد "كانوا " أسياد عظاماً. أما الآن ، فقد رحل جلهم تقريباً.
استنشقت "إيفي " نفساً أجش.
"ذلك الحلم... "
لقد حلمت بأنها حرة.
حاولت "إيفي " الابتسام ، وأفلتت ضحكة ضعيفة من بين شفتيها المتشققتين.
"حرة... حرة... "
ألن يكون من الرائع أن تكون حرة ؟
حلمت "إيفي " أيضاً بأن "البرج الآبنوسي " يتعرض للحصار. وإذا كانت الحرب قد دخلت مرحلتها النهائية حقاً ، فلا بد أن "سليل الأحلام " قد استدعى معظم "المستيقظين " في "الباسيون ".
ترنحت قليلاً.
"آه ، سحقاً... "
ربما لن يأتي أحد لإطعامها بعد كل شيء.