بدأ السكان المحليون يشعرون بريبةٍ تقض مضاجعهم عندما لم تخمد الأحاديث الغريبة بعد أسبوع أو أسبوعين، بل على العكس تماماً، فقد بدت وكأنها تزداد حدةً وضراوة، وبدا أن مزيداً من الناس بدأوا يصدقون تلك الشائعات التي لا أساس لها من الصحة.
كان الوضع لا يزال تحت السيطرة عندما كان المنتقدون لـ "النجم المتغير" قلةً قليلة، لكن مع ازدياد عددهم، ساءت الأجواء في المدينة وتوترت النفوس. استمر مروجو الشائعات في نشر ترهاتهم عن "السيدة النجم المتغير" وعشيرة "اللهب الخالد"، وبدأ الغضب يتسرب إلى قلوب الناس تدريجياً.
في نهاية المطاف، لم تكن هاتان الفكرتان -عشيرة اللهب الخالد وابنتها الأخيرة- مجرد تمثيل لسلطة العالم الفاني والحاكم الذي يسوسه؛ ففي هذا العالم الذي ماتت فيه الآلهة، وباتت فيه كائنات مرعبة تتربص بالبشرية بعيون جائعة، كانت العشيرة وابنتها أقدس ما يملكه الناس من ملاذ.
كان "النجم المتغير" رمزاً لأملهم ومصدره في آن واحد، وكانت صلابة "الشعلة الخالدة" مرادفةً لبقاء الإنسانية ذاتها. وبطبيعة الحال، كانت المشاعر تغلي في الصدور عندما يجرؤ أحدهم على التشكيك في أيٍّ منهما أو التقليل من شأنهما بسوء نية. خاصةً هنا في مدينة "ريد هيل"، حيث يعيش معظم الناس على مرأى ومسمع من بعضهم البعض، ونادراً ما يكتمون سراً، فكان من المحتم أن يثير مثل هذا التطاول بعض المشاحنات.
وفي أكثر من مناسبة، أعقبت الإهاناتِ لكماتٌ بالأيدي، وتلطخ الزجاجُ الشفافُ بالدماء، مما اضطرَّ أتباعُ عشيرة "ماهارانا" إلى التدخل لفضِّ الشجارات العنيفة بين المواطنين.
ازداد الوضع سوءاً لأن الشائعات لم تقتصر على المعتادين من مثيري الشغب، بل كان المريب حقاً هو أن الأشخاص الذين عُرفوا بالذكاء والرزانة قد بدأوا فجأةً بالانحياز إلى جانب المنشقين. حتى الأصدقاء والأقارب باتوا يتخلون فجأةً عن معتقداتهم ومبادئهم الراسخة، مغيّرين نظرتهم للكون رأساً على عقب.
عاد عامل المنجم أخيراً إلى منزله بعد نوبة عمل طويلة وشاقة في المحجر النائي، تملؤه السعادة لرؤية زوجته ووالديه. ولكن لسوء حظه، وجد زوجته قد تشاجرت مع والديه شجاراً حاداً، لدرجة أنهم انقطعوا عن الحديث تماماً. وكان سبب الشقاق هو أن زوجته أصبحت، لسببٍ ما، من أشد المؤيدين للحاكم الجديد، "سليل الأحلام"، الذي كان والده يمقته أشد المقت.
أقام المحارب المستيقظ وإخوته مأدبة تأبين لأخيهم الأكبر الذي قضى نحبه في "غودغريف". صرَّ أصغرهم على أسنانه وقال بغضب لاهب إنه لولا "النجم المتغير"، لظلت عائلتهم متماسكة ولما فُقد أخوهم. وعندما نظر إليه المحارب في ذهولٍ شديد قائلاً إن هذا الكلام عارٍ من الصحة، ازداد غضب الشاب واستشاط شزراً.
ولم تستطع النادلة فهم ما حل بابنتها مؤخراً، فقد شعرت كأنها باتت غريبة عنها. اختفى فجأةً تبجيلها للسيدة "نيفيس" التي كانت تعشقها بقداسة، وحلّ محله إعجابٌ مفرط بالرجل المسمى "أستريون"، بدا وكأنه هوسٌ مجنون. وعندما سألتها النادلة عن سبب هذا التحول، حدّقت بها ابنتها بنظرةٍ جوفاء خالية من الروح؛ كان الأمر مروعاً ومثيراً للقلق. والأدهى من ذلك، أنه لم ينفع معهم أي منطق أو إقناع، فمحاولة الجدال مع هؤلاء المنشقين كانت أشبه بالنفخ في قربة مقطوعة، إذ كانوا يتجاهلون كل الحجج أو يقلبونها ضدك، حتى لو انعدم المنطق في كلامهم. ذلك لأن معظم الناس لا يجادلون بعقولهم، بل بعواطفهم، وطالما أنهم ارتبطوا بفكرةٍ ما وجدانياً، فإن عقلهم الباطن سيختلق كل السبل الممكنة لجعل تلك الفكرة حقيقةً في أوهامهم.
وبينما كان الموالون لـ "النجم المتغير" يتصادمون مع العدد المتزايد من أنصار "أستريون" المتحمسين، غدت الحقيقةُ نفسها سراباً ضبابياً.
وعندما وصل الأمر إلى هذا الحد، بدأت الكوابيس.
ربما كانت تروع سكان "ريد هيل" منذ مدة، لكن لم يلحظها أحد وسط تلك الفوضى. استيقظ الناس منهكين بعد ليالٍ من الأرق والتقلب في مضاجعهم. بدأ الأمر ببضعة أشخاص، ثم تفشى حتى بدا أن نصف المدينة يسيرون بوجوهٍ شاحبة وهالاتٍ سوداء تحت أعينهم.
كانت تعابير وجوههم تحمل مسحة من حزنٍ دفين، ومع ذلك لم ينتبه أحد حقاً حتى تجسدت الكوابيس بوضوحٍ مرعب.
كان أهل "ريد هيل" يحترقون في مناماتهم.
تحولت النيران المهدئة التي كانت تمنحهم الأمل إلى لهيب حارق نهم؛ تقرحت جلودهم، ثم اسودت، وتحول اللحم تحتها إلى فحم، ثم تفتت إلى رماد، وتصدعت عظامهم البيضاء وذابت في الجحيم.
تكررت هذه الكوابيس مراراً وتكراراً، زارعةً رعباً جديداً في قلوب الناس.
عندها بدأ بعضهم يطرح على نفسه سؤالاً...
قد تصل بركة "النجم المتغير" إليهم في شتى بقاع العالم، لتغسل جراحهم بموجة من اللهب الأبيض. ولكن تلك النيران التي كانت تحرقهم في منامهم لم تكن قادرة على الشفاء فحسب، بل على الفتك والدمار أيضاً.
إذن... هل يعني ذلك أنه إذا أرادت "نيفيس" من عشيرة "اللهب الخالد"، فبإمكانها حرق أي شخص، في أي مكان، وفي أي وقت؟ هل يعني ذلك أنه طالما كانوا جزءاً من مملكتها المتألقة، فإن حيواتهم مرهونة كلياً برحمتها؟
وأن غضبها لا مفر منه، أو بالأحرى، لم يكن هناك مهرب... إلى أن جاء "سليل الأحلام" إلى شواطئ "بحيرة المرآة" وعرض خلاصه.
وبمجرد أن تسربت تلك الفكرة إلى عقول سكان "ريد هيل"، بدأ عدد المرتدين بينهم ينمو كالنار في الهشيم.
إلى أن جاء يوم شهد فيه المحارب المستيقظ شجاراً أثناء دوريته في السوق؛ حيث وجد عامل منجم أسمر البشرة في مشادة كلامية حامية مع طباخ من نزل قريب، يصرخ بكلمات بذيئة:
"اخرسوا! اخرسوا أيها الحمقى! لقد سئمت من هذيانكم! توقفوا عن نشر هذا الهراء في كل مكان، سحقاً لكم!"
قطب المحارب المستيقظ حاجبيه، وسار نحو الرجلين المتنازعين وسحبهما بقوة ليفصل بينهما.
لم يحتج إلا لنظرة خاطفة ليدرك حقيقة ما يجري؛ فقد كان الطباخ أحد المرتدين، والمرتدون لا يكتفون بآرائهم لأنفسهم، بل يبدون مصممين على نشر عقيدتهم الجديدة على أوسع نطاق، غير آبهين بما يسببه ذلك من استفزاز.
ازداد تجهم وجه المحارب، وأسند الطباخ المنهك، ونفض الغبار عن ثيابه، ثم التفت إلى عامل المنجم بنظرةٍ يملؤها الأسى.
وعندما نطق، كان صوته رزيناً بشكلٍ مخيف: "...لماذا تؤذي خادماً أميناً للسيد أستريون؟"
كان "دار"، زعيم عشيرة "ماهارانا"، يقف على قمة "التل الأحمر"، يرقب مدينته بنظرة قلقة. بدا عليه الإعياء الواضح، وافترشت الهالات السوداء ما تحت عينيه، وكانت نظراته شاردةً في المدى.
وفي لحظة ما، ارتعشت أصابعه، وألقى نظرة خاطفة نحو الأفق مع تنهيدة حارقة.
انعكست هيئته المهيبة على الزجاج المصقول الغارق في ضوء الشمس.
وبينما كان يستدير ليعاود النظر إلى الأفق، بدا انعكاس صورته على الزجاج وكأنه يبتسم ابتسامة خفيفة، في لحظة وجيزة عابرة.