Switch Mode

Shadow Slave 2801

الفصل 2801 العدوى


بدأ الأمر ببطء.

كانت "ريد هيل" مدينةً صغيرةً نسبياً مقارنةً بالمستوطنات البشرية في "عالم الأحلام". تقع المدينة في إحدى أكثر مناطق هذا العالم الكئيب عزلةً، بعيداً كل البعد عن معقلي "باستيون" و"رافنهارت". يحدها من الشرق "جزر السلاسل"، ومن الغرب منطقة "غودغريف"، بينما يحيط بها من الجنوب بحرٌ خلاب؛ حيث كان البحر هادئاً كالبحيرة، وجميلاً كالحلم، لكن مياهه كانت سماً زُعافاً. ففي الواقع، كانت مياهه قادرةً على إذابة لحم الإنسان في ثوانٍ معدودة، وفي غضون دقيقة أو اثنتين، لا يتبقى من المرء سوى عظامٍ نخرة، ولذلك سُمي بـ "بحر العظام".

أما من الشمال، فكانت سهول "الجحيم الزجاجي" الشاسعة يغمرها الضباب المنبعث من "الجبال الجوفاء".

ونظراً لبُعد منطقة "الجحيم الزجاجي"، نادراً ما كانت "ريد هيل" تستقبل الزوار؛ إذ كان التجار المسافرون من "باستيون" إلى "رافنهارت" أو "بحيرة الدموع" هم المرتادين الوحيدين لها. كانت القوافل القادمة من الشرق تصل منهكة القوى وبحاجة ماسة إلى الراحة بعد رحلة مضنية، لذا كانوا يمكثون لبعض الوقت في المدينة قبل الانطلاق إلى محطتهم الأخيرة، وهي عبور "غودغريف" الشاق.

أما القوافل القادمة من الغرب، فكانت في مسيس الحاجة إلى الراحة والإصلاحات جراء أهوال ذلك المعبر.

كان التجار يجلبون معهم مواد البناء والمؤن والسلع الفاخرة، ويغادرون محملين بـ "الزجاج السحري" الذي يُعد من الصادرات الرئيسية لمدينة "ريد هيل". وإلى جانب التجار، كان "سيد الجحيم" نفسه مصدراً للموارد التي يحتاجها السكان المحليون للبقاء على قيد الحياة؛ فبصفته "قديساً"، كان قادراً على جلب الكثير من الإمدادات من العالم الواقعي.

كان هذا أحد أهم الأدوار التي يضطلع بها "القديسون" في المستوطنات النائية مثل "ريد هيل". فرغم أن قوتهم وبراعتهم القتالية كانت ذات أهمية بالغة بطبيعة الحال، إلا أن قيمتهم كـ "سعة تخزينية ولوجستية" ربما كانت أعظم من ذلك. فمع وجود "قديس متسامٍ" يحرس المستوطنة، لن يموت سكانها جوعاً أو عطشاً على الأقل.

وكان "الأسياد" يشبهونهم في ذلك، حتى وإن لم يكن بمقدورهم سوى حمل حمولة متواضعة عبر حدود العالمين. لذا، كانت العلاقة الشخصية مع "سيد" تعني عيش حياة أكثر رغداً من حياة الجيران. ولهذا انقسم سكان "ريد هيل" انقساماً واضحاً بين من يملكون القليل ومن ينعمون بالكثير؛ حيث كان بإمكان الأخيرين التمتع بالخصوصية والظل في منازلهم، لأن جدرانها كانت مغطاة بالخشب أو الحجر. أما الأولون فكانوا يعيشون تحت أنظار جيرانهم، لأن جدران منازلهم كانت مصنوعة من الزجاج الشفاف.

لم تكن هناك أسرار كثيرة في "ريد هيل".

كانت الحياة هنا بسيطة ومجزية؛ فبصرف النظر عن خدمات الضيافة الموجهة للتجار العابرين، كانت الصناعة المحلية الرئيسية هي تعدين الزجاج وتصنيعه ونقله.

كان استخراج الزجاج في "الجحيم" عملاً شاقاً ومحفوفاً بالمخاطر... بل كان في بعض الأحيان بالغ الخطورة.

فإذا ازداد عمق المحجر، فإنه يخاطر بالانهيار في الأنفاق الموجودة أسفله، مُطلقاً العنان لأسراب من "وحوش الخلية" المرعبة. ولحسن الحظ، كانت قوات "عشيرة ماهارانا" قوية ومنضبطة، بينما بدا سيدها المهيب وكأنه ملمٌّ بكل شاردة وواردة.

لم يقتصر دور "سيد الجحيم" على حكم المدينة وحماية عمال المناجم فحسب، بل امتد ليشمل المنطقة بأسرها، باسطاً حمايته على القوافل القادمة من "غودغريف" أو "الجزر المقيدة". لذا، فرغم صرامته وغلظته، بل وقسوته أحياناً، كان سكان "ريد هيل" يكنّون له ولعشيرته الكثير من المودة.

شعروا أن لهم مستقبلاً تحت حكمه، وهو ما كان تناقضاً صارخاً مع اليأس الصامت الذي خيّم عليهم في "الأرض المحتضرة"... وبالطبع كانت هناك إلهتهم المتألقة، "النجمة المتغيرة"، التي وصلت رحمتها إلى رعايا بني آدم حتى في هذه المنطقة النائية. وبفضل حماية "سيد الجحيم" وإرشاد "النجمة المتغيرة"، رضي الناس عن حياتهم، والأهم من ذلك أنهم استشعروا دافعاً قوياً للعمل بجد والتطلع إلى الغد بفضل ما لمسوه من ثمار كدّهم.

وكغيرها من مدن بني آدم في "عالم الأحلام"، كانت "ريد هيل" مدينة فتية، لا تزال في طور التأسيس وتواجه كمّاً هائلاً من العمل الذي ينتظرها، ولكن بفضل ذلك كان الناس يرون مدينتهم تتغير قليلاً مع كل إشراقة شمس. فكل يوم كان هناك شيء جديد يُكتشف، وكانت مدينتهم تخطو خطوات ثابتة إلى الأمام، تنمو وتتطور لتصبح أكثر ملاءمة للحياة البشرية.

لذا بدا المستقبل واعداً، وكان الحاضر مشرقاً أيضاً؛ إذ لم يُلقِ شيء بظلاله على حياة سكان "ريد هيل" رغم رتابتها.

إلى أن بدأت الأفكار الغريبة تنتشر بين الناس.

ويبدو أن تلك الأفكار قد نُقلت إلى المدينة من قِبَل التجار العابرين، أو ربما من قِبَل أولئك "المستيقظين" الذين ما زالوا يعيشون في العالم الواقعي، ولا يسافرون إلى "عالم الأحلام" إلا أثناء نومهم.

في البداية، لم يعر أحد اهتماماً يُذكر لتلك المحادثات الغريبة.

فقد استهزأ عامل منجم - نُقل إلى المستشفى الميداني مصاباً بحرق مروع على كتفه - عندما سمع مريضة على السرير المجاور تندد بمنظمة "النجمة المتغيرة" وتكشف عن جرائم بشعة يُزعم أنها ارتكبتها.

وعبس محارب "مستيقظ" من عشيرة "ماهارانا" عندما سمع أحد أفراد مجموعته ينقل الأخبار التي سمعها في العالم الواقعي، وشعر أن الجنس البشري لا يحتاج إلى زعيم أعلى جديد يثير القلاقل.

كما شعرت نادلة تعمل في نُزُلٍ قرب بوابات المدينة بالحيرة عندما سمعت الطاهي يستخدم اسماً غريباً في دعائه. ونظراً لبُعد "ريد هيل" وعزلتها، كانت الأخبار تستغرق وقتاً طويلاً للوصول إليها، وعندما تصل، غالباً ما تكون الحقائق مُحرّفة أو منقوصة. لذا استغرق وصول خبر الصدام بين "دريم سبون" و"النجمة المتغيرة" وقتاً طويلاً، وحتى عندما وصل، لم يُعر السكان المحليون الأمر اهتماماً كبيراً.

لم يكونوا يعلمون آنذاك أن هذا الخبر كان العلامة الأولى على أن الطاعون قد وصل بالفعل إلى مدينتهم.



تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Ads Blocker Image Powered by Code Help Pro

اكتشفنا مانع اعلانات

من فضلك اغلق مانع الاعلانات

الاعدادات

لا يعمل مع الوضع المظلم
اعادة ضبط