الفصل 746: هل أُسِر تشين مو ؟
دويٌّ هائل!
مسحت أشعة الليزر المنبعثة من السفينة النجمية الفضائية المكان ، فتبخرت سفن الفضاء والصواريخ التي كانت على بُعد مئة ميل في لحظة. و كما انفجرت القنابل الكوكبية المحمولة ، لتُشعَّ بضوءٍ يفوق الشمس سطوعاً.
«قوةٌ لا يُستهان بها.»
قهقه صاحب الرأس الزاحفي ، يراقب الانفجار في الفضاء وكأنه يستمتع بعرض للألعاب النارية.
حتى الموجات الكهرومغناطيسية الناتجة عن القنابل الكوكبية لم تؤثر في سفينتهم فائقة السرعة ؛ فنحن في الفضاء ، ولا وجود لأثرٍ لموجات الصدمة هنا.
تُوت... تُوت...
بينما كانوا يتبادلون أطراف الحديث ، انطلق صوت الإنذار.
«ما الخطب ؟»
«ديدان نانوية.»
أخرج الزاحف لسانه الرفيع ، ونقر على الأجهزة بضع نقرات ليظهر شاشة رادار الكم. لم يدركوا متى تمكنت تلك الديدان النانوية من التسلل لنخر هيكل السفينة.
«هذا المخلوق الصغير عنيدٌ وذكيٌ بشكلٍ مدهش ، لقد طوّروا ديداناً نانوية وتسللوا إلينا في خفاء ، وكدنا نغرق في شبر ماء. احجبوا الموجات الكهرومغناطيسية حول السفينة ، وشغّلوا نبضات الكهرومغناطيسية وأجهزة التشويش ، وتخلصوا من تلك الديدان.»
لقد اعتادوا رؤية مثل هذه الأمور كثيراً.
دائماً ما تكون هناك مقاومة عند أسر الكائنات غير الذكية ، أما أسر الكائنات المتحضرة دون أن تواجه هجوماً مضاداً ، فهذا هو الأمر المريب. وأمام الحضارات ذات الذكاء من الفئة الحمراء ، ليس من النادر أن ينقلب السحر على الساحر ويُقتل الآسر في لحظة غفلة....
في أعماق غابات الكونغو المطيرة.
كان تشين مو ومو نيو يرتديان دروعهما القتالية ، يشتبكان مع أجهزة الأسر الفضائية فوق الغابات.
بعد أن طافا بنصف الكرة الأرضية ، وما زالا تحت ملاحقة دقيقة ، أدرك تشين مو أن الهرب أمرٌ مستحيل ؛ فسرعة أجهزة الأسر تفوق سرعة درعه ، ولم يبقَ أمامه سوى تدمير تلك الأجهزة.
«لا قِبَل لنا بها.»
عندما اصطدمت حزمة الليزر من درعه بجهاز الأسر الغريب ، هوى قلب تشين مو في أعماقه.
إن فارق القوة بين الطرفين شاسعٌ لا يُقارن.
فهذه حضارةٌ تسبقهم بمراحل ، لدرجة أن مجرد آلة منها دفعته لاستنزاف كل ما في جعبته من طاقة.
حاول تشين مو استخدام شتى أنواع الأسلحة لتدمير جهازي الأسر.
لكن الليزر عالي الطاقة لم يترك سوى خدشٍ طفيف على سطح هذا الجهاز الغريب ، ولم تُحدث الصواريخ أي ضرر يُذكر ، كما لم تؤثر أجهزة النبضات الكهرومغناطيسية الصغيرة ، ناهيك عن موجات الصدمة والهجمات التقليديه.
علاوة على ذلك كان جهاز الأسر الفضائي أسرع منه ؛ فمهما حاول المناورة أو الهرب ، يظل ملتصقاً به كالعلكة. وإذا ما وقع في شباك تلك الحبال الآسرة لم يجد تشين مو أي سبيل للنجاة.
قبل قليل ، حوصرت مو نيو ، ولم تنجُ إلا بعد أن قطعت ذراعها ودرعها.
شعر تشين مو بأنه قطةٌ صغيرة تحاول مقاومة الصياد ؛ فحتى إن نجا الآن ، فلن يستطيع الفرار من هذا الكوكب الضيق.
كان هذا أول شعور بالعجز يداهمه ، مما جعله في حالة من الضيق لا تُوصف.
«سيد مو ، لقد دُمِّرت السفن النجمية والقنابل الكوكبية في الفضاء ، واختفى جهاز التحكم في الروبوتات النانوية.» نبهته مو نيو.
«أجل.»
كان ذلك متوقعاً بالنسبة لتشين مو ؛ فربما كانت أسلحته في نظر هؤلاء الفضائيين مجرد طرفة ، ولا تشكل أي تهديد حقيقي.
«قوة الليزر ضعيفة جداً ، ولا تملك الطاقة التي تكفى لقطع هذه المادة ، لذا لا يمكننا تدميرها.» ظلت مو نيو تلازم تشين مو عن كثب.
فالليزر الذي يقطع الألواح الفولاذية بسهولة لم يجدِ نفعاً هنا ، والروبوتات النانوية مزودة بأنظمة تشويش كهرومغناطيسي ، والصواريخ لم تحقق أي مأرب.
بينما كان تشين مو يناور كان عقله يعمل بسرعة الضوء بحثاً عن مخرج.
شياو يو حامل ، وما زالت تنتظره في المخبأ الآمن ، وإذا ما أخذه الفضائيون ، فسيضيع بيته. و لقد أدرك أن تقنيته التي ظنها متطورة ليست في نظر هؤلاء الفضائيين من الحضارات العليا سوى ألعاب بسيطة لا تصمد أمام أدنى صدمة.
ما زال الأمر غير كافٍ.
شعر تشين مو بأن قلبه يغوص أكثر فأكثر.
نحن لسنا في فيلم سينموي ، ولا يملك هالة الأبطال ؛ فالفجوة بين الحضارات لا يمكن ردمها بصرخات الغضب أو بضع محاولات للمقاومة.
إنه اصطدام بين عالمين مختلفين تماماً ، وكل حيلة أو فكرة تبدو ضرباً من العبث.
لو أُتيح له الوقت ، لاستطاع بفضل ميزات "مكتبة التقنية " أن يتطور بسرعة.
لكن للأسف ، الفضائيون لن يمنحوه هذه الفرصة.
«مو نيو ، إذا لم أعد ، اعتنِي بشياو يو والجميع من أجلي.»
كان صوت تشين مو منخفضاً بنبرة لم يعهدها من قبل.
«سيد مو ، ماذا تقصد بهذا ؟»
جاء صوت مو نيو مليئاً بالقلق والارتباك.
«لا أعلم ما الذي سأواجهه ، ولكن حين لا أكون هنا ، تابعي تطوير التقنيات حسب مساري ، وطوري سفن الفضاء فائقة السرعة ، ومواد وأسلحة أكثر قوة.»
«لماذا تقول هذا ؟»
«عندما نصر على أسر قطة صغيرة ، هل تستطيع الهرب ؟» سأل تشين مو وهو يحدق في الآلة أمامه ، ضاغطاً على أسنانه.
كانت هذه حقيقة لا يريد الاعتراف بها ، لكنها الواقع المُر.
«إذا لم أستطع الإفلات هذه المرة ، فكوني بجانب الأخت شياو يو واعتني بهن ، ولا تدعي أي أذى يلحق بهن.» كان صوته ثقيلاً ومحملاً بالأسى.
حتى وإن كان غير راضٍ عن هذا القدر ، فليس بيده حيلة ؛ كأنه يملي وصيته الأخيرة.
فالطرف الآخر يستخدم مجرد آلة أسر بسيطة ، وقد استنزف هو كل قوته ، وما لم يمت هنا ، فلن يستطيع النجاة....
في مختلف أنحاء العالم ، أثارت الآلات الغريبة التي تخطف البشر ذعراً عالمياً.
انتشرت الصور بسرعة البرق عبر شبكات التواصل الاجتماعي ومجموعات الأصدقاء ، ومع اختطاف الآلاف وفقدانهم لم يعد بالإمكان كتم الخبر ؛ ففي غضون ساعة واحدة ، أحدث الأمر ضجة كأمواج التسونامي.
الفضائيون يختطفون البشر.
الفضائيون وصلوا إلى الأرض.
توالت الأخبار مقرونة بالصور ومقاطع الفيديو ، ولم يمضِ وقت طويل حتى اكتشفوا أن تلك الآلات المجهولة بدت وكأنها سراب ؛ فبعد أن تختطف البشر وترحل ، لا تترك خلفها أي أثر.
«سيطروا على الرأي العام.»
«وجِّهوا الإعلام.»
بعد اتصالات رسمية بين القوى العظمى ، توصلوا إلى إجماعٍ موحد.
كان عليهم فعل ذلك لتجنب انتشار الذعر وانهيار الاستقرار الاجتماعي.
أوقفت عدة دول حروبها مؤقتاً ، وبدأت ببث فيديوهات ذات تأثيرات خاصة وأخبار تصف ما حدث بأنه إشاعات أو مؤثرات سينموية.
في لحظة ، أصبحت الحقيقة غائمة ومبهمة.
فمن رآهم بأم عينه يعلم أنها حقيقة ، ومن لم يرَ تملكه الشك والحيرة. وبهذا تم تقليص نطاق الذعر إلى أدنى مستوياته ، بانتظار مرور الوقت ليعتاد المجتمع على هذه الحقائق تدريجياً ، مما يمنح المجتمع مساحة للتكيف دون حدوث اضطرابات كبرى.
وحدهم المسؤولون في السلطة أدركوا حقيقة الرعب ؛ فالفضائيون في الفضاء ، وهم يقفون مكتوفي الأيدي ، مثل قطيع من النمل ينتظر مصيره أمام الصياد.
«تمت عملية جمع العينات ، ولم يتبقَ سوى هذا الرائد الحضاري.»
كانت عينا تورايلي تلمعان بشغف وهو يحدق في شاشة العرض ، كأنه فاز بجائزة كبرى.
لقد ألقى نظرة فاحصة على المدينة المصنعة في الكوكب الرابع ، وتأكد أنها تحمل الشعار ذاته الموجود على درع تشين مو ، كما استجوب رواد الفضاء الذين أسرهم ليتأكد تماماً أن هذا هو رائد الحضارة.
الحصول على نموذج تجريبي جيد يعد مكسباً كبيراً.
«لقد انتهيت من عملي.» قال لان شي وهو يسحب جهاز التسجيل.
بصفتهم فريقاً للآثار النجمية ، لا يقوم فريقهم بأسر أي كائنات حية ، بل ينصبُّ تركيزهم على تسجيل مسارات تطور الحضارات وجمع البيانات.
فإذا كانت الحضارة قد دُمرت أو اندثرت ، فإنه يحتاج لتسجيل أنواع الكائنات ، واللغات ، ومستوى التكنولوجيا ، والخصائص ، والموقع. أما إذا كانت الحضارة لا تزال قائمة ، فإنه يسجل تلك البيانات وموقعها ليتمكن الخلف من العودة لاستكشافها وتسجيل نموها.
وعندما تصل هذه الحضارة إلى مستوى معين من التطور ، يمكن أن تضمها قوى الاتحاد الكوني تحت لوائها.
«هذا المخلوق الصغير مراوغٌ حقاً ، لكن وقت اللهو انتهى ، وحان وقت حسم الأمر.» ضغط تورايلي على شاشة التحكم بضع مرات.
في عرض المحيط الأطلسي.
مع مرور الوقت كان قلب تشين مو يزداد ثقلاً.
الهرب ؟ لا سبيل!
المواجهة ؟ لا قدرة!
تبدو الآلة وكأنها تتلاعب به كما يتلاعب القط بالفأر ؛ فكل من يواجه هذا الموقف يغلي غضباً ، لكنه لا يملك إلا العجز. إنه شعورٌ مُهين للغاية.
وفجأة توقفت الآلة التي كانت تشتبك معه في الهواء ، ثم تسارعت بشكل مفاجئ لتصطدم بتشين مو ، واندفعت نحو عشرات الحبال بحجم الأصابع لتلتف حوله.
تغيرت ملامح وجه تشين مو فجأة وبشكل جذري.