الفصل 103: الصبي الصغير (الجزء الثاني)
كان الصبي الصغير ذا شعر أبيض قصير يلتصق ببشرته المتعرقة، وعيناه الذهبيتان الصغيرتان واسعتان من الخوف والصدمة، يتوسل.
انهمرت الدموع بغزارة، وارتجفت شفتاه.
كان عاري الصدر، يرتدي سروالاً رمادياً فقط، والسلاسل تلامس جسده مباشرة. صدره كان مكشوفاً، جلده مشدود على عظمه، خالياً من الدهون والعضلات.
كان نحيفاً للغاية ويعاني من سوء التغذية لدرجة أنه بدا كجثة ذابلة، ضعيفاً وهزيلاً. وزادت الندوب والحروق الحديثة المنتشرة على جسده من بشاعة المنظر.
رفع الصبي الصغير رأسه، والتقى بنظرات الكاهنة، متوسلاً ومتضرعاً، والدموع تغشى رؤيته بينما تنزلق قطراتها على منحنيات وجهه الصغير.
تلوى وكافح محاولاً التحرر، لكن دون جدوى.
وبينما كان يفعل ذلك كانت السلاسل تحترق على جلده، وتعويذات الألم تمزق عقله الشاب مراراً وتكراراً، ومع ذلك لم تنظر إليه المرأة إلا ببرود ولامبالاة.
لم تتزحزح قيد أنملة، لا لصراخه ولا لأنينه.
"اهدأ يا صغيري سيل. ومن فضلك."
كان صوتها ناعماً وحريرياً، رقيقاً ودافئاً وهي تتحدث، وهو ما يتناقض تماماً مع تعبيرها الجليدي، مما زاد من رعب وجودها.
تردد صوتها في ذهن الصبي الصغير، فهدأه جزئياً، وجلب بصيصاً من السلام والهدوء لأفكاره الفوضوية وقلبه الخافق.
عندما رأته يهدأ، ولو قليلاً، أومأت لنفسها موافقة.
"مم."
بحركات بطيئة ومتأنية، أخذت وقتها وتأكدت من عدم التسرع معه، ثم أخرجت قطعة قماش من أحد جيوبها وتحركت لتلفها حول وجهه.
ربطت القماش حول عينيه، فأعمته. ثم أخرجت قطعة قماش أخرى، ولفّتها على شكل حبل قبل أن تلفّها حول فمه وتدفعه للعضّ.
ارتجف خوفاً لكنه لم يجرؤ على الاعتراض. فعل ما طُلب منه، وعضّ بقوة وبذل قصارى جهده لكبح دموعه وشهقاته.
حاول تجاهل الألم الذي تسببه السلاسل المحترقة. ومع ذلك لم يستطع منع بعض الأنين من التسلل إليه.
"العظيم."
مررت المرأة أصابعها الطويلة النحيلة على صدره النحيل، فأرسلت لمستها الباردة ارتعاشات في جسده، إذ تناقضت مع جسده المتعرق والمتشبع بالبخار.
تتبعت أصابعها منحنيات كل ضلع، ورقصت عبر الفراغات والشقوق بينها قبل أن تتوقف فوق قلبه.
شعرت بأصداء دقات قلبه المذعورة، ثم واصلت انزلاقها صعوداً وهبوطاً على منحدرات جسده العلوي وعلى طول منحنيات وجهه الذي ما زال مستديراً بآثار دهون الأطفال.
ابتسمت.
قالت بهدوء "سيل الصغير، لا تصرخ، حسناً؟"
"إذا أظهرت للشر الكامن في داخلك أنك خائف، ولو للحظة، وإذا انحنى جسدك تحت مكائده ونجاسته، فلن تعرض نفسك إلا لمزيد من المعاناة."
اضحك إن كان لا بدّ لك من ذلك ولكن لا تبكِ. لا تصرخ أبداً. وإن كان لا بدّ من أن يُسمع صوتك، فزأر. ازأر إلى السماء واطلب بركاتها.
"اضحك في وجه الشر الكامن في داخلك. ازأر في وجهه." اتسعت ابتسامتها. "أجل؟"
ارتجف الصبي الصغير.
"...حسناً..." أجاب من خلال قطعة القماش التي كانت بين أسنانه.
عند سماع رده، أشرقت المرأة بابتسامة صافية ومشرقة، تكفي لإضاءة أحلك هاوية وإذابة أبرد قلب.
"لطالما كنتَ أشجعنا جميعاً يا سيل الصغير."
لوّحت بيدها، ومن العدم استدعت خنجراً طويلاً وحاداً، مصنوعاً من معدن أرجواني داكن بحافة قرمزية داكنة.
كان المقبض فضياً داكناً، منقوشاً عليه رموز غريبة تتوهج باللون الأزرق.
"عندما يزول الشر الذي بداخلك ويعمّدك نور السماء، سأدعك تحصل على كميات لا حصر لها من الحلويات التي تحلم بها كثيراً."
ضحكت بخفة.
"بل سأسمح لك بمشاركتها مع ليليث. ستكون وليمة عظيمة، لك وللجميع، على رماد طاغيتك. مرثية ولدت من نور، على أساس من ظلال رمادية."
كانت كلماتها تقترب من الجنون، لكن عقل أي طفل كان كذلك. وقد أنعشت الصبي الصغير، وخففت بعض الألم، وبعض الرعب مما سيأتي.
"جيد."
انزلقت يدها في الهواء، وانخفضت حتى ضغط طرف الشفرة على جلده.
ارتجفت سييل الصغيرة لكنها لم تتذمر، بل عضّت بقوة أكبر.
أمالت الشفرة بزاوية، ورفعت معصمها للأعلى، ثم...
"ممم!"
ضغطت لأسفل ببطء وتعمد، فثقبت الجلد وغاصت في اللحم. حيث اخترق الشفرة بعمق، في منتصف عظمة الترقوة، فمزق اللحم والعظم على حد سواء.
عضّ بقوة أكبر، وانطلقت منه صرخات مكتومة.
"أنت تقوم بعمل جيد."
ثم سحبت.
من منتصف عظمة الترقوة، سحبت الشفرة لأسفل عبر صدره، ففتحته على العالم.
سال الدم الدافئ وتدفق، وملأ عبير المعدن الكثيف الأجواء. شقّت الشفرة العظم واللحم كما لو كانا زبدة، دون أن تتباطأ لحظة واحدة.
قطعت حتى وصلت إلى خصره.
وهناك توقفت.
وضعت الخنجر جانباً.
بعد وقفة قصيرة، نظرت إلى سيل الصغير الذي بذل قصارى جهده لكبح دموعه وكتم صرخاته، وابتسمت بفخر.
"أنت مثالي."
اقتربت أكثر، ووضعت يديها على الجرح الممتد على جسده، وانزلقت أصابعها بين اللحم الممزق وداخل جسده، ثم—
توه!
—سحبت، وفتحت من جانب إلى آخر، كما لو كانت تفتح صندوقاً قديماً.
تردد صدى طقطقة العظام الهشة المروعة، تلتها أصوات تمزق اللحم. انكشف قلبه النابض، ورئتاه المتمددتان، وكبده، وأمعاؤه.
كانت تنبض وتتصاعد منها الأبخرة في الهواء البارد للغرفة، وكان الدم يكاد يكون غير مرئي تحت ضباب الضوء القرمزي الذي يغمر كل شيء.
وتابعت حديثها.
"لنبدأ." ...
راقب أوريل كل ذلك في صمت، وعقله فارغ.
لقد شاهد ذلك يحدث، وعاشه.
انقسم إدراكه إلى قسمين: أحدهما كسيل، نفسه الأصغر سناً، وهو يكافح تحت وطأة جنون جدته، والآخر كنفسه الحالية، شبح يراقب ذكرى كانت بعيدة في يوم من الأيام.
كان الأمر مزعجاً، أن يكون المرء شخصاً واحداً منقسماً عبر جسدين، الماضي والحاضر يتكشفان في آن واحد، لكنه تأقلم بسرعة، متجاهلاً هذا الشعور.
"سيل." بدا الأمر وكأنه دهر مضى منذ أن نُودي بهذا الاسم.
لم ألاحظ قط أن عينيها كانتا بيضاوتين. مثل عيني.
درس أوريل وجه جدته - انحدار أنفها، ولون بشرتها، وإيقاع أنفاسها، ورشاقة حركاتها.
تحت مظهرها الهادئ، شعر بعاصفة: جنون، حزن، خوف، أمل.
أملٌ مفرط. خوفٌ مفرط.
في كل مرة كانت تنتزع عضواً من أعضائه، وتشّق أحشاءه وهي حية، وتنثر أحشاءه، كانت صرخاته تغذي أملها وتخنق خوفها.
وبينما كان الدفء يتلاشى من جسده والحياة تتلاشى، وبينما كان يتوسل بلا هوادة طلباً للرحمة والنجاة، كان النور الذي بداخلها يزداد سطوعاً.
كانت تشعر بالحرقان حتى وهي تعيد خياطة جثته بالكامل، بنفس السهولة التي كان يفعلها ليريك من قبل.
كان الأمر كما لو أنهما يشتركان في نفس الشرارة.
كان بإمكانها تدميره وإعادة بنائه كما تشاء.
ومع مرور الساعات، دخلت في حالة من النشوة، تتمتم بأدعية متقطعة، وتتمايل أثناء عملها. أصبح الطقس بدائياً، غريزياً.
كانت مشاهدتها وهي تنحدر إلى هذا الحد في الجنون تؤلم أوريل أكثر من أي شيء فعلته بجسده.
تنهد.
باه!
توقفت.
تجمدت في مكانها.
ثم استقامت، وتصلّب عمودها الفقري بينما ارتفع نظرها - حتى استقرّ على -
'...أنا؟'